في كانون الأول/ ديسمبر، رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى مدنية ضد أصول معيّنة في لبنان والولايات المتحدة، في إطار ما عُدّ الهجوم الأحدث للولايات المتحدة على حزب الله، الحركة السياسية الشيعية اللبنانية. شملت المزاعم شحنات الكوكايين الأميركية الجنوبية، تجار السيارات الأميركية المستعملة، غسيل الأموال في غرب افريقيا، عدّة غرف صرف مالي، وانتهت عند مصرف لبناني.


إثر تحقيقٍ مشترك بين وكالات عدّة، قيل إنّه أجري ما بين كانون الثاني/ يناير 2007 ومطلع 2011، تدّعي وزارة العدل الأميركية أنّها كشفت النقاب عن «مخطط دولي ضخم استعملت في إطاره المؤسسات المالية اللبنانية، من بينها مصرف وغرفتا صرف مالي مرتبطة بحزب الله، النظام المالي الأميركي بغية غسل أموال تجارة المخدرات وعائدات إجرامية أخرى عبر غرب افريقيا وفي لبنان».
ويُقال إنّ شكوى المصادرة العينية، المقدمة في مقاطعة نيويورك بهدف السعي إلى الحصول على نصف مليار دولار تقريباً، تكشف عن «مخطط غسل أموال قائم على التجارة ويشمل شراء سيارات مستعملة وغيرها من المركبات في الولايات المتحدة بغية شحنها وبيعها في الخارج وذلك باستعمال أموال مقدّمة من مصارف، غرف صرف مالي وأفراد على علاقة بالمنظمة الارهابية اللبنانية المعروفة باسم حزب الله، يحصلون على تمويل منها، تابعين لها أو خاضعين لتوجيهاتها».
انضمت كلّ من اسرائيل، ومصر، وهولندا، وكندا والبحرين إلى الولايات المتحدة في وصف حزب الله «بالمنظمة الارهابية». في السياق نفسه، أكّدت المملكة المتحدة أنّ هذا الوصف ينطبق على الجناح العسكري في الحزب وحسب، فيما كان يُعدّ، حتى الآونة الأخيرة على الأقل «حركة مقاومة» شرعية في معظم العالم العربي. في لبنان، إنّه أحد أكبر الأحزاب السياسية المُنتَخَبة. واليوم، هو جزء من ائتلاف أحزابٍ ترأس حالياً مجلس الوزراء اللبناني.
أكّدت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية لـ«الجزيرة»، عبر البريد الإلكتروني، أنّه وبمساعدة منها استفاضت بعض وسائل الإعلام الغربية في الكتابة عن التحقيق، مقدمة تفاصيل دقيقة عن شبكة معقدة من الارهاب الدولي المرتبط بصفقات المخدرات، تجار السيارات المستعملة وغسل الأموال.
بيد أنّ قراءة شكوى المصادرة، المؤلفة من 65 صفحة، عن كثب، لا تقدّم دليلاً ملموساً عن عملية يقودها حزب الله وتهدف إلى الاستحصال على الأموال من خلال غسل الأموال.

بحثاً عن معلومات

وفقاً للخبراء القانونيين، إنّه مجرد بحثٍ عن معلومات لسنا واثقين من وجودها. أشار محامي دفاع جنائي يقيم في نيويورك يدعى جوشوا دراتل، إلى أنّ رفع هذه القضية كشكوى مدنية عوضاً عن قضية جنائية، يُخفض مباشرة المعيار المُعتمد في ما يتعلّق بالأدلة اللازمة لإثبات القضية.
في تصريح لـ«الجزيرة»، قال دراتل الذي عمل على قضايا إرهاب عدّة، بما في ذلك قضية «مؤسسة الأرض المقدسة»، ومثّل دايفيد هيكس المعتقل في غوانتنامو، إنّ «بعض الأدلة التي يملكونها قد لا تكون كافية لاستيفاء المعيار الجنائي. يبدو البعض منها كمواد لا ترتبط مباشرة بالأشخاص (الواردة أسماؤهم في الشكوى) والدليل غير مقنع أبداً».
من خلال رفع دعوى عينية، ليس على النيابة العامة المطالبة بحضور أفراد، بل عليها عوضاً عن ذلك التركيز على أصول معيّنة، الأمر الذي رآه دراتل «ملائماً جداً من ناحية الحصول على الأصول من دون إحضار الأشخاص إلى المحكمة. هذا جزء من نظرية تفيد بأنّك تستطيع مقاضاة «شيء»، مما يصعّب الترافع عنه».
بالإضافة إلى ذلك، لقد رُفعت هذه الدعوى وفق القسم رقم 981، من الفصل 18 من القانون الأميركي الفدرالي، بمعنى أنّه لتربح الحكومة الدعوى، لا صلة لعلاقة حزب الله بالموضوع. وفسّر دراتل: «عليهم أن يثبتوا أشياء أخرى كغسل الأموال وتجارة المخدرات في المحكمة، لكنّ علاقة حزب الله ليست مهمة. لا علاقة للتشريع رقم 981 بالإرهاب».
رغم ذلك، هذه الوثيقة مقدّمة بطريقة تجعل من حزب الله محط الاهتمام. في هذا الاطار قال دراتل: «كتبوا 20 صفحة مفردة عن حزب الله، لكن لم يربطوه إطلاقاً بالسلوك المحدد الذي يحاولون التحقق منه في قضية مصادرة الأصول».
كذلك أوضحت المحامية المتخصصة في الحقوق المدنية والقضايا العمالية، باربرا هارفي، أنّ هذه الدعوى المدنية قد رُفِعَت ربما لجمع أدلة لا يملكها المسؤولون حتى الآن.
في تصريح لـ«الجزيرة»، رأت هارفي، وهي مديرة قانونية سابقة للاتحاد الأميركي للحريات المدنية في ولاية ميشيغان، أنّه: «يمكن اعتبار الأمر محاولة لجمع أدلة لا تملكها الدولة من أجل قضية جنائية. ومن خلال محاولة الدفاع عن أنفسهم قد ينتهي المتهمون بتوريط أنفسهم في جرائم لا تملك الحكومة الآن ما يكفي من الأدلة لإثباتها».

الرابط المفقود

تزعم الشكوى أنّ الأموال المُكدّسة من تجارة المخدرات وبيع السيارات المستعملة تنتقل عبر العالم إلى لبنان، حيث توضع في غرف صرف مالي محددة قبل أن تودع في «البنك اللبناني الكندي». وتزعم أيضاً أنّ «هيئات خاضعة لحزب الله» نفّذت هذه التعاملات.
في هذا السياق، أكّد الناطق باسم إدارة مكافحة المخدرات، راستي باين، أنّ بعض الشكوك أُثيرت حول العمليات التي نفذتها الادارة. وقد صرّح باين لـ«الجزيرة»: «أجل، كان مخططاً يدعمه حزب الله ويشمل غسل عائدات بيع السيارات المستعملة ممزوجة بإيرادات تجارة الكوكايين، وذلك عبر «البنك اللبناني الكندي». نحن على ثقة تامة بأنّ هذه الأموال ذهبت إلى حزب الله».
بيد أنّ المحامين يقولون إنّ الدليل المعروض بوضوح في الشكوى، والذي يربط حزب الله بـ«البنك اللبناني الكندي» من خلال مخطط غسل الأموال، يبدو ضعيفاً.
وأوضح دراتل: «مما لا شك فيه أنّ الحكومة قدّمت ــ في هذه الشكوى وفي دعاوى أخرى ــ أدلّة على أنّ كماً هائلاً من عمليات غسل الأموال وتجارة المخدرات يُنفَّذ هذه الأيام وبخاصةٍ في افريقيا وأميركا الجنوبية. لكن خطة مضللة مرتبطة نوعاً ما بالارهاب ظهرت هنا. في هذا السياق تبدو علاقة حزب الله بهذه الخطة من قبيل المصادفة وليست جزءاً من برنامج عملياته».
وتابع دراتل: «من خلال الشكوى، لا أرى أنّ هذه الأموال تُستعمَل لتمويل عمليات حزب الله. يبدو الأمر وكأنّ الأشخاص «مرتبطون» بحزب الله بشكلٍ أو بآخر، وقد سهّل هؤلاء عمليات تبييض الأموال وشاركوا فيها، وبهذه الطريقة جرى ربط حزب الله بهذه العمليات. لكن هذا كل ما في الأمر؛ ما من رابط فعلي يثبت أنّ هذه الأموال ذهبت إلى صناديق حزب الله».
عدّت هارفي دمج اتهامات تجارة المخدرات مع اتهامات بدعم الارهاب أمراً مزعجاً، وأوضحت: «ستكون هيئة المحلفين والجمهور أكثر استعداداً للإدانة بالنظر إلى دمج هاتين التهمتين. في هذه الحال لدينا أشخاص متهمون بغسل أموال المخدرات ينبغي أن يدانوا لأنّهم متهمون أيضاً بالتورط بنشاطات إرهابية».
وتابعت: «يأملون التأثير في هيئة المحلّفين بسبب روابط بـ«الارهاب» على الأراضي الأميركية». وأضافت أنّه في حين قد يستحق المتهم عقوبة بصفته تاجر مخدرات، يكمن الخطر في أنّ جهل الموضوع قد يؤدي إلى معاقبته بنحو جائر وتوصيفه
كـ«ارهابي».

مستلزمات العضوية

في عدّة أماكن، لفتت الشكوى النظر إلى أفراد بصفتهم إما «أعضاء» أو «نشطاء» أو «مؤيدين» لحزب الله، لكنّها لم تقدّم دليلاً على هذه العلاقات المزعومة، أو تحدد بوضوح خصائص كل واحدٍ من هذه المصطلحات.
وعلّق دراتل: «لقد استُعمِلت عن عمد مصطلحات غامضة في الشكوى لأنّهم لا يملكون أي شيء يربطونه بحزب الله. عندما تتحدث الشكوى عن «علاقات بحزب الله» ما القصد من ذلك؟ هل المقصود بعض عمال البناء الذين ساهموا في جهود إعادة الاعمار عقب حرب 2006؟».
في مكان واحد، تحدّثت الشكوى بالتفصيل عن أحد الأفراد، وهو أسامة سلهب، الذي كان «ناشطاً» في حزب الله، موردة أنّه: «خلال عملية تفتيش على الحدود شملت كمبيوتر محمولاً مزوّداً بقارئ بصمات الأصابع يحمله سلهب معه، عثر ضباط (دائرة الجمارك وحماية الحدود)، من بين أشياء أخرى، على صور للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وتسجيل صوتي لنشيد حزب الله، وصور لمقاتلين في حزب الله يدوسون على العلم الاسرائيلي...».
وفقاً للمحللة السياسية ومؤلفة كتاب «حزب الله: السياسة والدين» (Hezbu’llah: Politics and Religion)، أمل سعد ــ غريّب، تثبت المواد التي بحوزة سلهب أنه ليس عضواً أو ناشطاً في الحركة.
وقد صرّحت لـ«الجزيرة» بالقول: «إنها الطريقة الفضلى لمعرفة أنّهم ليسوا أعضاء في حزب الله، فالأعضاء لا يكشفون أنفسهم من خلال التنقّل حاملين معهم هذه المواد». وختمت بالقول إنّ هذه المواد «تعود لأحد المعجبين، فأي عنصر أو ناشط في الحركة لن يحمل ما يربطه بحزب الله».
عندما طُلِب من الناطق باسم إدارة مكافحة المخدرات، راستي باين، الاشارة إلى الفوارق بين الأوصاف المستعملة أجاب: «هؤلاء هم وسطاء ــ أفراد يسهّلون هذه النشاطات الاجرامية وينفّذونها. البعض منهم أعضاء في الحركة، والبعض الآخر على ارتباط مباشر بها والآخرون من فئات مختلفة».
غير أنّ أحمد موصلّلي، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، أكّد وجهة نظر سعد غريّب قائلاً إنّ هذه المواد ليست «دليل» عضوية. وقال موصللي في تصريح لـ«الجزيرة»: «ثمة أشخاص لا ينتمون إلى حزب الله ويُجلّون نصر الله. بالتالي فإنّ حيازة صورة له لا تثبت شيئاً باستثناء أنّ هذا الفرد معجب بنصر الله. هذا ليس دليل عضوية، إنّه أمر سخيف».
وأكملت سعد ــ غريّب موضحة وجود فوارق جوهرية بين طريقة تصرّف أعضاء الحركة وطريقة تصرف مؤيديها، لكن المسؤولين الأميركيين تجاهلوا ذلك أو غضّوا الطرف عنه.
وتابعت: «تكمن المشكلة في أنّ الغرب لا يزال عاجزاً عن فهم طبيعة حزب الله الذي يمثّل حركة مقاومة شعبية وحركة سياسية في آن».
وافق دراتل على ذلك مشيراً إلى أنّ حزب الله ليس منظمة سرية، «وهو يتصرف بالتالي بوضوح من خلال المشاركة في البنية التحتية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان والتفاعل مع كافة قطاعات المجتمع هناك».
فضلاً عن ذلك، قالت مديرة إدارة مكافحة المخدرات، ميشال ليونهارت، إنّه عندما قُدِّمت الشكوى، «كانت الادارة وشركاؤها قد كشفوا البنك اللبناني الكندي بصفته مصدر تبييض أموال أساسياً لحزب الله. العلاقة بين تجار المخدرات والشبكات الارهابية واضحة جداً. من خلال مهاجمة الشبكات المالية التابعة لمن يرغبون في إيذاء الأميركيين الأبرياء، تعزز إدارة مكافحة المخدرات الأمن القومي وتجعل المواطنين أكثر أمناً».
بيد أنّه كما أشار البروفسور موصللي، يشوب هذا التصريح عيب أساسي هو أنّ حزب الله لا يعمل ضمن النظام المصرفي اللبناني.
وأوضح موصللي: «لا يستخدم حزب الله القطاع المصرفي بالشكل الذي تصوّره الولايات المتحدة». يدفع الحزب لقومه المال نقداً؛ لا يحتاج إلى الاحتفاظ به في مصرف. والواقع أنّه يعارض فكرة «الفائدة» بسبب معتقداته الدينية.
ويتابع: «كذلك لا يشتري الحزب الأسلحة؛ ما أود قوله أنّ هذه الدعوى المقدمة ضده عديمة الأهمية، إنها مجرد دعاية».
بالنسبة إلى سعد ــ غريّب، يهدف ادعاء مماثل إلى تشويه سمعة حزب الله في صفوف المغتربين الشيعة. وتضيف: «إنّها محاولة غير مدروسة تقوم بها الولايات المتحدة لنزع غطاء الشرعية عن الحركة وجعل الطبقة البرجوازية الشيعية تنفر من الحزب. تستعمل الولايات المتحدة كافة الوسائل التي في متناولها للحد من الدعم الذي يتلقاه حزب الله وهو أمر عقيم».
وتتابع: «لا أعتقد أنّها ستفلح، فهي لم تنجح حتى الآن. وفي المستقبل سيكون الناس أكثر وعياً؛ لن يحمل مؤيدو الحزب معهم أي صور، لكن ذلك لن يمنعهم بالضرورة من دعمه».
يوافق البروفسور موصللي على ذلك، مضيفاً أنّ عدداً من المغتربين سبق واشتكى من الرقابة والمضايقات، إذ إنّ الحكومة الأميركية تسعى إلى كبح تأثير حزب الله. واستخلص: «في نهاية المطاف، إنها حرب إعلامية؛ بالتالي لا ينبغي أخذ هذه الادعاءات على محمل
الجد».
* عن « www.aljazeera.com »
(ترجمة باسكال شلهوب)