كتب الدكتور خالد الدخيل يوم 8 كانون الثاني /يناير الماضي، مقالة في جريدة الحياة تحت عنوان «العروبة والإسلام والليبرالية»، طرح فيها عدداً من الآراء التي اتفق معه حولها. ولعل أهم تلك الآراء قول الدكتور خالد بعدم التسرع في إصدار الأحكام على تجارب التحوّل في تونس ومصر. إلا أنّه قدم رأياً تعوزه الدقة في مقدمة المقالة، إذ افترض أنّ فشل التجربة السوفياتية كان حتمياً نتيجة تبني ثورة «اكتوبر 1917» لآراء البلاشفة دون المناشفة الذين كانوا يرون ضرورة التحالف مع البرجوازية بغرض المرور بالمرحلة الرأسمالية في الطريق إلى الاشتراكية، لكن ذلك ليس دقيقاً مئة في المئة.

كل قارئ لمخاض ثورة اكتوبر 1917، يعلم أنّ لينين لم يمارس عمله كرجل دولة إلا لمدة لا تتجاوز خمسة أعوام. إذ إنّه توقف عن أداء مهامه اعتباراً من 1922 لأسباب صحية. خلال السنوات الخمس الممتدة من 1917 حتى 1922، أنجز لينين التخلص من إرث النظام القيصري ووضع نظرياته المتعلقة ببناء الدولة الحديثة. صحيح أنّ لم يأخذ رأي المناشفة القاضي بضرورة التحالف مع البرجوازية للمرور بالمرحلة الرأسمالية في الطريق إلى الاشتراكية، وصحيح أنّه وضع أساساً نظرياً لتحالف الطبقات العاملة من جنود وعمال وفلاحين، إيماناً منه بأنّ لروسيا وضعاً يميّزها عن دول أوروبا الغربية التي بدأت تتضح فيها ملامح النضج الرأسمالي، موائماً بذلك نظريات ماركس وانجلز للواقع الروسي. لكن لا يعني ذلك أبداً أنّ اللينينية قد كونت دولة تحمل في رحمها بذرتها التدميرية. إنّ البذرة التدميرية للاتحاد السوفياتي ولمنظومة دول المعسكر الاشتراكي قد بذرها ستالين، وليس لينين ونظرياته التي لم تأخذ رأي المناشفة في اعتبارها. طغيان ستالين واستبداده ودمويته مضافاً إلى ذلك مدى شرعية منجزه الحداثي، هيأت مناخاً ملائماً لعبادة الشخصية، وهو بالضبط بذرة التدمير التي زرعتها الستالينية في رحم التجربة السوفياتية. حالت الترويكا الحاكمة في 1924 المكونة من ستالين وكامينيف وزينوفييف، دون قراءة وصايا لينين علناً خلال جلسات المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي السوفياتي. كان لينين قد وجه في تلك الوصايا نقداً صريحاً لستالين قائلاً: إنّ عيوباً مثل الفظاظة والقسوة المتناهية وانعدام البراعة لا يمكن التغاضي عنها في شخصية الأمين العام، ولذلك طلب من رفاقه إبعاد ستالين عن مراكز النفوذ والقوة. الأخذ بالليبرالية من عدمه، لم يكن إذاً هو السبب في انهيار الاتحاد السوفياتي، ونماذج كصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي لم تلهمها الماركسية ــ اللينينية، بل ألهمتها الستالينية. فاللينينة لم تقدم نموذجاً في مجال التفرد بالسلطات، بل على العكس، عملت بجانب معارضيها من الاشتراكيين الثوريين والفوضويين، وهؤلاء لم يتعرضوا للإلغاء إلا على يد ستالين. اقتبس الدكتور خالد كلاماً للمفكر المغربي عبد الله العروي، يصف به حالة الرفض السلبي الذي مارسه الماركسيون العرب في مواجهة جميع المدارس الفكرية الغير الماركسية، مسقطاً من حسبانه حقيقة أنّ اكثرية الماركسيين العرب تماهوا مع النموذج السوفياتي الستاليني للماركسية. عرف هذا النموذج بالماركسية ــ اللينينية، رغم أنّ قليلاً من التدقيق كفيل بنقض هذا التعريف، واستخدام تعريف آخر أدق وصفاً للنموذج السوفياتي، وأقصد بذلك الماركسية ــ الستالينية التي امتازت بالدوغماتية والمحافظة ضمن مناطق نفوذها، كما امتازت بالبراغماتية في مجال السياسة الدولية. والستالينية وسمت الاتحاد السوفياتي بميسمها باستثناء عهد نيكيتا خروتشوف الذي اتسم بالانتقامية دون إصلاح، فكان أن خلف خروتشوف زعماء ستالينيون تعاقبوا على حكم الاتحاد السوفياتي إلى أن انهزم في الحرب الباردة، وتفكك.
صحيح أنّ الستالينية رعت الحركة الشيوعية العالمية، إلا أنّ تلك الرعاية لها أسباب تتعلق بأمن الاتحاد السوفياتي، وخوضه حرباً باردة في مواجهة حلف الناتو في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مما دفع بستالين إلى الاستفادة من الأحزاب الشيوعية الموالية للاتحاد السوفياتي من خلال توظيفها في الأنشطة التجسسية ضد الدول التي تنشط فيها. و قد أدى ذلك إلى ويلات ونكبات على الحركة الشيوعية العالمية. فستالين قاد حرباً امبراطورية ضد قوة امبراطورية مضادة. مناطق النفوذ والمصالح العابرة للقارات هي ساحات الحروب الامبراطورية الباردة. مات ستالين في 1953 وأورث من أتى بعده نفوذاً امبراطورياً وحرباً باردة، وما ترتب عنها من أعباء اقتصادية اثقلت كاهل الاتحاد السوفياتي. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن بسبب عدم الأخذ برأي المناشفة القاضي بضرورة المرور بالمرحلة الرأسمالية وبالتالي الليبرالية، بل بسبب الاستبداد وعدم تداول السلطة بين الأحياء، والمركزية الشديدة وما يستلزم ذلك من قبضة أمنية ثقيلة للغاية، وتقديم أهل الثقة على أصحاب الكفاءات، والأخذ بالشبهة والظن واتخاذ الوشاية وسيلة من وسائل تحقيق الأمن وغياب العدالة والجمع بين السلطات، وإلغاء مبدأ تعدد الأصوات، زائداً الأعباء الاقتصادية الهائلة.
توزع المستبدون العرب على أكثر من طيف ايديولوجي، فحسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح وعمر البشير لا ينتمون لليسار، ولا صدام حسين ينتمي لليسار. في الوقت نفسه، حُسِبَ عبد الناصر على اليسار، نظراً لظروف الحرب الباردة وكذلك الحال مع المكتب العسكري لحزب البعث في شقه السوري الذي جاء منه حافظ الأسد. أما معمر القذافي فقد عاش ومات وهو يعاني من اضطراب في هويته الايديولوجية.
إنّ الخلطة السحرية التي تداخل فيها الماركسي والقومي والرومانسي، والتي قال الدكتور الدخيل إنّها مسؤولة عن إنتاج منظومة الاستبداد العربي، ليست وحدها المسؤولة عن إنتاج الاستبداد، فالفقه السياسي الإسلامي يختزن ما يكفي من نظريات تشريعه. لهذا السبب، أعتقد أنّ الحاجة ملحة إلى ثورة من داخل منظومة المفاهيم تعقب أو تتزامن مع الانتفاض بوجه الاستبداد والطغيان، وهي ستكون رافعتنا نحو المستقبل.
* كاتب سعودي