فاجأت القدرات العسكرية الإيرانية العالم بالمناورات البحرية التي أجرتها في الخليج العربي، وفي تخوم بحر عمان، والمحيط الهندي، بحسب ما أفادت التقارير التي نقلت استخدام نوعيات وكفاءات لم تكن متوقعة، تحققت من خلالها السيطرة على مليوني كليومتر مربع في المياه، مما جعلها دولة ذات نفوذ كبير إقليمياً.

وإذا كان لكل عمل عسكري أهداف مختلفة، فيمكن رصد ثلاثة أهداف للمناورات الإيرانية: تثبيت قدرتها قوة دولية، والتهديد بنقل الصراع من سوريا الى نقطة أخرى، والتهديد بالرد على احتمالات إجراء حصار اقتصادي غربي عليها.
تجرى المناورات العسكرية في العادة للردع، فالعرف يقضي بأنّ سباق التسلح يمنع الحرب، وهكذا كانت تجري الحرب الباردة. لكن لمناورات إيران أبعاداً، واختيار المضيق ليس مصادفة، فهو حلبة الصراع والتحدي.
فلذلك، وقبل البدء بالحديث عن تفاصيل هذه الأهداف، لا بد من إلقاء الضوء على أهمية المساحة التي اجريت المناورات فيها، والأهمية التاريخية لمضيق هرمز والخليج العربي، والمنطقة الممتدة منهما نحو المحيط الهندي.
يقع المضيق في منطقة الخليج، فاصلاً ما بين مياه الخليج العربي من جهة، ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، وتمر عبره 40% من المبادلات الاقتصادية الدولية. وتطل إيران عليه من الشمال من محافظة بندر بن عباس النفطية، ومن الجنوب سلطنة عمان. عرضه 50 ــ 34 كليو متراً، وعمقه 60 متراً فقط. تعبره بين 20 و30 ناقلة نفط يومياً، بمعدل ناقلة نفط كلّ ست دقائق في ساعات الذروة، محملة بنحو 40% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم.
ونظراً لأهميته عبر التاريخ، كان المضيق منطقة أطماع الدول الكبرى الساعية للسيطرة عليه. فمنذ القرن السابع الميلادي وهو يلعب دوراً دولياً، وإقليمياً محورياً في التجارة الدولية. ولطالما سعت بريطانيا العظمى للسيطرة عليه وتأمين عبورها للهند، كما سعى الاتحاد السوفياتي أيضاً للسيطرة عليه وصولاً لأكبر احتياط نفطي في العالم في محيطه.
ومضيق هرمز مفتاح الخليج العربي المعروف أيضاً بالفارسي، وهو بحر مقفل، لكنّه يؤمن للعديد من الدول المكان الوحيد للوصول إلى مياه البحر، فهو المنفذ الوحيد للعراق، والكويت والبحرين وقطر.
ونظراً لأهميته الاستراتيجية تلك، تأتي أهمية المناورات الإيرانية، خصوصاً بعد النجاح الذي حققته.
والهدف الأول من تلك المناورات، كما أسلفنا، تثبيت إيران قوة نفوذ وتأثير دوليين. فلا شك في أنّ إيران تابعت وراقبت ما جرى في ليبيا، آخر معركة اختبار للناتو، وثبت لديها أنّ الحلف الأطلسي بدأ بطيئاً عاجزاً عن الحسم السريع، كما كان يفترض، وظهرت عليه الشيخوخة والارتباك أمام أضعف نظام عربي (ليبيا). فكتائب القذافي التي تعتبر مجرد ميليشيا، قاتلت لعشرة أشهر، وهو وقت كاف بالنسبة لإيران كي تكشف كل نقاط قوة حلف الأطلسي وأيضاً ضعفه.
بالمقابل، ما قدمته إيران من عرض للقوة في مساحة مليوني كيلو متر مربع، يؤكد امتلاكها لجيش منظم حديث ومتطور، عقائدي، محترف من جهة، ويمكّن من استخدام منظمات صواريخ متطورة جداً، تضاهي أعتى الترسانات العسكرية في العالم، من جهة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، فقد تعلمت إيران من تجربة حرب الناقلات في الحرب العراقية ــ الإيرانية الكثير، وهي تعرف تداعيات ذلك جيداً. لذلك لم تكن مناوراتها من قبيل الترفيه، بل إنّها، في هذه المناورات، انتقلت من موقع الدفاع إلى الهجوم، وظهرت في أبهى حلّة، وقدمت منظومات متنوعة ومدهشة من الصواريخ.
إنّ الانجازات العسكرية الإيرانية أصبحت حقيقة، وإيران برهنت أنّها القادرة على مقارعة الكبار وإلحاق الهزيمة بأي
معتد. الهدف الثاني هو نقل المعركة من سوريا إلى مكان آخر. ويعتبر هذا الهدف مصلحة إيرانية مثلما هو مصلحة روسية وصينية، وشبكة المصالح التي تجمع هذه الدول، تجعل منها حلفاً، ولو غير معلن. ولذلك، يعتبر احتمال نقل المعركة إلى الخليج هو من بين أهداف المناورات، وإسقاط سوريا يستهدف تفكيك محور المقاومة، استمراراً للمحاولة في حرب تموز 2006 لضرب حزب الله.
لذلك، لا يمكن لإيران أن تسمح بذلك، فسوريا جزء أساسي من المنطقة، وهي القاعدة الاستراتيجية لمشروع المواجهة والممانعة في المنطقة، فالمناورات تعني أنّ إيران مع سوريا في أي معركة قادمة، لا بل أنّ سوريا هي معركة إيران بالذات.
الهدف الثالث هو الرد على تلويح الغرب بفرض عقوبات على إيران، وحظر النفط الإيراني إلى الخارج، في ظل التزام دول الخليج بزيادة الانتاج تعويضاً عن النفط الإيراني، والاستغناء عنه وعدم شرائه. ولذلك، يجب النظر إلى أنّ الصواريخ الإيرانية البالستية ليست لضرب القواعد العسكرية فقط، بل لتدمير منابع النفط. وفي اليوم الذي تبدأ فيه العمليات العسكرية على إيران، سيرتفع سعر برميل النفط إلى 1000$، وسيكون ذلك كارثياً على أميركا والغرب عامة، اللذين يعانيان من انهيارات مالية واقتصادية وإفلاسات كبرى.
وفي أعقاب المناورات، كان الرد الأميركي إنقاذ بضعة بحارة إيرانيين في بحر عمان. وبردّ كهذا، يمكن القول إنّ المبادرة اليوم لم تعد في يد الغرب، وينظر إلى أنّ الوجود الغربي في آسيا يكاد يتلاشى، وسيكون الصراع على ما تبقى من افريقيا التي بلغت سواحلها الشرقية أصوات البارجات الإيرانية، وقاذفاتها الطويلة المدى.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ تلك المناورات هي بداية بزوغ قوة جديدة في المنطقة، مقابل أفول أخرى.
* كاتب لبناني