طالعتنا منذ عدّة سنوات حملة دعائيّة تدعو إلى «محبّة الحياة»، وهناك مَن يتحدّث عن «ثقافة الحياة» ويقابلها «ثقافة الموت»، ومؤخّراً وعلى مستوى أصدق بالطبع، في مقابلة له في صحيفة السفير1، عبّر الموسيقي الكبير مارسيل خليفة عن أفكار تستحقّ التمعّن بها، وإن كان يظنّ كاتب هذه السطور أنّها جاءت على ضبابيّة يمكن أن تشوّه المعنى العام الذي بدا أنّ خليفة أراده عندما تكلّم عن أولويّة الحبّ في الحياة على أيّ أمر آخر. فقد أعلن خليفة بعمق على أنّه «ما لم تتحرر رغباتنا لن تتحرر عقولنا. قد نربح الحرب أو نخسرها، لكننا سنربح ونحن مشوهون ومهزومون»، كما أشار إلى ما يمكن أن ندعوه باللغة الدينيّة بعداً خلاصيّاً للحبّ، عندما ذكر أنّه «لن يبقى إنسان إلا الأكثر حباً» وكأنّه يعلن كفنّان أنّ الحبّ هو الأمل في وسط العذاب والتفاهة والسأم. وإعلان خليفة هنا مختلف، برأيي، عن الحملات التي دعت إلى «محبّة الحياة» و«ثقافة الحياة» في إطار النزاع السياسي اللبنانيّ.
إلاّ أنّ هذه المواقف لخليفة، ولكلّ خطاب يشدّد على الحبّ والحياة، ينبغي ربطها دائماً بأمور أخرى، بخبرات إنسانيّة أخرى، وإلاّ خاطرنا بأن يُفهم الحبّ والحياة على أنّهما كلمتان «حالمتان» جميلتان ولكن غير واقعيتين وبالتالي يجب تهميشهما (وهو الواقع اليوم)، فنصل إلى عكس ما اشتهاه خليفة أو غيره، عند الإعلان المُلِحّ والضروريّ عن أولويّة الحبّ.
فخليفة نفسه انزلق، من حيث لا يدري، إلى ما قد يؤدّي بالإنسان إلى ما هو معاكس للحبّ بقوله: «لا أريد الحرب، ولا أريد الأرض. أريد الحب»، وهذا ما سنحاول إيضاحه في السطور التالية.
ما هو الحبّ؟ بالطبع السؤال صعب وقد أشرنا في مقالات سابقة٢ إلى أنّ الحبّ (أو المحبّة بشكل عام) ليس مجرّد شعور ورديّ جميل، بل هو سعي إنسان إلى إنشاء رابطة وحدة عميقة بإنسان آخر، من دون أن يفقد أيّ منهما فرادته الذاتيّة، هذا الجمع الصعب والذي يستهلِك الحياة بأكملها من دون أن يُستَهلَك، هو ما يمكن أن ندعوه حبّاً. الحبّ هو مسيرة لقاء عميق بين فردين بحيث يبقى كلّ منهما ذاته ويكون في نفس الوقت متصلاً بالآخر، والمحبّة هي صنو الحبّ على الصعيد الجماعيّ، هي مسعى لقاء أقصى بالآخرين مع المحافظة القصوى على الذات. ممّا يعني أنّ الحبّ والمحبّة لا ينشآن ولا ينتعشان من دون بيئة الحرّية التي تسمح لكلّ إنسان بأن يكون ذاته الفريدة وترعى الفرادات وطاقاتها والاختلاف بينها وذلك لتحقيق كلّ إنسان لذاته، ومن دون بيئة الانفتاح على الآخرين التي تسمح لكلّ إنسان أن يطلّ على فرادة الآخر وأفراحهم وآلامهم لتحقيق الوحدة الإنسانيّة.
هذا المسعى المزدوج لتحقيق الفرادة والوحدة، في بيئة الحرّية، والذي يستحقّ أن ندعوه حبّاً أو محبّة، له بُعد عاطفيّ وآخر فكريّ (وآخر جنسيّ في حالة الحبّ) ولكن أيضاً له أبعاد سياسية واقتصاديّة وتربويّة إذ أنّ هذه الصُعُد جميعاً ينبغي أن تسمح بممارسة الحرّية والتعاضد الإنسانيّين. وفي عالم الضرورة الذي نعيش فيه، والصراع الذي يقتضيه الشرّ الموجود في هذا العالم، هذا يعني حتميّة وقوف الإنسان المُحِبّ في مواجهة كلّ محاولة لقمع الحرّية والحاجة الإنسانيّة إلى التعاضد مع آلام الآخرين، ولهذا فإنّ مقاومة كلّ قمع وكلّ استغلال جزءٌ لا يتجزّأ من عيش الحبّ على أرض الواقع.

إنّ من
لا يريد أن يقاوم الاعتداء على الحرّية الإنسانيّة
لا يمكنه
أن يحيا
الحبّ

فمن لا يريد أن يقاوم الاعتداء على الحرّية الإنسانيّة التي تسمح وحدها بأن يكون كلّ واحد منّا نفسه وأن يحقّق طاقاته الإنسانيّة٣ ومواهبه لا يمكنه أن يحيا الحبّ بالشكل الأفضل الذي يدعو إليه (إن كان يدعو إليه) لأنّه بقبوله قمع حرّيته الذاتيّة أو حرّية غيره، هو لا يسمح لنفسه بنموّ فرادته التي تقتضي تعبيراً حرّاً عن الاختلاف والتنوّع، ويقطع ذاته عن التعاضد مع نفسه ومع الآخرين وبذلك ينتقص من بُعد الوحدة الإنسانيّة مع الآخرين. مَن يجد نفسه أو آخر مظلوماً، أو مقموعاً، أو انتُزعَت أرضه، وغضّ الطرف، إمّا لسوء تقدير ظنّاً بأنّ كلّ هذا هامشيّ أمام أولويّة الحبّ، أو لجُبن، كان بهذا يبتعد عن عيش الحبّ في الحياة اليوميّة٥، هذا الحبّ الذي يردّد لفظيّاً وفكريّاً مدى أهمّيته.
لكن عدا مواجهة القمع، نودّ أن نلقي الضوء على أمرٍ مغيّب عادة عن النقاش عند الذين يدعون إلى محبّة الحياة، ألا وهو أنّ محبّة الحياة ترتبط بالضرورة بمواجهة الاستغلال٤. فالحياة بالنسبة الى لإنسان لا تقوم على مجرّد العيش على المستوى الحيوانيّ، مثل تناول الطعام والشراب والتوالد. الحياة الإنسانيّة تقتضي الحبّ، فالحبّ حاجة إنسانيّة جذريّة معروفة في علم النفس الذي طالما هو مهمّش في بلادنا (والمؤمن يرى أنّ الله خلق الحبّ الإنسانيّ، بل يرى البعض بالحبّ خبرة لقاء بالله نفسه)، ومن هنا ضرورة التشديد على أولويّة الحبّ، وأهمّيته في حياتنا وتربيتنا، في كلّ خطاب يتكلّم عن محبّة الحياة. ورغم ضيق المجال لشرح واف، يمكن القول إنّ الحياة الإنسانيّة الحقّة هي الحياة في الحبّ، بلا حبّ نحن في عيشٍ لم يتحوّل إلى حياة إنسانيّة حقّة، نحن في عيش لم نحقّق فيه رغبتنا العميقة بالفرادة وبالوحدة مع الآخرين في بيئة الحرّية. هكذا، فإنّ محبّة الحياة لا يمكن أن تكون إلاّ في السعي إلى تأمين ظروف عيش الإنسان لفرادته ولوحدته مع الآخرين في بيئة الحرّية٥. ولكن هذا العيش يبدأ هنا والآن، ويجب أن يبدأ هنا والآن، من يقول هنا والآن يقول أنّه على أرض الواقع محبّة الحياة تقتضي الدفاع اليوميّ عن الحبّ أي الدفاع اليوميّ عن عيش الإنسان لحرّيته كي ينمو إلى ملء طاقاته وفرادته وكي يعيش وحدة مع الآخرين من خلال أنظمة تربويّة واجتماعيّة وسياسيّة تشجّع على نشوء هذه كلّها. ومن هنا فإنّ إيمان الإنسان بأولويّة الحبّ في محبّة الحياة، يدفعه دفعاً لمقاومة اعتداء أنظمة الاستغلال على الإنسان، (١) لأنّ أنظمة الاستغلال لا تسمح للإنسان بأن يحصل على تربية وتعليم وصحّة وعمل ضروريّة جميعها كي تنفتح أمامه سبل الوصول إلى تحقيق ملء طاقاته الفريدة؛ (٢) ولأنّ الاستغلال لا يسمح للإنسان بأن يكون حرّاً - فالديموقراطيّة لا تكفي وحدها لعيش الحرّية - إذا كما يقول الفيلسوف المسيحي بردياييف «العامل حرّ ولكنّه لا يستطيع أن يحقّق حرّيّته، أن يستفيد منها، فتبقى شكليّة... في الديمقرطيّات الرأسماليّة، تكون الحرّيّة أحياناً وهميّة بالنسبة إلى طبقة كاملة من المجتمع»٦، فما هي حرّية العامل إذا لم يكن قادراً أن يأكل خبزاً أو يتعلّم أو يتطبّب أو يقرأ أو يعرف، هذا هو رياء النظام الرأسماليّ المتوحّش في نسخته اللبنانيّة خاصّة؛(٣) ولأنّ الاستغلال يؤسّس شبكة علاقات قهر وخضوع من جهة، وطرق عيش تفصل بين البشر وتربّي على الانفصال الأنانيّ عن الآخرين. إنّ كلّ دعوة إلى محبّة الحياة وإلى ثقافة الحياة دون التأكيد على ضرورة العمل من أجل رفع الظلم والاستغلال هي دعوة مشوبة بقصر النظر، أو بسوء النيّة (عند المستفيدين من الاستغلال). بالطبع، كما ذكرنا سابقاً - إنّ محبّة الحياة وثقافة الحياة تقتضيان مقاومة أنظمة البطش للأسباب نفسها، لأنّها تخلق بيئة مناسبة لتشويه الإنسان بتشويه طبيعة علاقاته بالآخرين وبنفسه، من خلال قمع الحرّية وتأسيس علاقات ذات طابع استعباديّ مُذِلّ واستغلاليّ. ولكن إن كان ذلك واضحاً في ظلّ أنظمة القمع فهو غير واضح في ظلّ أنظمة الاستغلال التي تبقى مستترة في تدميرها للإنسان وتشويهها لطاقة الحبّ التي فيه، فلا يفضحها أو يراها المجتمع، ونادراً ما نسمع الدعوات إلى مقاومتها.
إنّ مقولَتَي مرسيل خليفة بأنّه «لن يبقى إنسان إلا الأكثر حباً. لن يبقى إنسان إلا الأكثر جمالاً. ولن يبقى إنسان إلا الأكثر قدرة على تحرير الآخر من التفاهة والعذاب والشقاء والخوف بواسطة الحب»؛ أو بأنّه «ما لم تتحرر رغباتنا لن تتحرر عقولنا. قد نربح الحرب أو نخسرها، لكننا سنربح ونحن مشوهون ومهزومون»، هما صحيحتان، على أن يقترنا فوراً بالتأكيد على أنّ مقاومة الظلم وسالبي الأرض وسالبي الحرّية وسالبيّ المال ومستعبديّ الإنسان في نظام استغلاليّ أم قمعيّ، هي التي تتيح لنا أن نحيا الحبّ في هذا الجسد وفي هذا اللحم والدم وفي هذا العالم.
وإن كان «الحب الحقيقي هو ثمرة الحرية الإنسانية الكاملة»، كما يقول خليفة عن حقّ، مرجّعاً صدى أغنية فرنسيّة قديمة، كيف يمكن عندها أن نقبل بأيّ أمرٍ يضربُ حرّية الناس ولا نقاومه؟ ونودّ هنا أن نؤكّد أنّ العكس صحيح أيضاً، أي أنّ الحرّية نفسها تحتاج إلى الحبّ كي تبقى، الحرّية الكاملة هي ثمرة الحبّ الإنسانيّ الكامل، فالذي يقاوم شرّ قامع أو محتلّ أو مستغلّ، دفاعاً عن حرّية الإنسان، إن لم يؤكّد على حبّ الإنسان، بالتأكيد مثلاً على كرامة الإنسان، كلّ إنسان، حتّى كرامة عدوّه الإنسانيّة (بالامتناع عن تعذيب عدوّه أو خصمه مثلاً)، فإنّه سينجرف لا محالة، عاجلاً أو آجلاً، إلى وضع معادٍ للحبّ وينقلب على الحرّية التي يقاتل، أو قاتَلَ، من أجلها، والأمثلة على هذا الانجراف يحفل بها التاريخ.
إن كان الحبّ على هذه الدرجة أولويّة، وهو أولويّة وجوديّة برأيي، عندها لا يمكن أن «أدير ظهري  لكل ما يُشغِلون به الناس من سياسة وزبالة» كما ذكر خليفة، لأنّ عدم إدارة الظهر هي ترجمة في هذا الجسد وعلى هذه الأرض لحبّي أنا، فالحبّ ليس أمراً خارجيّاً أو شعوريّاً وإنّما هو خبرة حياة، خبرة تتسرّب طبيعيّاً إلى أبعاد الحياة الإنسانيّة جميعاً، فتكون بذلك أصيلة وعميقة وحقيقيّة، وللمؤمن أن يرى بأنّ هذه الخبرة في هذا العالم تجسّد إيمانه بالله وتجذّره بآن، وأنّه يستمرّ في خبرة الحبّ هذه، بعد الانتقال إلى حياة أخرى، باقياً على ذاته الفريدة ومتّصلاً بالآخرين وبالله، بطريقة لا يعرفها اليوم.
الحبّ لا يدفعنا بعيداً عن الالتزام، بل إلى الالتزام، والموسيقى لأنّها ناقلة للجمال والفرح وترينا إمكانيّة عالم أفضل، هي التزام بالإنسان وحبّه وفرحه، ولكن هذا لا يُنقِصُ شيئاً من ضرورة أشكال أخرى من الالتزام، واحترامها والتأكيد على ضرورة احترامها، وإلاّ فالخطر هو أن ننغلق على صنم نسمّيه «الحبّ» نمجّده ولكن تنغلق قلوبنا عن الآخرين ومآسيهم، فيكون الحبّ فعليّاً بعيد عن حياتنا اليوميّة، وهو نفس الخطر الذي يكمن في أن نناضل من أجل «الإنسان» و«الحرّية» و«الأرض» و«فلسطين» والذي ينتهي بعبادة صنم السلطة، قاتلاً الحبّ والحرّية. هذا الخطر لا ينفي ذاك والعكس صحيح.
إنّ قراءة للوضع الإنسان ومأساته يمكنها أن تُرينا أنّ الحبّ هو الأولويّة المطلقة، ولكنّه أولويّة كيانيّة، أي أنّه خبرة مركزيّة فينا تتغذّى بكلّ خبرة مقاومة لقمع واستبداد واستغلال وبكلّ موسيقى ولوحة وشعر وفنّ وجمال ولقاء جسديّ وفكريّ وعاطفيّ، وبالآن نفسه الحبّ خبرة تغّذي هذه الخبرات جميعاً. الأولويّة الكيانيّة للحبّ لا تعني أنّ الحبّ يجب أن يسبق أيّ خبرات أخرى في الحياة، ولا أنّه يعلوها، ولا أنّها هي يجب أن تسبقه ولا أن تعلوه، الأولويّة الكيانيّة للحبّ تعني أنّ الحبّ هو الرغبة الكبرى، وأنّه يتجسّد من خلال خبرات عديدة ويتجذّر بها فلا يتحوّل إلى كلمة مفرغة من معناها، وأنّه يضيء على هذه الخبرات حتّى لا تَضلَّ مصبَّ أشواقها: الحبّ في بيئة الحرّية.

* أستاذ جامعي
حواشي:
١- «أندلس الحب» عمل يعيد زمن التمرد والحرية، مارسيل خليفة: العشق فعل مقاومة، اسكندر حبش، الأربعاء ٩ آذار ٢٠١٦
٢ - «الانقلاب على المبادئ: هل من تقييم أخلاقيّ؟»، مجلّة الآداب، العدد 9-10، 2009
«الهجرة إلى الليبراليّة، مخاطر العبوديّة»، صحيفة الأخبار، عدد الثلاثاء ٢٧ تشرين الأول 2009
«الجنس والحبّ»، مجلّة الآداب، العدد 11 – 12، 2010
راجع  المقالات على الموقع التالي christoelmorr.weebly.com
٣-  هذا لا يتضمّن الرغبة بالقتل والقمع والتسلّط وغيرها لأنّ هذه ليست «حاجات» إنسانيّة بقدر ما هي أمراض إنسانيّة
٤- خريستو المرّ، القيامة في حياتنا اليوميّة، فصل «القيامة والتزام شؤون العالم»، سلسلة خبز وملح، ٣، «تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع»، ٢٠١٥
٥- هذا موضوع كتابين سيصدران عن تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع بعنوان «المحبّة بين الإيمان وعبادة الأصنام»، ٢٠١٦ (جزء ١ و٢)
٦- Berdiaeff, Nicolas, «Au seuil de la Nouvelle époque», Delachaux et Niestlé, 1947, p. 106