في الوقت الذي تكمل فيه الثورات العربية عامها الأول، تطرح قضية أفق تلك الثورات والأوضاع التي قد تنجم عنها. لقد انطلقت موجة الثورة من تونس، وانتشرت بعدها في المنطقة العربية في مواجهة أنظمة استبدادية حرمت الشعوب من أي حقوق ديموقراطية، فكان من البديهي أن تطمح تلك الثورات إلى القضاء على الاستبداد السياسي وفتح الطريق للديموقراطية. ولكن ما لا يمكن إهماله في مصر وتونس وغيرها من البلدان العربية بالتأكيد أنّ الاستبداد السياسي ارتبط بسياسات الإفقار والتهميش لقطاعات واسعة من المواطنين، وتركيز الثروة في أيدي حفنة قليلة مرتبطة بالسلطة السياسية.


لذا فمن غير المتوقع إجراء إصلاحات سياسية وديموقراطية جديّة، دون أن تمسّ بشكل مباشر مصالح الجماعات التي ارتبطت بالأنظمة المخلوعة. من هنا يجب النظر إلى التطوّرات الجارية على الساحتين المصرية والتونسية. فالسائد في المقارنة بين الوضعين المصري والتونسي هو أنّ الثورة التونسية تسير بخطوات أكثر ثقة وثباتاً نحو تحقيق أهدافها الديموقراطية، وبناء نظام ما بعد الثورة. فقد استطاعت تونس خلال العام الأول من الثورة تأسيس البرلمان والجمعية التأسيسية وانتخاب الرئيس، والقيام بالعديد من الإجراءات والخطوات التي تؤسس لنظام ما بعد الثورة، والأهم طبعاً هو خروج العسكر مبكراً من المشهد، وغياب تهديد الحكم العسكري. الوضع في مصر أكثر تعقيداً، والخطوات أكثر بطئاً. فبعد عام من الثورة، لا يزال العسكر يملكون الكلمة الفصل في المسارات السياسية. ورغم انتخاب البرلمان، إلا أنّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يزال هو الحاكم الحقيقي، ومسألة انتقال السلطة وانتخاب رئيس للجمهورية أمور تحيط بها الشكوك. ذلك فضلاً عن الأحداث المتلاحقة من قتل واعتقال وتعذيب، تعيد إلى الأذهان سياسات نظام مبارك. تبدو المقارنة للوهلة الأولى محسومة بين الثورة التونسية التي أسرعت في تحقيق الاستقرار نسبياً، والثورة المصرية التي لا تزال تعاني من تعقيداتها الخاصة وتلاحقها الأزمات. تبدو تلك المقارنة متعجلة إذا لم تأخذ في الاعتبار أنّ كلا الثورتين المصرية والتونسية لم تحرز إلى الآن تغييراً ذا شأن في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي صنعتها الأنظمة المخلوعة. هناك فارق كبير بين ما يمكن اعتباره الاستقرار وبناء نظام ما بعد الثورة والذي يحدث بعد انتصار الثورات وهدم النظام القديم، واستعادة الطبقة الحاكمة التي قامت الثورة ضد نظامها توازنها واستقرارها وقدرتها على امتصاص
الثورة. إنّ الواضح في تونس ومصر أنّ الطبقة الحاكمة، المتمثلة في كبار الرأسماليين وحلفائهم، لم ينلها تأثير يذكر جراء الثورة، حتى وإن كان بعض أفرادها من الذين اعتبروا رموزاً للسلطة والنظام تعرضوا للملاحقة، إلا أنّ الطبقة الحاكمة ككل لا تزل تحتفظ بمصالحها ووضعها الاجتماعي كما هو. من هنا يجب استنتاج أمر هام من المقارنة بين ما يجري في كلا البلدين، فالواضح وفقاً لذلك أنّ الرأسمالية الحاكمة في تونس أكثر قدرة على استعادة استقرارها وامتصاص الثورة من نظيرتها المصرية. وهذا منطقي جداً إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أزمة الرأسمالية المصرية قبيل الثورة كانت أعمق من أزمة الرأسمالية التونسية. لقد كان عنوان الأزمة التونسية عدم العدالة في توزيع ثمار النمو في تونس بين الساحل والمناطق الجنوبية التي انطلقت منها الأزمة. بينما كان التدني العام للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية هو السائد في مصر. يتضح ذلك أكثر من التباين الشديد في مستويات الدخل والأجور والتعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي بين الدولتين، لمصلحة تونس بالطبع. وهو ما يعني بالضرورة أنّ قدرة الطبقة الحاكمة المصرية على امتصاص آثار الثورة واستعادة توازنها أقل كثيراً من نظيرتها التونسية. وهو بالضبط ما يحدث حالياً. فما يجري على الساحتين هو تسارع الطبقات الحاكمة للتكيّف مع الأوضاع الجديدة التي خلقتها الثورة، وإعادة إنتاج مؤسسات السلطة بما يسمح باستمراها. يضاف بالتأكيد الكثير من التعقيدات الخاصة بالوضع المصري، مثل الطابع المركزي للقاهرة بالنسبة إلى القوى الاستعمارية، وكونها دولة مواجهة محتملة مع إسرائيل، ما يزيد من عمق أزمة الطبقة الحاكمة، ويضيف إليه البعد الوطني. كذلك الأزمات الطائفية التي صنعها النظام السابق ولا يمكن تغافلها في أي ترتيبات مقبلة.
تبدو الرأسمالية التونسية أكثر قدرة على المناورة والمرونة في الحركة، وتقديم التنازلات السياسية، بينما يبدو هامش المناورة أمام الطبقة الحاكمة المصرية ضيقاً للغاية، وفرصها في إزالة آثار الثورة أقل. ولكن الشبه الأكيد بين الوضعين التونسي والمصري هو أنّ الأنظمة والطبقات الحاكمة التي ترنحت أمام الصعود الثوري لا تزال قادرة على استعادة توازنها، بدرجات متفاوتة وخسائر محتملة. ولكن السؤال الذي لا تجيب عنه تلك الطبقات هو: ما حجم التكلفة التي يمكنها تحملها للتكيّف مع أوضاع ما بعد الثورة؟ واقع الأمر أنّ ما تستطيع تحمله رأسماليات العالم الثالث من تكلفة ليس بالكثير. فالفساد والاستبداد مثلا امتيازات للرأسمالية في العالم الثالث، وخصوصاً في العالم العربي، حيث افتقدت الرأسمالية القدرة التنافسية نتيجة التخلف التكنولوجي وضعف التراكم ووجود الاحتكار، ودعم غير محدود، من شأنه أن يضعفها بشدة في السوق التنافسية، وهو ما يمثل تهديداً لا يقل عن تهديد الثورات.
لقد حملت الثورات العربية بالفعل مضموناً سياسياً وديموقراطياً، لكنّها لم تخلُ من بعدها الاجتماعي. فمفجّر ثورة تونس كان بائعاً متجولاً في الجنوب الذي عانى التهميش في التنمية الرأسمالية. والثورة المصرية رفعت شعار «عيش (خبز)، حرية، عدالة اجتماعية»، وأطلقت طاقة الثورة في الأحياء الشعبية والعشوائيات والأوساط الفقيرة. والإصلاحات الديموقراطية التي تنتج من الثورة لا تعني في حقيقتها سوى إطلاق حق تلك القطاعات الكادحة والفقيرة في الدفاع عن مصالها وحقوقها، وتنظيم قوتها من أجل العمل على تحسين أوضاعها، وهو ما لن يحدث إلا بالخصم من امتيازات الرأسمالية، الرأسمالية نفسها التي رفضت بحزم فرض ضريبة بنسبة 10% على الأرباح الموزعة لتمويل عجز الموازنة.
هكذا يبدو الفارق بين المسار التونسي السريع نسبياً والمسار المصري البطيء، غير ذي أهمية طالما ظل معناه استعادة الطبقات الحاكمة لتوازنها، واقتصار التغيير في الحدود السياسية والديموقراطية ومقاومة التغيير الاجتماعي والاقتصادي. المساران التونسي والمصري مرشحان ـــــ وخاصة المصري ـــــ للاصطدام بالمصالح الرأسمالية التي تتناقض بالضرورة مع الديموقراطية والحريات. الحكم السريع على مسارات الثورات التي ما تزال تتفاعل لن ينتج سوى تصوّرات مجردة وخادعة. لقد اندلعت الثورات وأحرزت بعض التقدم على المسار الديموقراطي، بما يعني أفقاً أوسع للنضال الاجتماعي وتنظيم الطبقات الكادحة، وهو ما يعني أنّ المرحلة الاجتماعية للثورة قد تكون على الأبواب.

* صحافي مصري