عاد أكرم شهيّب بعد غياب استمرّ منذ موقعة 7 أيّار. عاد أكرم شهيّب بأمر، طبعاً، وقد يعود ليختفي بأمر، طبعاً. أكرم شهيب كان نجماً في «ثورة حرّاس الأرز» وتفنّن في وضع شال الأرز حول عنقه. كان في التحليل ندّاً لفارس سعيد. وعودة شهيّب تزامنت مع تقلّبات جديدة لوليد جنبلاط، لكن إقامة شهيّب في الإعلام قد تطول وقد تقصر، وفق حسابات لا يعلم بها إلا الراسخون في علم التقلّب والانتهازيّة والتحوّل، الذي لا يفقه فيه أحد أكثر من وليد جنبلاط.

لا تدري بماذا تشعر وأنت تراقب وزراء جنبلاط ونوّابه وهم يتكيّفون مع تقلّباته واستداراته الانتهازيّة السريعة. أحياناً تشعر بالشفقة عليهم، وخصوصاً أنّ البيك الجنبلاطي لا يتورّع عن السخرية منهم وتقريعهم في العلن: ألم يصفهم قبل سنوات بالغباء فقط لأنّهم لم يتكيّفوا بالسرعة المناسبة مع واحد من تقلّباته السريعة؟ ألا يشعرون بالدوار مع هذه التقلّبات؟ ألا يُصابون بذلك الداء الذي يصيب من ينتقل من حيّز زماني في الكرة الأرضيّة إلى آخر بسرعة رحلات الطائرات؟ وكيف لا تشعر بشيء من الشفقة نحو من يتحرّك كعصيّ أحمد الأسعد في زمن الإقطاع الشيعي (القضاء التام على الإقطاع الشيعي كان من إنجازات الحرب الأهليّة، من يعمل حساباً لعلي عسيران، مثلاً، الذي لم ينطق في سنوات نيابته إلا في «ويكيليكس»)؟ كيف لا تشعر بشيء من الشفقة إزاء من يتحرّك في حيّز من المهانة عندما يُطلب من النائب والوزير الجنبلاطي تعليق كرامته ومبادئه على شمّاعة، قبل الانضمام إلى القائمة الجنبلاطيّة؟ طبعاً، تضم القائمة الانتخابيّة الجنبلاطيّة (من أيّام كمال جنبلاط) مموّلين لا يفتحون أفواههم قطّ: من منكم ومنكنّ مثلاً سمع صوت نعمة طعمة؟ يرد اسم نعمة طعمة في الصحف اللبنانيّة عندما يستقلّ جنبلاط طائرته الخاصّة في رحلات «البزنس» الخاصة به المطعّمة بشيء من السياسة (لكن هل ينفصل «البزنس» عن السياسة عند وليد جنبلاط؟). ومن مفارقات الحرب الأهليّة الكثيرة أنّ زعيم الحركة الوطنيّة بالوراثة (وتلك مفارقة بحدّ ذاتها) هو الأكثر حرصاً على التقيّد بشروط الزعامة الإقطاعيّة البائدة وتقاليدها ومراسمها. أي إنّ قائد حلم التغيير الذي حملته الحركة الوطنيّة اللبنانيّة هو أشد مُتمسّك بالتقاليد والأعراف الإقطاعيّة وما قبل الإقطاعيّة. حتى ترميم «قصر» المختارة يدخل في هذا الحيّز (من يزُر القصور التاريخيّة في أوروبا يدرك أنّ أياً من قصور لبنان لا يستحق صفة القصر، وأنّ الصفة تدخل في باب المبالغة اللبنانيّة التقليديّة).
ولكن في الحديث عن نوّاب جنبلاط ووزرائه، لا يمكنك إلا أن تعبّر من جهة أخرى عن عدم احترام فائق لنماذج بشريّة ترتضي في القرن الحادي والعشرين أن تؤدي دور الأدوات أو البيادق أو الرجال الآليّين الذين قرأنا عنهم في مجلّات «سوبرمان» القديمة. من يرتضي أن يغيّر قناعاته وتصريحاته بأمر بين ليلة وضحاها؟ من يرتضي أن يكون مرتمياً في أحضان النظام السوري يوم الاثنين، ثم يُؤمَر بأن يؤيّد الاحتجاجات على النظام السوري يوم السبت؟ الأمر لا يستحق الشفقة بتاتاً إلا إذا سلّمنا (على طريقة الزعامة الجنبلاطيّة) بأنّ الناس ليسوا سواسية كأسنان المشط، وأنّ هناك من يولد ليأمر وهناك أكثريّة تولد لتطيع وتصغي وتنفّذ. لا، الشفقة غير واردة، ولا يجوز أن تكون واردة. الأسوأ، أنّ هناك نماذج من الطاعة عند هؤلاء تصيبك بأكثر من الامتعاض العادي: وائل أبو فاعور مثلاً يصطنع أكثر من غيره الاقتناع بالتحوّل والتقلّب الذي يقوم به، مُتكيّفاً مع تقلّبات البيك الجنبلاطي، لكن الحديث هو عن أكرم شهيّب.
روى لي قبل سنوات الرفيق نجاح واكيم عن أكرم شهيّب حكاية من الثمانينات. كان واكيم في دمشق وكان أن صودف وجود وليد جنبلاط فتوافقا على اللقاء. دعاه الأخير إلى جناحه في فندق «الشيراتون» على ما أذكر. دخل واكيم وجلس مع جنبلاط ليحتسيا كأساً من الخمر. نظر واكيم فوجد أنّ أكرم شهيّب يقف في زاوية في الجناح الذي كان جنبلاط يقيم فيه. وكان جنبلاط يصيح نحوه بأوامر: بعضاً من الجزر، يا أكرم. أو بعضاً من المكسّرات، يا أكرم، الخ. وكان أكرم يقدّم ما يُطلب منه بصمت وطاعة، لكن واكيم الذي كان يعرف شهيّب من عاليه تضايق من المشهد، فطلب منه أن يجلس معهما ويشاركهما الشراب. رفض شهيّب ورفض جنبلاط، الذي علّق بأنّه أفضل حيث هو، أو كلام من هذا القبيل. هذا يكفي للتمهيد لحديث عن دور شهيّب في سلّم القيادة الجنبلاطيّة.
أكرم شهيّب أو غيره من نواب جنبلاط ووزرائه يتحرّكون بأمر ويصمتون بأمر. هم تحت رحمة البيك الجنبلاطي. إن استدار استداروا، وإن قفز قفزوا، وإن نطق هزوا رؤوسهم بالموافقة الحماسيّة. قد تكون الطائفة الدرزيّة من أكثر الطوائف الرازحة تحت وطأة الحكم والزعامة الإقطاعيّة. هذا جزء من التركة الجنبلاطيّة التي عرفت كيف تستخدم الحرب لإحداث المزيد من التراص الطائفي. ووزراء جنبلاط تمرّسوا في ما تمرّس هو به. أكرم شهيّب أو مروان حمادة أو غازي العريضي أطنبوا مثلهم مثل معلّمهم «أبو البوصلة» في تبجيل النظام السوري على مرّ العقود. وكان بعضهم مثله مثل المعلّم «أبو البوصلة» يتحدّث في السرّ في ما لا يتحدّث به في العلن، لكن السجل العام موجود، وأكرم شهيّب كان فصيحاً في مديح النظام السوري، كما كان وليد جنبلاط نفسه (لكن جنبلاط تقتضي الأمانة القول كان أقرب إلى الزمرة الحاكمة التي ارتكبت مجزرة حماة في 1982)، لكن لا دور لأحد منهم خارج الدور المرسوم له من جنبلاط نفسه. قد يكون مروان حمادة الاستثناء ربّما بسبب قربه الشديد من رفيق الحريري، الذي كان (على طريقة ياسر عرفات في التعامل مع المنظمات الفلسطينيّة) يجول على التنظيمات والكتل النيابيّة في لبنان لابتياع من يشاء منها. حظي حمادة بموقع وثيق الصلة.
برز أكرم شهيّب، مثل علاء الدين ترّو، في الميدان في الحرب الأهليّة (فيما برز غازي العريضي في ميدان الإذاعة الجنبلاطيّة أثناء الحرب). وحروب الحزب التقدّمي الاشتراكي حروب محض طائفيّة لا علاقة لها بالاشتراكيّة ولا بالتقدميّة. صحيح أنّ جنبلاط في ساعات التخلّي أو التجلّي أو التخلّي عن التخلّي (العمليّة عويصة وتحتاج إلى شروح تعصى على الجهّال) يشيد من وقت لآخر بحزبه وبدوره في المقاومة، لكنّ أحداً لم يفدنا بعد عن دور الحزب التقدّمي الاشتراكي في مقاومة إسرائيل. أين، وكيف؟ من يفيدنا؟ حتى في سنوات الحرب الأهليّة الأولى في 75 ـــــ 76 نأى الحزب بنفسه عن المشاركة في أكثر حقب الحرب علمانيّة في القتال، ووطنيّة في المواجهة. وكانت العلاقة بين كمال جنبلاط وكميل شمعون كافية لعزل الجبل برمّته عن الحرب الضروس الجارية من حولهما.
وأكرم شهيّب برز في حرب الجبل، على ما قيل: وهي واحد من أقبح فصول الحرب اللبنانيّة لأنّه لا جدال في وحشيّتها وفي طائفيّتها (من دون الإنكار أنّ القوّات اللبنانيّة هي التي تتحمّل مسؤوليّة إشعال تلك الحرب، كما تتحمّل مسؤوليّة إشعال معظم الحروب في لبنان، بالنيابة عن إسرائيل أو بالنيابة عن طموحاتها الطائفيّة). والقادة في الحزب التقدّمي الاشتراكي يصعدون وينزلون بمزاج من الزعيم الأوحد في الحزب، وقد رفّع أخيراً عضواً من الطائفة الشيعيّة تدليلاً على عدم طائفيّة الحزب. وكان شهيّب يمثّل الحزب في لجان وقف إطلاق النار الكثيرة أثناء الحرب. هكذا، برز في إعلام الحرب، على الأقل.
وفي شريط على «يوتيوب» يبدو أكرم شهيّب كمنسّق بين الحزب التقدمي الاشتراكي وقوات الاحتلال الإسرائيلي، ومن بدا كأنّه نسّق بين الحزب التقدّمي الاشتراكي وقوّات الاحتلال الإسرائيلي في الجبل ينسّق اليوم بين الحزب نفسه وحزب مقاومة إسرائيل في لبنان. إنّها الخفّة (بالمعنييْن) في التعاطي السياسي. ولقد سمح جنبلاط لشهيّب بأن يبرز في حركة آل سعود في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري (يأسف وليد جنبلاط لعدم إدراج «ثورة الأرز» في المنهج الدراسي اللبناني. معه حق. ولماذا لا تُدرج أيضاً نصائح وليد جنبلاط للعدوّ الإسرائيلي أثناء حرب تمّوز في المنهج الدراسي أيضاً؟ هي جزء من «ثورة الأرز». ولماذا لا يُدرج أيضاً كيف أنّ قائد الحركة الوطنيّة اللبنانيّة ردّ على اجتياح إسرائيل للبنان عبر «النأي» بحزبه عن مقاومة إسرائيل، وعبر استقبال خاص وحميم لشمعون بيريز في عقر قصر المختارة، حيث بقي جنبلاط سعياً للسترة بعد الغزو؟ و«ثورة الأرز» تستحق أن تُدرج في المنهج الدراسي: إما السعودي وإما الأميركي، ولكن ما علاقتها بتاريخ لبنان؟).
برز شهيّب في «ثورة الأرز» تلك، وصالَ وجالَ وشال الأرز لم يفارق عنقه. استطاب شهيب الدور الجديد الذي اختطّه جنبلاط لنوابه ووزرائه. وحده غازي العريضي وجد في النقلة النوعيّة شيئاً من التغيير الجذري الذي يُحرج من يخوض فيه ويتسبّب بحشر أخلاقيّته. اختار غازي العريضي أن لا ينخرط في «ثورة الأرز» كما خاض غمارها شهيّب، لكن مع البيك الجنبلاطي ليس هناك عفويّة في التحرّك من قبل النوّاب والوزراء. قد يكون الفارق في الأداء جزءاً من توزيع الأدوار. وعندما برم جنبلاط ويمم شطر النظام السوري واستخباراته من جديد بعد 2008، اختار النظام السوري وحزب الله أن يكون غازي العريضي هو صلة الوصل لأنّه لم يتلوّث مثل الآخرين باعتناق عقيدة «حرّاس الأرز»، التي وسمت الحركة التي تسمّي نفسها «استقلاليّة» لأنّها ربطت مصير لبنان بمصير المخطط الأميركي الإسرائيلي، وفي هذا بالمعيار اللبناني الكثير من الاستقلال، وخصوصاً إذا كان الرجل الأبيض يكثر من زياراته إلى لبنان للإشراف على تنفيذ المخطط بحذافيره.
مناسبة الكلام عن أكرم شهيّب أنّه كان صامتاً منذ تقرّب معلّمه جنبلاط «أبو البوصلة» ـــــ وبوصلة جنبلاط لا تتحرّك لكشف المصائر السياسيّة أو التقلبّات الإقليميّة، بل هي تتجه إلى مصادر المال والتمويل ـــــ من النظام السوري ومن حزب الله. كان أكرم شهيب الذي امتشق بندقيّة في حرب 7 أيار (وهي استغرقت أكثر من حروب داحس والغبراء وفق العويل والنحيب اللذين صاحباها في إعلام الحريري وإعلام آل سعود) ودافع عن الجبل بوجه هجمة ظالمة (ظالمة لأنّ البيك الجنبلاطي لم يكن يريد إلا إعطاء المعلومات عن شبكة اتصالات حزب الله لـ... الرأي العام ـــــ لا لإسرائيل، لأنّ الخريطة التي أصدرها مروان حمادة وجال بها على العواصم العربيّة والغربيّة كانت للنفع العام). أكرم شهيّب تحوّل إلى المنسّق الميداني للعلاقة مع حزب الله. وشهيّب الذي كان صامتاً طيلة تلك الفترة بدأ بالنطق منذ أشهر معدودة فقط. بقي صامتاً ربما لأنّه استطاب الإقامة في ربوع «ثورة حرّاس الأرز» وفي حضور اجتماعات الأمانة العامّة لـ14 آذار (التي تترقّبها جماهير الشعب العربي عن كثب لأنّ تلك الأمانة ـــــ كما تقول هي ـــــ هي التي ألهمت الانتفاضات في العالم العربي. بمعنى آخر ومن دون تواضع مصطنع، فريد حبيب وعمّار حوري وأكرم شهيّب هم الذين دفعوا الشعب العربي نحو الثورة. من الغريب أنّ هناك من يختلف مع هذه النظريّة الدامغة، بالرغم من الحلف الوثيق بين نظام حسني مبارك وحركة 14 آذار اللبنانيّة حتى لا نخلط بينها وبين شقيقتها حركة 14 آذار السوريّة، التي وجهت بياناً مكتوباً بنَفَس المكتب الإعلامي الحريري، موجهاً إلى الشعب اللبناني، لم تتطرّق فيه بكلمة إلى الجرائم التي ارتُكبت في لبنان ضد عمّال ومواطنين سوريّين في غمرة «ثورة حرّاس الأرز»).
وقد اختار شهيّب أن يصدح في موضوع بات مختصّاً فيه، وهو موضوع اختطاف الزعيم البعثي السابق، شبلي العيسمي. شهيّب يصفه دوماً بـ«المناضل الكبير»، وقد قيل فيه بعد اختطافه ما لم يُقل في المناضل الكبير جورج حبش بعد وفاته («بعيد الشبه»). هنا تبرز مفارقة أو تناقض. ظننا أنّ أكرم شهيب، بعدما انخرط في «ثورة حرّاس الأرز»، بات يحب الحياة والديموقراطيّة كثيراً، وبات ينبذ البعثيّة لأنّها «شموليّة»، كما يرد في مصطلحاتهم الجديدة ـــــ ظريف كيف يستبطن الفريق الموالي لأميركا في العالم العربي خطاب اليمين الأميركي ضد الشيوعيّة العالميّة، في خطابه ضد أعدائه المحليّين، لكن شبلي العيسمي كان جزءاً من النظام البعثي نفسه في سوريا في الستينات، وعاد وانضم إلى جناح صدّام حسين في البعث بعد الانشقاق الشهير. لا ندري من هو الذي اختطف شبلي، وقد لا نعلم عن قريب. ستُسجّل ضد مجهول، على الطريقة اللبنانيّة المعهودة، والرجل لا يملك المليارات ولم يقدّم خدمات جلّى للمخططات الأميركيّة الصهيونيّة، ولم يكن بيدقاً بيد آل سعود: أي إنّ أميركا لن تؤلّف له لجنة تحقيق دوليّة. قد يكون النظام السوري هو المسؤول، أو أنّه من المرجّح أنّه مسؤول عن جريمة الاختطاف. إنّ جرائم البعثيّين ضد بعضهم البعض (في لبنان وفي خارجه) أفظع من جرائم البعثيّين ضد غيرهم، هذا مع استسهال الإجرام على أنواعه عند البعث. وقد نشط النظامان السوري والعراقي البعثيان في اغتيال قادة بعثيّين من الطرف الآخر، وخصوصاً إذا كان البعثي المذكور قد اختار ترك القطر نحو القطر الآخر انشقاقاً. سلسلة طويلة من الجرائم والسيّارات المفخّخة المبتادلة في هذا الصدد. وقد صفّى النظام السوري في لبنان عدداً لا بأس به من منشقّين بعثيّين عبر السنوات (بدءاً باغتيال محمّد عمران في طرابلس في 1972، وأدّى ذلك إلى تفاهم قسري بين الحكومتيْن في لبنان وسوريا على عدم إيواء لبنان أيّ منشقّين أو معارضين سوريّين، إلى أن تغيّرت المعادلة بعد اغتيال رفيق الحريري)، إضافةً إلى بعثيّين عراقيّين (حتى لا ندرج تفجير السفارة العراقيّة في بيروت). طبعاً، النظام الصدّامي لم يقصّر هو الآخر في التفجيرات والجرائم ضد النظام البعثي الخصم.
لكن لماذا هذه الحماسة المُفاجئة من شهيّب نحو خطف «المناضل الكبير» شبلي العيسمي؟ هل هو المخطوف الوحيد في لبنان، وهل لأنّ القضيّة «إنسانيّة» كما يزعم الإنساني شهيّب؟ هل كان شهيّب وقادة 14 آذار سيرفعون الصوت لو أنّ الاستخبارات السعوديّة قد اختطفت معارضاً سعوديّاً في لبنان، كما فعلت في 1979 بمساعدة حركة فتح ضد ناصر السعيد، مع العلم أنّ رفيق الحريري سعى إلى إغلاق محطة «الجديد» فقط لأنّها استضافت معارضاً سعوديّاً من لندن؟ ثم متى تنتهي تلك الكذبة التي تنشط فيها القوّات اللبنانيّة، عن أنّ كل المخطوفين في لبنان اختطفهم النظام السوري، مع الاعتراف بأنّ النظام السوري اختطف لبنانيّين وفلسطينيّين وسوريّين من لبنان عبر السنوات؟ إنّ القوّات اللبنانيّة وحزب الكتائب مسؤولان عن العدد الأكبر من الخطف أثناء سنوات الحرب (والحزب التقدمي الاشتراكي قام هو الآخر بالخطف، لكن التصفية بالفؤوس عجّلت في معرفة مصائر المخطوفين). والشعب اللبناني يستسهل النظريّات والأكاذيب التي تبرّئ ذمّة اللبنانيّين، وتحمّل المسؤوليّة عن أفعالهم وقبائحهم إلى آخرين على أن يكونوا عرباً (الرجل الأبيض محظي في لبنان).
بصرف النظر عن المعاناة العائليّة والإنسانيّة لخطف رجل تسعيني يستحق أن يُطلق من الأسر، لكن تصوير العيسمي على أنّه«المناضل الكبير» أو الديموقراطي الكبير يتناقض مع سيرة الرجل، وخصوصاً في سنوات خدمته لصدّام حسين ونظامه القمعي. وهذا يوضح بالكامل طبيعة الأهداف السياسيّة لأكرم شهيّب ومن دفعه إلى تبنّي القضيّة. كيف تكون يا أكرم شهيّب ضد النظام الشمولي في سوريا، ومعه في حالة صدّام حسين، والعقيدة هي واحدة والقمع عينه (طبعاً، جنبلاط وشلته النيابيّة والوزاريّة لم يكونوا يعلمون عن الطبيعة الإجراميّة للنظام السوري في عقود التحالف الوثيق معه عبر العقود). يمكن مناصرة قضيّة شبلي العيسمي من منظار إنساني، والمطالبة بكشف مصيره دون تزوير تاريخه: إنّ معارضة النظام السوري لا تتوافق مع مناصرة النظام الصدّامي، إذا كان المعيار كما يقول شهيّب هو حب الديموقراطيّة. قد يكون اهتمام شهيّب عائد إلى ظرف المكان: فمدينة عاليه هي عرين شهيّب، لكن هذا يطرح أسئلة إنسانيّة لشهيب: أين كان حسه الإنساني عندما تعرّض عمّال سوريّون أبرياء لجرائم خطف وتعذيب وقتل في منطقة عاليه، وخصوصاً بعد اغتيال جبران تويني؟ ومن سيكشف مصير 700 من العمال السوريّين الذين تعرّضوا للخطف بعد اغتيال الحريري (لم يشر بيان المجلس الوطني السوري، الذي نشر ملصقاً يشكر فيه الملك السعودي، وابتاع مساحة في جريدة الأمير خالد بن سلطان لنشره، إليهم ولو بكلمة، لكن المجلس فرع مثل فرع 14 آذار عند الأمير مقرن). ولماذا لم تتحرّك الحميّة عند أكرم شهيب إزاء وضع العمال السوريّين في منطقة عاليه، حيث جالت عصابات «مجهولة الهويّة السياسيّة» تصطاد عمّالاً سوريّين في محطات الوقود في المنطقة؟
لا يؤدي شهيب دوراً من عنده، ولا يحيد عن تقلّبات وليد جنبلاط. اللحاق به يصيب المرء باللهاث وبضيق التنفّس، لكن من نشأ على الطاعة وكسب منها، يستسهل إهمال القناعات والمبادئ حبّاً بالزعيم الأوحد (تباحث وليد جنبلاط، على ما قرأنا في شأن الثورات العربيّة، مع أمير قطر: لعلّ الاثنين توافقا على مبدأ نبذ الوراثة السياسيّة العائليّة)، لكن دور شهيب يبدو نافراً بصورة خاصّة، لأنّ اهتمامه بأمر العيسمي تلازم مع التحوّل الأخير لوليد جنبلاط. لو طال أمد تحالف جنبلاط مع النظام السوري وأجهزة استخباراته، لما فتح شهيب فاه في أمر العيسمي، لكن شهيّب لا يهاب المواقف والتحديّات، وهو سيستمرّ في المطالبة بكشف مصير العيسمي إلا إذا أتاه الأمر من المختارة بالتنديد بالعيسمي، وبالهتاف لخاطفيه. احبسوا أنفاسكم وأنفاسكن.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)