يوماً بعد يوم، تصبح الديموقراطية هي الضحية، بعدما كانت الهدف. لقد حصلت الثورات والانتفاضات (بالإذن من أصحاب الوصفات الثوريّة الجاهزة) احتجاجاً على الاستبداد والمستبدين، ورفضاً للدكتاتورية والدكتاتوريين. وهذه الانتفاضات والثورات، ما نجح منها وما فشل، ما حقق هدفه أو بعضاً منه، قد أسست لمرحلة انعطافية هائلة، كما دشنت مساراً لا يمكن التراجع عنه، وإن كان يمكن تشويهه، أو صرفه عن أهدافه، أو إعاقته، أو حتى توظيفه في خدمة قوى ذات أهداف استعمارية أو رجعية أو محافظة أو تقليدية.

لقد فاجأت انتفاضتا الشعبين التونسي، ومن ثم المصري، كل المعنيين بهما مباشرةً أو على نحو غير مباشر: من قوى الداخل أو من قوى الخارج. حتى قوى التغيير القديمة التقليدية، الراكدة أو الناشطة، فوجئت هي الأخرى، تماماً، فتأخر إدراكها لما يحصل والتحاقها بالجماعات المبادرة الشابة التي كانت قد نزلت الى الساحات والميادين والشوارع. لا يلغي ذلك أنّ لقوى التغيير التقليدية، وخصوصاً تلك التي لم تتبلد أو تتقاعد أو تلتحق بالحكام والسلطات، دوراً لا يجوز إنكاره في إبقاء جذوة الاحتجاج والاعتراض حية، ولو بصورة محدودة وغير فعالة أو حتى غير محسوسة.
عنصر المفاجأة الذي ميّز تحرك الشباب التونسي والمصري، لم ينسحب على الاحتجاجات الأخرى التي اندلعت في اليمن وليبيا والبحرين وعُمان والأردن وسوريا. ذلك أنّ سلطات هذه البلدان أعدت العدة لمواجهة أوضاع مماثلة. وهي بالفعل ضاعفت من استعداداتها لإجهاض التحركات. وكانت وسيلتها الأساسية، وأحياناً الوحيدة، المبادرة إلى استخدام القمع المفرط والإمعان فيه، ولو تطلب الأمر استقدام قوة مساندة من الخارج، على غرار ما حصل في البحرين.
لقد تمايزت وتنوعت التجارب والصراعات بين بلد وآخر، وهي عموماً، وبمقدار ما «صمدت» السلطات في وجه الاحتجاج الشعبي، اتجهت نحو أمرين: الأول، تصعيد العنف والقمع واتساع القتل والدمار والخسائر من كل نوع. والثاني، ارتفاع وتيرة التدخل الأجنبي، وصولاً إلى تحوّله عنصراً حاسماً في معظم الحالات. ينطبق ذلك على التجربة الليبية، التي قال الكلمة النهائية بشأنها التدخل الغربي عبر حلف الناتو، دون إسقاط أهمية العامل الشعبي في المراحل الأولى خصوصاً.
وليس بعيداً من ذلك ما حصل في اليمن، ولو بوسائط مجلس التعاون الخليجي، رغم أنّ الخريطة السياسية والقبلية المعقدة في هذا البلد، لم تمنع قطاعات واسعة من الشباب اليمني على نحو لافت، وحتى مدهش، من استمرار حضوره في الساحات كما في المشهد السياسي، بما يعد بتطورات إيجابية لاحقة، وإن تأخر الوقت.
في الحالة السورية نشهد اليوم وسنشهد غداً، المزيد من التعقيدات والتفاعلات والتداخلات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية... المحلية والإقليمية والدولية. أولاً، بسبب الكم الكبير والمتراكم من التوترات والاحتقانات في الداخل السوري. وثانياً، بسبب الدور السوري المؤثّر، وخصوصاً في نطاق الصراعات القائمة في المنطقة، وأهمها الصراع العربي الإسرائيلي، وانخراط سلطات دمشق، تبعاً لذلك، في محاور والتزامات وعلاقات، وخصوصاً منها ما هو قائم على المستويين الإقليمي والدولي، قديماً أو حديثاً.
من يتابع مجريات وتحوّلات الأوضاع في اليمن، وسوريا على نحو خاص، لا بد أن يدرك أنّ قوى وأسباباً عديدة قد تناوبت ولا تزال، على توسيع الهوة، الى درجة مخيفة، ما بين أسباب وأهداف الاحتجاجات والانتفاضات، وبين ما انتهت اليه الأوضاع في البلدين المذكورين، وخصوصاً منهما سوريا. فمن وجهة نظر النظام السوري، لا يعدو التحرك الشعبي كونه أداة لقوى خارجية تريد النيل من سياسة السلطات السورية ومن تحالفاتها و«ممانعتها». ولذلك فقد اختارت تلك السلطات الردّ الأمني حيال الاحتجاجات في مراحلها كافة، على نحو متصاعد: من الأمني الى العسكري. ولقد أسقطت السلطات السورية بذلك عنصر الحوار، وأدارت الظهر لدوره وأهميته، متوهمة أنّها تستطيع «الحسم» وإعادة الأمور الى نصابها. وهي في مجرى ذلك أطلقت على نحو يفتقر الى الملموسية، وعوداً إصلاحية لا تزال تنتظر معجزة تحوّلات ليس «البعث» مستعداً لها: لا في بنيته، ولا في تقاليده، ولا في الصيغ التي استقر عليها نظامه وآليات ممارسة السلطة في هذا النظام.
وفي امتداد ذلك، ليس من الصعب إضفاء طابع الشبهة على الغيرة الخليجية والعربية على دعم عملية تحول ديموقراطي في سوريا. فالدول الخليجية هي نماذج شديدة العراقة في ممارسة الاستبداد، وتحويله الى بنية يتكامل فيها التخلف الاجتماعي مع التبعية والارتهان الخارجيين. أما الولايات المتحدة، فرغم كل ادعاءاتها، لم تمارس إلا سياسة المصالح المحروسة بالأساطيل والمعززة بالعدوان والغزو والتحالف مع الأنظمة المستبدة طالما كانت منفذة أمنية للمصالح الأميركية والصهيونية، على نحو خاص.
إنّ مباشرة الاحتجاجات بالقمع ورفض الحوار وبعدم تحقيق بعض المطالب الإصلاحية، من قبل السلطات المعنية، هو ما أسس لبداية مسار معقد من اللجوء الى العنف من قبل بعض القوى المعارضة، وهو ما مثّل فرصة ذهبية لقوى التدخل الأجنبية، الأميركية منها خصوصاً، لكي تمارس أدواراً تزداد خطورة باستمرار. وتوظف في خدمة ذلك الإمكانات المالية الأسطورية لدول الخليج، وفي مقدمتها المملكة السعودية، وكذلك يجري توظيف ما أمكن من دور المؤسسات الدولية (مجلس الأمن خصوصاً) في سبيل تغطية أشكال من التدخل، أخطرها العسكري بالتأكيد.
ولقد جاءت نتائج الانتخابات في كل من تونس ومصر، خصوصاً، لتمثّل ذريعة لدى البعض للحذر من نتائج الإصلاح. إن هذا الحذر في غير مكانه، وهو مرفوض من حيث المبدأ. وهو مرفوض خصوصاً إذا كان صادراً عن الجهات الرسمية التي لا تعرف سبيلاً للوصول إلى السلطة إلاّ بالانقلاب، وإلى ممارستها إلا من خلال الاستئثار والمنع والقمع وتعطيل كل الحقوق السياسية الأولية للمواطنين. وفي هذا السياق، لا يمكن توقع الوصول الى عملية ديموقراطية ناجزة في القريب العاجل، فالمسار الديموقراطي سيتعزز تباعاً. وهو لن يتقدم إلا بالإصرار والنضال والتضحيات. فليس كل من ادعى وصلاً بالديموقراطية حريصاً على ممارستها، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بالوفاء للموجب الديموقراطي في ممارسة السلطة، وفي تداولها على حد سواء.
وهكذا فقد بات في بعض الحالات الراهنة لا يُنظر إليها فقط من منظور منسوب الديموقراطية المتوخاة من نتائجها (وهو منسوب متراجع الى درجة مخيفة)، بل أيضاً من زاوية استجرار مزيد من القتل والخراب والتدخل الخارجي الذي لا يبتغي سوى خدمة مصالح معروفة، أميركية وصهيونية، في المقام الأول.
وسط كل هذا التعقيد الذي ربما فاتنا أيضاً ذكر بعض أسبابه ومظاهره، لا بد من مراجعة المواقف والسياسات والعلاقات. هذا ينطبق بالدرجة الأولى على قوى الصراع الداخلية: رسميّة وشعبيّة، موالية ومعارضة. فهي أمّ الصبي وهي التي يجب أن تتحمل المسؤولية وتستعيد المبادرة في الإمساك بأطراف خيوط أزمتها، أملاً في وضع حد للتدهور وللأطماع الخارجية، وللمخططات التي يمر الجزء الأول منها، بتغذية الصراع وبتدمير الكيانات العربية من الداخل، بعدما جرى تقسيمها من الخارج.
* كاتب وسياسي لبناني