منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الأوروبية الشرقية، في مطلع العقد الأول من القرن الماضي، اتجهت الولايات المتحدة الى سياسة تهميش ومحاولة إلغاء الدور الروسي على المستوى الدولي. واستدعى ذلك عزل ومحاصرة روسيا من الخارج (بما في ذلك من خلال أقرب جيرانها)، وتفتيت وتشتيت هذا البلد العظيم الثروات المادية والثقافية، والأكبر مساحة على الكرة الأرضية، من الداخل. والمطلوب من أجل ذلك، كان دعم أمثال الرئيس الروسي الأول بعد الانهيار، بوريس يلتسين، في عملية التناوب على إدارة شؤون روسيا. ومعه ومعهم جرى تشجيع كل أشكال المافيات والفساد والهدر وعدم الاستقرار والتوترات والصراعات.

لم تسر الأمور على هذا النحو منذ مجيء من بات يعرف بـ«رجل روسيا القوي»، فلاديمير بوتين الى سدة الرئاسة. فعلى أثر تعاظم الشكوى في روسيا ضد الفوضى والفساد والمهانة والجوع، سعى بوتين خلال فترة توليه السلطة، تباعاً، الى إخراج روسيا من الوضع الخطير الذي وصلت إليه، والى بلورة مصالح كتلها البرجوازية المتكونة، بعيداً من إرهاب المافيات التدميرية في الداخل، وسياسة الهيمنة والإلحاق، من الخارج الأميركي، على وجه الخصوص.
قبيل انتهاء فترة ولاية الرئيس الروسي قبل ست سنوات، حاول الأميركيون تصفية الحساب مع بوتين. أما الوسيلة والشعارات، فكانت دعم تداول السلطة في روسيا، والحفاظ على الدستور وإشاعة الديموقراطية. تنبه بوتين مبكراً للخطة التي يجري إعدادها. التف على المواد الدستورية المانعة لتجديد انتخابه عبر احترام اللعبة الديموقراطية، لكن دون مغادرة السلطة. كان الحل، كما هو معروف، في «التبادل» مع رئيس وزارته في الموقع، دون خسارة النفوذ أو تغيير السياسات والتوجهات والعلاقات.
إنّ بوتين الذي حقق نجاحات ملموسة في مجال الأمن والاقتصاد، وفي حقول عديدة أخرى، قد طوّر، بالتناسب مع ذلك، من تمايزه عن الخطط والسياسات الأميركية، وصولاً الى إعلان رفض بعضها، ومواجهة بعضها الآخر علانية: من غزو العراق، إلى الدرع الصاروخية في بعض بلدان أوروبا الشرقية (بولندا خصوصاً)، الى التعامل مع سوريا وأزمتها في المرحلة الراهنة.
في مجرى ذلك، تدرج بوتين وفريقه، من الاعتراض على محاولة الولايات المتحدة «السعي إلى التفرد بإدارة شؤون العالم»، كما قال في حينه (في 2004)، إلى استخدام القوة او التهديد بها في وجه محاولات واشنطن وبعض من تدعمهم، النيل من الداخل الروسي أو من الجوار الاستراتيجي (كما في أزمة جورجيا) ومشروع «الدرع الصاروخية».
ولقد أسهمت «إخفاقات» الولايات المتحدة الأميركية في العراق خصوصاً، في تحسين مواقع موسكو في صراعها مع واشنطن، وكذلك في تأجيج الصراع الراهن وإكساب نتائجه أبعاداً استراتيجية على المستوى «الجيوسياسي»، كما وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خطط وسياسات واشنطن الراهنة، وخصوصاً في ليبيا بالأمس، وفي سوريا، في المرحلة الراهنة.
ثمة في تطوّر مواقف الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، ما تدرج، أخيراً، الى إضفاء صفة الشبهة على إسقاط الاتحاد السوفياتي نفسه. فبوتين يربط بين إسقاط الاتحاد السوفياتي بالأمس، ومحاولة تطويق وإقصاء وإسقاط دور روسيا اليوم.
لا يعني ذلك، بالضرورة، حنيناً حقيقياً إلى المرحلة السوفياتية، أو سعياً إلى استحضارها. إنّه يعني، بالتأكيد، اعتراضاً واضحاً، بل وحازماً، على إدانة كل معطيات تلك المرحلة، بما فيها المتعلقة بروسيا السوفياتية أو الحالية كدولة عظمى، كما تفعل الإدارات الأميركية المتعاقبة.
في السياق المذكور، تواصل روسيا تطوير علاقاتها في كل الاتجاهات. وهي تقيم الآن صيغ تعاون وتنسيق وثيقين مع العملاق الصيني. كذلك، هي تشغل الموقع الثاني في العالم في تصدير الأسلحة والنفط.
كذلك على مستوى العلاقات الدولية، كرست موسكو من خلال الأزمة السورية الراهنة وقائع جديدة في العلاقات والمؤسسات الدولية، في الجمعية العمومية ومجلس الأمن خصوصاً. لقد انتهى في هذه المؤسسات زمن التفرد الأميركي الذي اتخذ شكلين: الاحتقار والتجاهل كما في غزو العراق، والاستخدام المباشر والفئوي وغير العادل دائماً، كما في العمل العسكري ضد النظام الليبي السابق، وكما في حماية إسرائيل.
ويتكرر السؤال اليوم: ماذا تريد روسيا؟ وهل ستستمر في دعم النظام السوري مثلاً؟ البعض يبحث عن إجابات جزئية هنا او هناك، لكن كل الإجابات تبقى قاصرة ما لم تنطلق من الواقع المذكور آنفاً: روسيا تدافع عن وحدتها، وسيادتها، ومكانتها، ومصالحها الإقليمية والدولية، على حدٍّ سواء!
وبهذا المعنى الشامل والمصيري والمتكامل على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، ليست التسويات مع روسيا من النوع السهل والبسيط. هي ليست بالتأكيد في أن تلقي واشنطن لروسيا ببعض الفتات، أو أن تكف واشنطن عن تشجيع الاحتجاجات ضد بوتين أو التظاهرات ضد الحكم والحكومة الروسيين.
ويجب إضافة أنّ روسيا ليست وحدها من يعترض على الخطط والسياسات الأميركية في العالم. فالخارطة الاقتصادية تتغير بسبب تغيّر القدرات الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية للدول والمناطق، وبسبب أزمات واشنطن الاقتصادية وإخفاق مغامراتها العسكرية. ثمة اقتصادات ناهضة تشق طريقها بقوة في هذا العالم. وهي بالتأكيد، تسعى إلى بناء خارطة جديدة للعلاقات وللتوازنات وللنفوذ، على امتداد العالم وأسواقه وثرواته وموارده.
ولقد جاء وقت أيضاً، لتكريس تكوّن قوى عظمى إقليمية جديدة. كان يحصل ذلك فقط في كنف الرعاية والدعم الأميركيين، لكن ثمة أمثلة الآن تشير الى كسر هذه القاعدة التي مثلتها بامتياز الدولة الصهيونية سابقاً. إنّ تحوّلات جرت في أميركا اللاتينية منذ مطلع هذا القرن، وتحوّلات سياسية وشعبية تجري في منطقتنا منذ مطلع العقد الثاني فيه... وبينها ما يؤشر الى نشوء وتبلور تحوّلات ذات أهمية استراتيجية جديدة: على المستوى الإقليمي الآن، والدولي لاحقاً. إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواصل نجاحاتها العلمية التسليحية الدفاعية والهجومية. وهي على وشك التحوّل الى دولة نووية بالمعنى الكامل للكلمة! وفي ضوء ذلك تلح على إيران الآن، أسئلة الخروج من القمقم المذهبي الى رحاب الصراع الحضاري الشامل: وهو صراع حول الحقوق والعدالة والحرية والديموقراطية والثروات والمشاركة والسيادة والتنمية والتقدم...
لقد حاول مرشد الجمهورية الإيرانية ملامسة بعض تلك التحديات في خطبة له، بالعربية، في الأسبوع الماضي، حين تناول مسائل «الحرية والحقوق الاجتماعية بدون الليبرالية، والمساواة بدون الماركسية، والانضباط بدون الفاشية...»، حاملاً أيضاً على «الجمود والتعصب والعنف»...
الحياة دائماً أغنى من محاولات حصرها في أنماط جامدة. إنّها لا تكسر الأطر والأنماط المغلقة فحسب، بل هي تقدم دائماً الجديد والمفاجئ والمتغيّر!
*كاتب وسياسي لبناني