هل كان ما صدر عن الجامعة العربية بشأن الأزمة السورية مفاجئاً؟ من رافق متابعة الجامعة للشأن السوري كان يتوقّع أكثر بكثير مما ظهر في الاجتماع الأخير. ويكفي أنّ اللجنة العربية شكلت برئاسة الوزير القطري، ليكون ذلك مؤشراً على سيناريو ليبي جديد، موّله ورعاه القطريون، بكلّ وقاحة.

ما صدر تباعاً عن الجامعة كان محاولة لإحراج النظام السوري تمهيداً لتدويل الأزمة السورية وإطلاق الناتو مرة جديدة لتصفية الحساب مع سوريا استجابة للمشاريع الأميركية والإسرائيلية. لكن الدبلوماسية السورية واجهت من خلال هجوم إيجابي تمثل بتجاوبها مع المبادرة العربية، الأمر الذي صدم القطريين. علماً بأنّ كل المؤشرات تدل على رهان الدوحة القوي بأن يصدر عن بعثة المراقبين تقرير يدين الحكومة السورية، ما يسمح لها بتبرير سياساتها العدائية للنظام السوري، وتحديداً ضدّ الرئيس بشار الأسد، حتى بدا الأمر كأنّه مسألة شخصية بالنسبة إلى أمير قطر حمد بن خليفة، وكذلك لوزير خارجية السعودية سعود الفيصل.
هل استنساخ السيناريو اليمني في سوريا كفيل بولادة الربيع العربي في سوريا؟ وهل تغيير النظام في سوريا يتوقف على تنحّي بشار الأسد؟ ومن يدعي القول بأنّ سفر علي عبد الله صالح سيقيم الديموقراطية التي ينشدها الشباب العربي؟ هل انتهت أزمة اليمن، وهل انتهت الأزمة الليبية التي رعاها «سموّ الأمير حمد»؟
نحن أمام زمن عربيّ رصاصيّ. زمن تحمل فيه الأنظمة البدائية والقبلية، وربما أنظمة ما قبل التاريخ، شعارات الديموقراطية والحرية والتعددية، والأنكى مطالبة هذه الأنظمة بتطبيق مبدأ تداول السلطة. لكن المشكلة ليست في هذه الأنظمة وشعوبها، بل في الغرب المتقدّم الذي يسكت على هذه العجائب، ويتعامى عن انتهاكات حقوق الإنسان المريعة في تلك البلدان.
ومهما يكن، ها قد «شمّر» العرب عن سواعدهم وتوجهوا نحو الأمم المتحدة، فماذا نتوقع؟ الطبيعيّ أن ترفض سوريا هذا الموقف العربي، مقابل إصرار قوى في المعارضة السورية على الذهاب مباشرة نحو طلب التدخل العسكري بحجة حماية المدنيين. لا أحد يقول إنّ الأزمة سهلة، وخصوصاً مع هذا التجييش العالمي ضدّ النظام السوري، والحصار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى الدعم المالي العربي للمجموعات المسلحة التي أصاب إرهابها الناس والدولة. إرهاب منتشر بالصور لمن يريد أن يرى، وقد وثّقه المراقبون العرب أيضاً. فهل يرد في بال أحد أنّ هذه الحرب العربية والعالمية على سوريا ستنتهي ببساطة، ليؤول الحكم إلى برهان غليون وفريقه بعدما قدّموا كلّ أوراق اعتمادهم الى الغرب؟
بعض المراقبين يرون أنّ النظام لا يزال محتفظاً بأوراق قوته. وبات واضحاً أيضاً أنّ غالبية المنضوين في ما يسمى «الجيش الحرّ» ليسوا سوى مجموعات مرتبطة بتنظيمات إسلامية متشددة، أو هم من الفارين من العدالة، ومعهم أيضاً بعض مجموعات المرتزقة. بينما تأكد لكثيرين أنّ الجيش السوري العقائدي «متماسك بقوة»، بحسب ما قال مراقبون، وهو ما يجعل النظام يمتلك ورقة قوة أساسية، من دون أن يعني ذلك أنّ الاستقرار سيكون قريباً، لأنّ شحن الشارع مذهبياً، وظهور فرز طائفيّ حاد، ينذران بمخاطر وخيمة. كما أنّ دور الإعلام المعادي لسوريا يدفع نحو حرب استنزاف طويلة.
في المقابل، هل تتمكن الحكومة السورية عبر الإصلاحات من وضع حدّ لهذا الانقسام؟ يبدو الجواب ضبابياً. فالغرب لن يتراجع عن مخططه الرامي إلى إطاحة النظام السوري، إلا إذا استطاع أن يبتزه بتنازلات، ومنها فكّ التحالف مع إيران، ورفع الدعم عن المقاومة في لبنان، وهي الأمور التي تعهّد بها برهان غليون. وساعتئذ يصبح النظام السوري مضموناً وتحت الراية الخليجية، وخصوصاً أنّ الغرب على ما يبدو، لم يعد كثير الحساسية من الإسلاميين، كما كانت الحال إبان أزمة الجزائر، يوم فاز الإسلاميون بالانتخابات الديموقراطية. والمثير للغرابة أنّ الجامعة العربية في مبادرتها الأخيرة تمحورت مطالبها حول المشاريع الإصلاحية نفسها التي أطلقها الرئيس الأسد في خطابه الأخير. عدا تنحّي الرئيس. وإذا كانت تلك المطالب ترضي المعارضة السورية والعرب، فلماذا رفضت طروحات الأسد؟ وهل المطلوب أن تعترض سوريا على التدخّل في شؤونها الداخلية، حتى تتحقّق الغاية بتدويل الأزمة واستقدام الغرب عسكرياً؟
كل المؤشرات تقول بأنّ النظام السوري مستعد لمواجهة التآمر العربي الغربي، فسارع الى قبول تمديد عمل لجنة المراقبين لشهر آخر، متسلحاً بتقرير رئيس لجنة المراقبين، وبموقف روسي حاسم وحازم في اعتراضه على أيّ قرار أممي لإدانة النظام السوري، وفرض عقوبات عليه. كما أنّ الغرب الضاغط سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً يقول صراحة إنّه عاجز عن التدخل عسكرياً، وهو ما قاله صراحة الأمين العام لحلف الناتو الذي أكّد عدم استعداد الحلف للتدخل عسكرياً في سوريا أو إيران. وتلك أمور تعزز موقف سوريا في مواجهة خصومها من العرب، ومن يقف خلفهم أي الخليج ومن وراءه.
أما صورة الجبهة المقابلة، فهي بحسب الوقائع القائمة، عبارة عن فرق إرهابية، تقوم بأعمال يرفضها الشعب السوري، ويخجل معارضون كثر بتبنّيها، ولا سيما أنّها تستهدف مرافق الدولة ومصدر حياة الناس، إضافة الى قوى النظام العسكرية، وبينما يدعو معارضو الخارج الناس الى مزيد من التمرد والموت، يعيشون هم حياة الملوك والأمراء، يتجولون بطائرات خاصة، ويسكنون فنادق بعدد لا يحصى من النجوم، وينفقون أموالاً تبدو أرقامها خيالية.
لسنا أمام مرحلة حل، لكن وبرغم كل العقبات ما على النظام في سوريا إلا التعجيل في برنامجه الإصلاحي، والمسارعة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، قادرة على احتواء عناصر الأزمة، والبدء بعلاجها.

* صحافية لبنانية