لقد قيل في الحكومة الحالية فور تأليفها أو حتى قبل ذلك، إنّها حكومة «حزب الله». كان ذلك من قبيل التحريض الذي يعتمد بين وسائل أخرى، المبالغة والإفراط في الاتهام والتضخيم. لا شكّ في أنّ تيار المستقبل وحلفاءه، ورئيسه خصوصاً، قد فوجئوا بقرار إسقاط حكومتهم من حيث لم يتوقّعوا. وهم فوجئوا أيضاً بـ«جحود» الرئيس نجيب ميقاتي وآثار الطور السابق من تقلبات الأستاذ وليد جنبلاط «المستدامة»! لذلك، فهم وصفوا إسقاط حكومتهم بالانقلاب، وأطلقوا على الحكومة الجديدة صفة اللون الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد...

اليوم، بعد عام تقريباً من تكليف الرئيس ميقاتي ونحو عشرة أشهر من عمر الحكومة، يتبيّن أنّ تلك الاتهامات لم تكن صحيحة ولا واقعية تماماً. ليس هذا الاستنتاج دفاعاً عن الحكومة الراهنة ولا عن التوازن والمشاركة فيها. هذا الأمر لا يعنينا هنا، لا من قريب أو من بعيد. ما يجب إعادة التذكير به هو أنّ الحكومات في لبنان هي وليدة نظام المحاصصة الطائفية ـــــ المذهبية المستمرّ والمتجذّر والمتفاقمة انعكاساته السلبية المدمرة على لبنان واللبنانيين. وبسبب تقاسم النفوذ السياسي والإداري والإنفاقي وفق مؤسسات وأعراف تقوم على المحاصصة المذكورة وتغذيها، ليس من الممكن أن تقوم في لبنان حكومة حزب واحد أو لون واحد. هذا لا ينفي إمكان حصول إخلال بالتوازنات، بشكل كبير أو محدود. لكنّه إخلال لا يتخذ أبداً صفة الإلغاء والاستئثار والتفرّد، بل هو أقرب إلى الأرجحية أو الأفضلية أو الهيمنة في عدد من الحالات. وحتى قبل دستور «الطائف»، لم تكن هيمنة «المارونية السياسية» مطلقة، رغم أنّ النصوص كانت من النوع الذي يكرّس امتيازات واضحة لمصلحة ممثليها في السلطة. كذلك ففي مرحلة صعود الحريرية، وخصوصاً بين 1992 و1999 (بداية عهد الرئيس السابق العماد إميل لحود)، حصلت أرجحية واضحة لمصلحة فريقه (لا يزال قسم منها قائماً حتى اليوم خصوصاً)، لكنّها لا يمكن أن توصف بالتفرّد المطلق بالقرار أو بالإقصاء الكامل للآخرين (في بعض الشؤون)، ما دامت البلاد آنذاك، كانت تُدار في شؤونها الأساسية، من قبل السلطة
السورية).
كانت «الهيمنة» و«الامتيازات» موضع شكوى قبل «الطائف». وقد ولّدت ممارستها نقمةً واحتجاجاً في الأوساط الشعبية التي عانت الحرمان والإهمال والجهل... ويرى كثيرون أنّ ذلك كان أحد أسباب التوتر الأهلي الذي اندلع بين 1975 و1990. كذلك إنّ ما اعتمد من سياسات في الحقل الخارجي، الإقليمي والدولي، قد ولّد انقسامات كبيرة وحادة ومتفجّرة، أدت، هي الأخرى، دوراً فعالاً في زيادة الشرخ والانقسام، وصولاً إلى الاحتراب بين اللبنانيين.
وبالأمس، كما الآن، لا تفعل الارتباطات الخارجية لأطراف معادلة الحكم والسلطة والمحاصصة في لبنان، سوى تعميق طابع التقاسم في النظام اللبناني، من دون أن يلغي ذلك إمكان تقدّم فريق على آخر أو إمكان التحكّم بالقرار عموماً في عدد من الشؤون والميادين.
إلى ذلك، إنّ الاستقطاب المذهبي والطائفي وبناء قواعد التعبئة والتوازنات استناداً إليه، لا يمكن أن يلغي المشتركات الثابتة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشأن الاقتصادي ـــــ الاجتماعي. ومن دون إهمال بعض التباينات القائمة في المنطلقات والبرامج والممارسات تبعاً لتنوّع البيئات وتباينها (في ما بينها أو داخل البيئة الواحدة)، أثبتت التجارب أنّ تلك المشتركات كبيرة ومؤثرة في أمرين على الأقل: الأوّل، هو الحفاظ على طبيعة النظام القائم لجهة ارتكازه على التوزيع والتقاسم الطائفيين. والثاني هو التضامن الضمني أو العلني في مواجهة المطالب الشعبية، سواء كانت مطالب اجتماعية مباشرة، أو كانت مطالب سياسية إصلاحية، ولو محدودة وجزئية.
هذه السمات، وما لم يُذكر منها هنا أيضاً، حاضرة في المشهد السياسي الراهن، بكلّ ما يدور فيه من صراعات وانقسامات وتفاهمات... في الوقت عينه! بداية يمكن الجزم من دون الحاجة إلى كثير من الأدلة والبراهين، بأنّ غياب قوة سياسية، وإن كبيرة وفاعلة كتحالف 14 آذار عن الحكومة، لم يجعل هذه الحكومة حكومة طرف واحد وحزب واحد ورأي واحد. يكفي أن نتذكّر كيف صدر قرار تمويل المحكمة الدولية وكيف تتعثّر التعيينات ويحتدم الصراع بين أطراف الحكومة والسلطة بشأنها... أكثر من ذلك، إنّ غياب فريق «المستقبل» من الحكومة، لم يؤدّ إلى إقصائه عن الإدارة وفي أكثر شؤونها أهمية وحساسية! فالمحاصصة أمر مقدّس، أما الصراع فيدور حول النسب وحول المرجعية وحول الأحجام...
وفي موضوع معركة الأجور، فقد كفى جميع أطراف السلطة المتتبعين عبء وتعب الاستنتاج: فلقد بقي الوزير شربل نحاس وحيداً، حتى في تياره! وقد انسحب ذلك أيضاً، على الاتحاد العمالي العام الخاضع، هو الآخر، للمحاصصة، والملتحق بأطراف السلطة، ولا سيما الممثلون في الحكومة الحالية، أما الآخرون من أصحاب المصلحة في إقرار خطة وزير العمل، فهم من الضعف بحيث كانوا فعلياً، خارج المعركة، لولا بعض البيانات والتصريحات التي لا تسمن ولا تغني...
ونتوقف عند معركة إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية. لقد قالها «من الآخر» الوزير غازي العريضي محذراً ومهدداً ومؤكداً: لو «فعلتها» أكثرية الحكومة وأقرّت، ولو بشكل مشوّه مبدأ النسبية، فسينتقل رئيس «جبهة النضال الوطني» إلى المعارضة لإسقاط المشروع وربما الحكومة أيضاً! ولقد فات النائب وليد جنبلاط أنّه لن يضطرّ إلى ذلك. ليس فقط بسبب الحرص على الحكومة، بل أساساً بسبب أنّ النسبية في قانون الانتخاب لن تجد من يخوض المعارك من أجلها باستثناء بعض من يملكون النيات الحسنة دون الوسائل الفعالة، وما بقي في الإعلام الدعاية... فمجرّد إعلام ودعاية استهلاكيين!
ومع ذلك البلد «مش ماشي». هكذا كان في السابق، وهكذا هو اليوم. الأزمات تتزايد وتتعقد وتتناسل على نحو شديد الخطورة. المراوحة في المكان، أي في العجز عن إيجاد المعالجات والحلول، هي سيدة الموقف. والأسوأ أنّ البدائل المتعاقبة والمتنافسة من داخل تركيبة النظام، لا تبدّل ولا تغيّر في الكثير من الأساسيات التي باتت تضغط على المواطن بنحو غير مسبوق. كذلك، إنّ البدائل التي تنطلق من إدراك الخلل لا تملك من الحضور والتأثير والفاعلية، ما يؤهّلها لأن تكون قوة الإنقاذ المطلوبة.
إنّ تغيير الحكومات هو أمر إيجابي غالباً في نطاق تنافس القوى والمصالح والبرامج، إذا ما توافر الحد الأدنى من الالتفات إلى مصالح الشعب والوطن. لكنّ الأمر في لبنان يتخذ أحياناً طابع المجازفة الخطيرة، لأنّ الآتي ليس بالضرورة أقل سوءاً، ولأنّ الفراغ يستدرج أشكالاً إضافية من الخلل والصراعات والارتهان والانقسامات!
تلك هي الطامة الكبرى: الخلل القائم في النظام السياسي وفي نسبة القوى الشعبية ـــــ السياسية لمصلحة المتشبّثين به، ولو أدّى ذلك إلى تهديد المصير الوطني.
من هنا تبدأ، عموماً، ضرورة التغيير، ومن هنا يبدأ الإنقاذ. وفي هذا الاتجاه يجب أن تتوحّد الطاقات وتُبذل الجهود وتنطلق ورشة العمل الموعودة.
* كاتب وسياسي لبناني