سيلاحظ المتأمل في مسيرة الانتفاضة السورية، ولا شك، عدداً من التحوّلات التي جرت عن الخط الوطني العام، وتراجعاً عن جوهر الشعارات التي طرحت في بدايتها. وسواء جرى الأمر بفعل العنف الممنهج للنظام أو الغباوة التقليدية للمعارضات السياسية، فإنّ المقلق أنّ الأمر أصبح واقعاً قائماً، وهو ما يزيد من تعقيد الحالة السورية المعقدة أساساً.

في بداية الانتفاضة السورية، كانت الشعارات والأهداف واضحة، وتندرج كلّها ضمن إطار السلمية ورفض التدخل الخارجي (لا العسكري فقط) ورفض الطائفية والانجرار إلى الحرب الأهلية. كانت تلك مقدسات الانتفاضة بحق، لأنّ الوعي السائد آنذاك كان مدركاً تماماً أنّ أيّ خروج عن هذه المسلمات، يعني انتصاراً للنظام (سواء بقي أم رحل) وهزيمة للثورة، وإعاقة الطريق نحو الدولة المنشودة، أو على الأقل تعقيد سبل الوصول إليها.
الآن، سنجد أنّ الانتفاضة السورية، ترفع الشعارات المعاكسة للشعارات السابقة، وبتغطية فكرية وثقافية وسياسية، من جزء لا بأس به من الجهات نفسها التي كانت ترفع الشعارات الأولى، وبتقديس مماثل يجعل من المقدس مجرد رافعة لتمرير إيديولوجيات الغباوة، في استغلال فاضح للدم السوري الذي يهرق يومياً، مع التلطي تحت تسميات «الشعب يريد... والثورة تريد». هكذا تُضفى على الثورة مقدسات تجعل منها ومن تحوّلاتها، كائناً دينياً، مقدساً، عصيّاً على النقد والتطبيق، في مصادرة مسبقة لكل آليات النقد. عملياً، يعني ذلك تعطيل القدرة على البناء، والركون إلى «قداسة الثورة» التي أوصلتنا بفعل تراكم الأخطاء المسكوت عنها، إلى وقوع الانتفاضة في نفق معتم، قد يفضي إلى تفكيك النظام والدولة معاً.
هذا الغياب الفاعل للنقد من داخل الثورة، هو السبب الأساس لانتقال الثورة من شعارات السلمية ورفض التدخل الخارجي واللاطائفية، إلى الشعارات المعاكسة المرفوعة اليوم، والمتمثلة بالسلاح والمطالبة بالتدخل العسكري (لا الخارجي فقط!)، وصولاً إلى الطائفية التي يزداد حضورها، يوماً بعد يوم.
رب قائل يقول، إنّ النظام بحلّه الأمني وطريقة القمع المستخدمة، تمكن من إيصال الأمور إلى هذه النقطة، وهو أمر صحيح تماماً، لكن ماذا عن المسؤولية في تجنب الوصول إلى هذه النقطة ومقاومة الأمر، وخاصة أن الجميع في البداية كان يدرك أنّ النظام يهدف على نحو متعمد، إلى جرّ الانتفاضة السورية إلى هذه النقطة، وقد نجح فعلاً، لكن ليس وحده، بل لأنّ ثمة أخطاءً حدثت، ساعدته على ذلك. وهنا يجب الاعتراف بخسارة (والخسارة لا تعني الهزيمة) الانتفاضة في هذا المضمار. والاعتراف هنا ليس لأجل التطهر، بل لأنّ من لا يعترف بخطئه ويتعامى عليه، سينفجر به في أيّة لحظة. وأخشى أن نكون في سوريا قد قاربنا حدود انفجار الأخطاء المغيّبة. وكما نقول إنّ أيّة حالة لا تخترق إلا من داخلها، وقياساً على القول إنّ النظام هو الذي يستدعي الخارج، فإنّ عوامل كثيرة من داخل الانتفاضة ومن القائمين عليها، ساعدت النظام على تحقيق ذلك. ويقف على رأس ذلك، غياب النقد الناجم عن أسطرة الثورة وتقديسها، لأنّ هذا التقديس حجب واقع الأمور، وأسهم في تغطية الأخطاء وتراكمها.
كانت السلمية من أهم الشعارات التي رفعت، ولا تزال هي الضمان الوحيد لنجاح الانتفاضة، التي باتت تتجه نحو العسكرة بكل ما تجره من فوضى السلاح وإتاحة الفرصة للنظام لتصعيد عنفه على نحو مطلق. وهنا نتذكر أنّ بعض الأصوات المعارضة التي كانت منذ بداية الانتفاضة تطالب باللجوء إلى السلاح، وخاصة بعد مقتل القذافي، لم يجرِ نقدها أبداً، بل نُظر إلى الأمر كأنّه شيء هامشي، إلى أن وصلنا إلى نقطة أصبح الهامش فيها متناً، وبمشاركتنا وتغطيتنا على الأمر، إذ كان إنكار وجود السلاح هو الطاغي على الجميع، لنفاجأ بين ليلة وضحاها، بأنّ أولئك الذين كانوا يؤكدون أنّه لا سلاح في الانتفاضة السورية، باتوا اليوم يرفعون شعارها علناً، على نحو واضح حيناً، وموارب حيناً آخر، بل نجد أنفسنا نقف أمام حالة مربكة، إذ تُدعم السلمية والسلاح في آن واحد! وهذا ما يتجلى بوضوح في سياسة المجلس الوطني السوري، إذ تصر قيادته في مراوغة فاضحة على السلمية، لكنّها تدعم الجيش السوري الحر، الذي نعرف كلّنا أنّ نسبة المدنيين المسلحين فيه أكبر بما لا يقاس من نسبة العسكريين المنشقين، مما يعني دعوة ضمنية إلى التسلح، لنكون أمام حالة مفارقة: إما أنكم كنتم تكذبون في البداية، أو أنّكم تكذبون الآن، وخاصة أنه لا أحد برر لنا لماذا جرت هذه النقلة النوعية، وما هي فائدتها وجدواها ومغزاها؟ ويشير الأمر من جهة أخرى، إلى أنّ خيار السلاح كان قائماً منذ البداية لدى بعض الأطراف، وهذا ما يجعلنا أمام خديعة ارتكبها هؤلاء حين غيّبوا الحقيقة، وخاصة أنّ السلاح لا ينتشر بين ليلة وضحاها، مما يدل على أنّه كان أمراً متخذاً من قبل البعض منذ البداية. والأمر نفسه، سنجده في التدخل الخارجي، إذ انطلقت بعض الأصوات منذ البداية، تطالب بالتدخل، ليكون الأمر منبوذاً كليّاً، لكن مع غياب النقد وعدم التصدي لتلك الأصوات المطالبة بالتدخل، بدأت كرة الثلج تتدحرج لمصلحة قبول التدخل، وخاصة أنّ الدم السوري المراق في الشارع، كان السلعة التي يتاجر بها هؤلاء لطلب التدخل. وهنا يمكن تفهم طلب الناس على الأرض أيّ شيء لحمايتهم من الموت، لكن لا يمكن تفهم انجرار المعارضة السورية، لطلب تدخل خارجي من دول آخر ما يهمها بالتأكيد حرية الشعب السوري وديموقراطيته، وخاصة أنّ هدف هؤلاء ليس بناء دولة ديموقراطية وطنية، بل دولة منتهكة لقوى خارجية بدأت تتصارع منذ الآن لنقل سوريا من محور إلى محور آخر.
وعلى صعيد الطائفية، كان الموضوع الطائفي من أشد الأمور التي لقيت إنكاراً على الساحة السورية، إذ كان الجميع بداية ينفيها ويصر على عدم وجودها، فيما تدرك نظرة فاحصة لمنجزات الاستبداد أنّ الطائفية السورية كانت مستترة بفعل قوة الاستبداد، لا بفعل غيابها، و هو ما كان يقتضي التعامل معها بحذر ودراية، على أنّها حالة قد تتطور إلى الأسوأ. جرى تجاهل ذلك كلياً، لنرى أنّ الأمور بدأت تتسارع وتنزلق بسرعة نحو حافات الحرب الأهلية، بفعل السلاح الذي بات منتشراً على حدود التماس الطائفي، وبفعل النخبة التي غطت العورات الطائفية، بل باتت جزءاً منها، سواء عن حسن نية أم سوء. هكذا بتنا نشهد بيانات موقعة بأسماء مثقفين علويين ومسيحيين (كيف يمكن المثقف أن يكون علوياً أو سنيّاً؟) وما شابه، وذلك في تراجع فج عن مفهوم المواطن لمصلحة الذمي أو الكائن الطائفي، الذي من المفترض أن الثورة جاءت لاستعادته، دون أن يدرك هؤلاء أنّ مساهمتهم تلك تمهد الطريق نحو العزلة الطائفية، إذ يصبح فلاناً معروفاً بأنّه ينتمي إلى الطائفة الفلانية، وآخر للطائفة المقابلة، مما قد يضع سوريا على حافات الحرب الأهلية، أو لمصلحة نموذج ديموقراطي مشوه على الطريقة اللبنانية، في أحسن الأحوال.
ولعل أكثر الأمور دلالة على تغطية العورات تحت قداسة الثورة، تسمية كتائب الجيش السوري الحر وبعض أيام الجمع السورية، إذ لم يتساءل أحدهم عن سر هذه التسميات، ومدى فعلها الهادم على المدى الآني والطويل.
ما سبق، يضعنا أمام التناقض الفج، بين استغلال الطائفية من قبل هؤلاء تحت حجة المساهمة في إسقاط النظام، وهو المعادل الموضوعي لاستخدام النظام المكونات الطائفية لبقائه، وهو ما يؤجج البعد الطائفي اجتماعياً، ويساعد النزعات الطائفية على البروز، لأنّ هوية أي كائن هي مجموع انتماءات، بينها الوطني والديني والإثني والطائفي، والمكوّن الذي يتعرض للخطر هو الذي يبرز إلى الصدارة، كما يقول أمين معلوف في «الهويات القاتلة». وهنا لا يقوم هؤلاء، بشراكة مع النظام، إلا بتمهيد الطريق للوصول إلى هويات طائفية متصارعة.
قد يقول البعض، إنّ هذا النقد يعفي النظام من مسؤوليته، وذلك ليس صحيحاً، فالنظام هو العلّة الأساس وهو محور نقدنا منذ عقود عديدة لا الآن فقط، لكن حين تبدأ المعارضة بالعمل وفق صيغ النظام، فإنّها تفقد الكثير، وخاصة أنّ المعارضة هي مشروع أمل قبل أي شيء آخر، وحين تكف عن ذلك، يبدأ طريق الانهيار.
* شاعر وكاتب سوري