تبدو قيادة المملكة السعودية كمن يخوض معركته الأخيرة والحاسمة. بلغة الرئيس الراحل صدام حسين: هي «أم المعارك». وهي معركة لا تقتصر على سوريا فقط، وإنما تمتد تباعاً، إلى لبنان، لوضع حد لدور وسلاح «حزب الله»، فإلى إيران لإنهاء مشاريعها وطموحاتها الاقليمية، مروراً او انتهاء بالعراق الذي يجب السيطرة على تناقضاته وثروته عبر إلحاقه، آجلاً أو عاجلاً، بمجلس التعاون الخليجي.

مثل هذه المعركة ليست معركة المملكة العربية السعودية وحدها، ولا هي معركة «الحَمَدين» في دولة قطر العظمى! إنّها معركة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة والعالم.
وبسبب كونها كذلك، مصيرية وحاسمة، فإنّ هذه المعركة تستدعي «التشمير» عن الساعد، ونزع القفازات والأقنعة، وعدم العمل فقط من خلف الكواليس والآخرين، كما دأبت قيادة المملكة على ممارسة أدوارها وسياساتها، معوِّلة، بشكل رئيسي، على قدراتها المالية الأسطورية.
لذلك «غطس» الجميع في هذه المعركة: أولاً، الملك عبد الله الذي بات مجرد واجهة لسلطة يمارسها آخرون، ومن خلفهم الوصاية الأميركية المتعاظمة. «خادم الحرمين الشريفين» نسي أولى القبلتين والحرم الثالث في القدس وفلسطين، وقرّع مجلس الأمن الذي خذل قيادة المملكة، وسقطت الثقة فيه، حين لم يتمكن من إصدار قرار يدين السلطات السورية، ويجيز التدخل العسكري الخارجي لقلب نظام الحكم في دمشق.
من كلام الملك يتضح تماماً أنّ مجلس الأمن كان يقوم بدوره على أكمل وجه قبل ذلك، وخصوصاً حيال الموضوع الفلسطيني! ويفضح هذا الموقف أحد مرتكزات سياسة المملكة السعودية في التواطؤ مع الصهاينة على تكريس وتوسيع اغتصابهم لأرض وحقوق شعب فلسطين، بما سيؤدي، في النهاية، وبدعم أميركي ثابت ومتعاظم، إلى تضييع القضية والحقوق الفلسطينية جميعاً.
أما الوزير الأزلي الأمير سعود الفيصل، الثابت أبداً على ولائه للأميركيين، فقد رأى أنّ هذه ساعته ليدلي بكل قناعاته ومواقفه. ولذلك، كما قال هو في الاجتماع الوزاري العربي الاخير في القاهرة، إنهi لم يعد يقبل بـ«أنصاف الحلول». ولا بد برأيه، من تقديم «كل أشكال الدعم» للمعارضة السورية ممثلة تحديداً بالمجلس الوطني الذي رعته تركيا منذ ولادته حتى اليوم. بديهي انّ بين «أشكال الدعم» تلك الدعم المالي والعسكري. وكذلك تصب في هذا الإطار الجهود المثابرة التي تبذلها القيادة القطرية، بطلب من القيادة السعودية والإدارة الاميركية، من أجل عقد مصالحة مع «الإرهاب» ممثلاً بحركة «طالبان» الافغانية، واستطراداً بـ«القاعدة» التي بات يقودها بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن الشيخ أيمن الظواهري. ولقد أطلّ علينا الظواهري منذ ايام معلناً، بالدم وبالتفجيرات الانتحارية، انضمامه الى التحالف الخليجي ــ الاميركي الساعي، بكل الوسائل، إلى إسقاط سوريا قيادة ووحدة ودوراً، في الفوضى والتفتيت والتمذهب، إلى ان يحين وضع اليد عليها كلياً، في مرحلة لاحقة.
لا يمكن إلا ان نضع في السياق نفسه الالتفاتة المالية «الكريمة» الأخيرة التي قدمها ملك السعودية إلى رئيس الوزراء اللبناني السابق الشيخ سعد الحريري. فالهدف هو، في الواقع، زيادة نسبة الانخراط اللبناني، عبر الشيخ سعد وفريقه، في الأزمة الداخلية السورية. وهو ما عبّر عنه أيضاً سعد الحريري في لقائه مع محطته الفضائية مساء الاثنين الماضي. ولا تقع بعيداً عن هذا السياق أيضاً الاشتباكات التي حصلت، أواخر الاسبوع الماضي، في طرابلس، والتي سبقتها تظاهرات مذهبية مغالية، أُطلقت فيها وخارجها مواقف تحريضية خطيرة وغير مسبوقة ضد الجيش اللبناني وفئة من اللبنانيين، وخصوصاً من قبل «الداعية» الشيخ عبد الله التميمي.
الانخراط المباشر والمتصاعد من قبل قيادة المملكة السعودية في الأزمة الداخلية السورية، لا يقع بين اهدافه العامة، على الإطلاق، الضغط من أجل فرض إصلاحات ديموقراطية، على النظام السوري أو بدونه! على العكس من ذلك، فإن الدور السعودي يخدم وجهة مضادة تماماً: اقامة نماذج وأنماط حكم شبيه بالنظام «التيوقراطي» المتحجر والمتخلف السعودي: نظام العائلة المالكة والمستأثرة بعائدات أعظم ثروة نفطية في العالم، والفارضة اقسى أشكال المنع والقمع، مستخدمةً الدين فيما لا ينسجم ابداً مع جوهره ومع الدور التغييري الهائل الذي لعبه عبر التاريخ.
ويجب القول هنا ، إن الدور السعودي الذي تنطبق عليه الحكمة القائلة: «فاقد الشيء لا يعطيه» (رغم انّه يطالب بشكل ببغائي ومستفز الآخرين بالإصلاح)، هذا الدور يساهم، عن سابق تصور وتصميم في صرف المحتجين السوريين عن اهدافهم الاولى بالإصلاح. انّ وضع اليد السعودية والاميركية على قسم من المعارضة السورية لايؤدي الا وظيفة اسقاط او تهميش الاصلاح الذي لا يقع بالتأكيد من ضمن حزمة أولويات الطرفين المذكورين، اي السعودي والاميركي. ويتصل بذلك ايضاً امران. الاول عسكرة الاحتجاجات وتحويل القسم الأكبر منها إلى اشتباكات وتقاتل بكل الوسائل. والثاني، إسقاط كل فرص الحوار بين السوريين، بما في ذلك بين المعارضين أنفسهم. ومعروف الآن، انّ فريقاً من المعارضة هو المعارضة الوطنية والديموقراطية لا يجد له، وبشكل مطرد، مكاناً في المشهد الدموي الحالي الذي يتناوب على اذكائه طرفا النزاع، بشكل لا يبشر بأي حلول أو معالجات قريبة، بما فيها «الحسم» الذي تسعى اليه السلطة الآن بناءً على «طلب» المواطنين.
خصوم سوريا، من الخارج، قد حققوا نصف اهدافهم على الاقل عبر إدامة وتأجيج التناقضات في الداخل السوري، وعبر دفعها نحو وجهة العنف، والقتل، والانقسام. منذ احد عشر شهراً، ودمشق منصرفة كلياً الى مشاكلها الداخلية. وهي فقدت الكثير من تأثيرها على المستوى الاقليمي. كما انها فقدت الكثير من عناصر قوتها في الداخل، أثناء وقبل ذلك.
في امتداد ما تقدم لن يكون امام النظام السعودي سوى المضي في نهج إذكاء لعبة النار والدم، أملاً في تحقيق النصف الثاني من تلك الاهداف التي أشرنا إليها في
البداية.
هل يدرك النظام السوري ذلك؟ هل يتعظ مما جرى؟ قد يقال ايضاً: «إنّ ناقد الشيء لا يعطيه». لكن قساوة ودموية وخطورة ما يجري في سوريا، إنما تستدعي تجاوز الذات نحو صيغ ومقاربات أخرى. إنّها صرخة لا ينبغي ان تضيع في واد: اتركوا بربّكم الصيغ الفاشلة. ابذلوا جهوداً حقيقية لإنقاذ
شعبكم!
* كاتب وسياسي لبناني