لا يثير فشل آخر قمة جمعت قادة طائفتي قبرص مع الأمين العام للأمم المتحدة في أواخر شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، التساؤلات حول مصير الجزيرة فحسب، وإنما أيضاً حول مصير عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. وتعد آخر جولة من المحادثات الخامسة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2010. بيد أنّه حالما بدأت المحادثات في مؤسسة «غرين تري» في نيويورك، اعترف كلا الجانبين بأنّه لم يتم احراز أي تقدم ملموس منذ قمة شهر تشرين الاول/ أكتوبر الماضي، إذ لم يُتوصل إلى اتفاق بشأن أي من نقاط التفاوض السبع، مما أحبط آمال المنظمة العالمية.


وفي ظل هذا الفشل، ليس ثمة فرصة لإقامة فدرالية ثنائية القومية مشتركة بين الطائفتين، قبل تولي جمهورية قبرص الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في تموز/ يوليو المقبل. إنّ الانعدام التام للاتصال والتواصل والثقة بين القبارصة اليونانيين وتركيا كان ولا يزال يشكل العقبة الرئيسية أمام أي تقدم في العملية السياسية. أما حال عدم الاكتراث واللامبالاة التي تمر بها تركيا، فتغذيها أفعال بعض دول الاتحاد الاوروبي، ولاسيما فرنسا، التي تعرقل خمسة من فصول التفاوض لتقويض فرصتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مما أفقد أنقرة محفزاتها لإيجاد حل للمسألة القبرصية.
لا ذنب للأمم المتحدة في المأزق الراهن، إذ إنّها تسعى جاهدة منذ 2008 إلى تسهيل الحوار بين عداد طائفتي قبرص اليونانية والتركية الذين يقطنون جزيرة منقسمة سياسياً منذ 1963 وعسكرياً منذ 1974. أملت الأمم المتحدة في نهاية القمة التي عقدت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أن يتوصل الطرفان الى اتفاق بشأن جميع الجوانب الداخلية التي كان يجري التفاوض عليها قبل عقد اجتماع آخر في كانون الثاني/ يناير، يكون بعده ممكناً عقد مؤتمر دولي بسرعة لحل القضايا المتبقية، يليه استفتاء يجرى في وقت واحد على جانبي الجزيرة لإقرار خطة لتسوية النزاع.
إلا أنّه بالرغم من مضاعفة بعثة المساعي الحميدة للأمم المتحدة لجهودها منذ منتصف 2011، يبقى نفوذها على الفرقاء القبرصيين محدوداً، فالأمر يعود إليهم في نهاية المطاف.
كان ينبغي أن تفضي المفاوضات في «غرين تري» الى تقارب في وجهات النظر بشأن نقاط الخلاف الرئيسية الثلاث المتمثلة في تقاسم السلطة التنفيذية (وبالأخص كيفية الاقتراع والتناوب على الرئاسة)؛ وملكية الأراضي والعقارات التي خسرها القبارصة اليونان والأتراك خلال التقسيم (وتوفير المعلومات العقارية من قبل القبارصة التركية) ومسألة المواطنة (وجود المستوطنين الأتراك في شمال الجزيرة). في خطابه يوم 25 كانون الثاني/ يناير، استحضر بان كي مون المناقشات النشطة التي لم تأتِ بأية «نتيجة ملموسة». ولذلك فقد أعرب عن استعداده لخفض جهود بعثة المساعي الحميدة. أما مبعوثه الخاص إلى قبرص ألكسندر داونر فقد شدد في أوائل شهر كانون الثاني/ يناير على أهمية قمة «غرين تري»، مشيراً إلى أنّه لم يكن هناك أي تخطيط لعقد اجتماع ثلاثي آخر في أي وقت قريب.
بعث الأمين العام بنفسه رسالة الى كلا الطرفين معرباً عن قلقه إزاء فشل المحادثات، وصعوبة مواصلة الحوار لدى تولي قبرص للرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. كذلك رأى أنّ المفاوضات قد شارفت على الانتهاء، ولذلك ينبغي للقبارصة الأتراك تبادل المعلومات مع جيرانهم اليونانيين، بشأن الملكية في شمال الجزيرة، فيما يتعيّن على القبارصة اليونان المشاركة في مؤتمر متعدد الأطراف.
وفي بيانه الصادر في 25 كانون الثاني/ يناير، أزال بان كي مون الشرط الذي كان قد فرضه والمتمثل في إيجاد حلّ للمشاكل الداخلية المتمثلة في نظام الحكم وملكية الأراضي والاقتصاد والمواطنة قبل عقد مؤتمر دولي. وقال الأمين العام إنّه إذا لمس تقدماً ملموساً في المفاوضات عقب إجراء تقييم للوضع في شهر آذار/ مارس المقبل، دون أن يحدد معايير التقييم، فإنّه سيعقد مؤتمراً في نهاية نيسان/ ابريل أو مطلع أيار/ مايو. إنّ من شأن مشاركة كلا الطائفتين القبرصيتين بالإضافة إلى تركيا واليونان والمملكة المتحدة ــ كضامنين خارجيين بموجب معاهدة الضمان لعام 1960 ــ في مؤتمر متعدد الأطراف أن يطلق محادثات جدية بشأن تقاسم الأراضي يرافقها خرائط وإحصاءات دقيقة.
لم يَضع كل شيء في «غرين تري»، إذ يمثل تبادل المعلومات بشأن الملكية والعقارات الذي يجري حالياً تقدماً لبان كي مون. لكن إذا عقدت المحادثات فعلاً بشأن اعادة توحيد الجزيرة فإنّها ستكون فارغة من أي مضمون. يمكن للانتخابات الرئاسية القبرصية اليونانية في 2013 أن تمثل نقطة تحوّل في حل القضية القبرصية إذا ما اتخذ خليفة رئيس القبرصي ديميتري كريستوفياس موقفاً بشأن فكرة إقامة فدرالية أكثر مرونة مع القبارصة الأتراك. بيد أنّه في ظل غياب حوار يهدف إلى تحقيق تقارب بشأن شكل الحكم، فإنّ الهوة بين موقفي الطرفين إزاء مستقبل جمهورية موحدة ستستمر بالازدياد.
يرجع فشل المفاوضات منذ 2008 بالدرجة الأولى إلى عدم قدرة القبارصة اليونانيين وتركيا على عقد الحوار. يسود مناخ عدم الثقة بين الطرفين، ويرفض كلاهما الاعتقاد بأنّ الطرف الآخر يبغي بالفعل تحقيق السلام، وأنّه قادر على الالتزام باتفاق ما.
وليحمل عام 2013 في طياته اختراقاً حاسماً، حيث يتعيّن أن تتجاوز جميع الجهات الفاعلة هذه العقبة الرئيسية. وبالمثل، يرجع الجمود الذي أصاب مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى انقطاع التواصل، الأمر الذي تتحمل مسؤوليته كافة الأطراف: القبارصة اليونانيون بفضل أساليبهم التعطيلية، وبعض الدول الأوروبية الراغبة في ثني تركيا عن الانضمام للاتحاد، وأنقرة من خلال رفضها فتح موانئها ومطاراتها أمام حركة النقل القبرصية اليونانية، وتباطؤها في تنفيذ الإصلاحات التي تطلبها بروكسل...
* محللة في الشؤون التركية لدى
«مجموعة الأزمات الدولية»، مقيمة في إسطنبول