انطلقت الثورات الشعبية العربية، التي كان للشباب دور أساسي فيها، بعدما تدهورت أوضاع ملايين العاطلين من العمل والمفقرين، من جراء أعتى الديكتاتوريات المتبقية في العالم؛ واستطاعت إسقاطها، ولا تزال مثابرة على هدفها. لكن تلك الديكتاتوريات عملت، في العقود المنصرمة، على تدمير ممنهج للقوى الحداثية وتديين المجتمع وتطييفه، وقد استفادت القوى الإسلامية التي لم يكن لها دور فاعل في بداية الثورات، من ذلك المعطى في أثناء الثورة وما بعد نجاحها وفرضت هيمنتها مستغلة المشاعر الدينية والتطييف السابق والاجتثاث التاريخي للقوى الحداثية، واحتلت البرلمانات العربية. وقد يكون لتلك القوى حصة الأسد في كل السلطات الرئيسية لدولة ما بعد الثورات، مستندة إلى الشرعية الانتخابية البرلمانية، ونقمة الشعب على السلطة القديمة التي صدّرت نفسها ممثلة عن دولةٍ حداثيةٍ وليست تعبيراً عن رأسمالية ناهبة إفقارية. وقد تحاول تلك القوى إنهاء حالة الاحتجاج الشعبي والثورة، وإعادة تلك الملايين إلى الخضوع للسلطة المنتخبة بشروط استثنائية من جديد، باعتبار الانتخابات حصلت وأتت ديموقراطياً بالإسلاميين.

ما لم يفهمه دماغ هؤلاء الإسلاميين، أنّ وصولهم إلى السلطة جاء نكاية بالديكتاتوريات التي ادعت الحداثة، وبسبب التغييب والضعف التاريخي لقوى اليسار والحداثة، لكن كذلك من أجل تحقيق مطالب هؤلاء المفقرين والمذلولين؛ ولم تتحقق... هذا الأمر هو ما أبقى المهمشين، ومن قام بالثورة، ثائرين، فلا هدأ الشارع التونسي رغم وجود رجل حقوقي مرموق وسجين سابق على رأس السلطة، ووجود حزب ديني يعرف الله جيداً ويريد إقامة الخلافة. الأمر ذاته في مصر، وليبيا بمقدار معين. توافق الإسلاميون مع العسكر بخصوص الاقتصاد الليبرالي والموقف من إسرائيل وأميركا، أدخلهم بمساومات مع بقايا النظام، ولا سيما في مصر حيث الزواج شبه الشرعي بين الإسلاميين والعسكر. وقد يشكلون فرادى النظام الجديد، لكنّه سيتوافق مع ما أشرنا إليه، وهو ما يشير إلى أفول نجم القوى الإسلامية، والبدء بعصر الشعوب واليساريين؛ الأمر الذي يضع على اليسار مهمة تاريخية ضخمة بحجم الأزمات التي تراكمت وعدم قدرة النظام الجديد على الوفاء بها، بوصفه نظاماً برجوازياً بواجهة طائفية لا يشبع بطناً ويريد تطبيق الشريعة والخلافة على جوع مقيم.
الشرعية التي انصاع لها الإسلاميون، سرعان ما ستعرّيهم تماماً، وذلك لعدم وجود برنامج اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي يحقق مطالب الفقراء الأساسية في فرص العمل والضمان الصحي والتعليم المجاني والتأمين الاجتماعي. وسيساهم في التعرية تلك محاولة تدخل الإسلاميين بما هو شخصي وسن قوانين تتطابق مع رؤياتهم المحافظة، عدا تطابق موقفهم مع موقف النظام القديم، ولا سيما بما يخص الصراع العربي ــ الإسرائيلي والإبقاء على السياسات الليبرالية التي كانت هي السبب في تلك الثورات، عدا محاولاتهم المستمرة لتطويع النظام السياسي ليكون نظاماً طائفياً وأصولياً. لكل هذه الأسباب، ولأنّ المهمشين يريدون حقوقهم المواطنية العامة في إطار دولة مدنية، فإنّهم يستمرون في الثورة، وسينفجر الوضع العربي من جديد بسبب طبيعة الحكم الجديدة، والتي هي استبدال فئة متحكمة بالثروة والسلطة بواجهة حداثية مهترئة، بفئة جديدة محافظة وناهبة وأقرب إلى الطائفية وتابعة للإمبرياليات بالضرورة. وجود بعض التيارات الأخرى في نظام الشرعية النيابية الراغبة في دولة مدنية على أساس المواطنة، لا يغيّر من هذه الحقيقة، بل ربما سيدفعهم ذلك لاحقاً للانضمام إلى حركة الثورة من جديد، وبالتالي تهديم الشرعية النيابية والبدء بزمن الشرعية الجديدة، التي هي الشرعية الثورية؛ المكوّنة من قوى الثورة التي أسقطت النظام القديم وستسقط أي نظام جديد لا يلبي مصالحها.
يخشى البعض من هذا المصطلح، نظراً لتطابقه مع مصطلح الشرعية الثورية الذي ساد في الخمسينيات وأدى إلى بناء سلطة تسلّطية. لكن القوى التي تبنت ذلك المصطلح حققت بعض المسائل الهامة في بداية سيطرتها على الدولة، والمتعلّقة بالإصلاح الزراعي والتعليم المجاني وتأميم بعض الشركات الأجنبية، ولعبت دوراً في دحر الاحتلال، وأقامت بنى تحتية هامة. هذا الجانب هو ما كان هاماً في ذلك النظام. الشرعية الثورية الجديدة، تقوم على تمكين المفقرين والمهمشين من نيل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يعزّز قيام دولة مواطنية بنظام سياسي ديموقراطي، وفق مبدأ الأغلبية والأقلية السياسيتين، وبعيداً عن التسلط والشمولية، والبدء بتنمية اقتصادية واجتماعية تسمح ببناء دولة مواطنية حديثة.
هذه الشرعية ستصطدم بالتأكيد بالنظام الجديد، الذي سيعمل على تعميم السياسات الاقتصادية الليبرالية، وسيعمل على تطييف وتسميم الحياة الاجتماعية والسياسية، وباعتبار كل ذلك لن يكون لمصلحة ملايين العاطلين من العمل والمفقرين، فإنّ صراعاً جديداً سيندلع، وهو ما يحدث في البلاد العربية.
مثّل تأخر إعلان اليسار عن نفسه كقوة تصبو لقيادة الثورات العربية أكبر المخاطر على الثورات وعليه، لكنّه كان موجوداً منذ اللحظات الأولى بشكل مبعثر، ودون برنامج واضح لتلك الثورات، وبالتالي يقع عليه ومن أجل تلك القيادة، العمل على برنامج وطني طبقي للدولة المستقبلية كي ينقذ الثورات من الإخفاق، ويحقق مطالب الفئات الأكثر فقراً، ويساهم في فتح بوابة التاريخ الإنساني فعلاً لا وهماً.
فهل هذا ممكن؟
هذا السؤال الصعب، ستكون إجابته لا، إذا بقي اليسار على وعيه القديم المتهالك؛ بأنّه ملحق وسند للبرجوازية، ويدعمها في بناء الدولة التابعة، وهي الرؤية النظرية التبسيطية لصيرورة التاريخ منذ أربعينيات القرن الماضي للشيوعية التقليدية.
وستكون الإجابة بنعم، إذا حدّد دوره، بما يمكّنه من السيطرة على السلطة عبر العملية الديموقراطية، وتوجيه الدولة بما يحقق تنمية اقتصادية صناعية وزراعية بالدرجة الأولى، وبناء نظام سياسي يمنع احتكار السلطة لصالح الأثرياء أو غيرهم، وأن تكون الدولة لصالح الفئات المفقرة، مع ضمان حقوق الأثرياء.
قد تكون هذه الرؤية - الغائب الأكبر - هي أقل ما تطرح في العالم العربي؛ لكنها الأكثر التصاقاً بقضايا الثورة العربية؛ فهل يثور الملايين ويضحّون من أجل الوصول إلى سلطة تسلطية جديدة لسرقتهم، أم من أجل نيل تلك الحقوق؟
هنا، يقع على اليسار أن يعي دوره التاريخي، وأنّه هو بالتحديد المسؤول عن إنتاج ذلك البرنامج الوطني الطبقي، ورؤيات لكل مستويات المجتمع.
إذن ستصطدم الشرعية البرلمانية مع أهداف الثورة لا محالة، وسرعان ما سيتدمر كل ما يُبنى ولا يحقق تلك الأهداف، وسيكون فقط للشرعية الثورية، الديمومة والاستمرارية بوصفها متحصلة من شرعية النضال المستمر للوصول إلى الحقوق العامة للفئات الأكثر فقراً.
* كاتب سوري