مادیبا اللبناني


من سمع عن جنوب أفریقیا سمع عن «مادیبا»، والعكس أصحّ. ذلك الرجل الذي غیّر وجه وطنه وصنع تاریخاً نضالیّاً عظیماً في بلد عانى ما عاناه من اضطهاد عرقيّ وإبادات جماعیّة.
رجل قضى ٢٧ عاماً من ربیع عمره تحت رحمة سجّان ظنّ أن قضبان السجن وأسواره ستحطّم ما سعى إليه مادیبا یوماً ونسج أحلام ملایین حوله.
لم یخطر في بال سجانه أنّ مادیبا الذي دخل السجن مناضلاً ثائراً سیخرج منه أیقونة خالدة ومحفورة في تاریخ وطنه. إنّه نلسون مندیلّا الذي استحقّ أن یقود أمّته إلى خلاص منشود بعد طول معاناة.
مقاربة بسیطة تجعلنا ندرك أنّ في لبنان نماذج كثیرة من مادیبا ولّوا أنفسهم لسنین طویلة، وبعضهم لعقود، رعاةً لمصالح العامّة وحماةً للمجتمعات بأطیافها كافّة. وبما أنّ للبنان دائماً مفاهیمه الخاصةّ وأسلوبه في التجدید والتهجین، فنموذج مادیبا لدینا قد یتوافق في الشكل أحیاناً مع الأصل، لكنّه حتما یختلف في بعض المضامین والتفاصیل، حیث الشیاطین تسكن.
مادیبا اللبنانيّ كما مادیبا الأصلي مناضل حقیقي وشرس، وهو مستعدّ لأن یدفع الغالي والنفیس في معارك نضاله، من دون أن یكون هناك سقف لتضحیاته. الفرق البسیط جدّاً هو أن هدف نضال مادیبا اللبنانيّ أضیق بقلیل، لكونه محدود بشخصه، بأبنائه وأنسبائه العصامیّین، وبحاشیته اللصیقة.
في ضوء هذه الأولویّات الأساسیّة، لا یبقى لدى مادیبا اللبنانيّ أي وقت للاهتمام بالوطن والشعب والمصالح العامّة التي لا یمكن أن تتحقّق أبداً إلّا إذا، لا قدّر الله، تقاطعت مع أهدافه ومصالحه الخاصةّ. تجدر الإشارة إلى أنّه لحكمة یعلمها الله عز وجل، یصادف ذلك التقاطع عادة، كما السنوات الكبیسة، مرة كل أربع سنوات (إذا اتُّفِق على قانون انتخاب).
مادیبا اللبنانيّ كما مادیبا الأصلي لدیه رصید كبیر جدّاً یسعى إلى أن یورثه من بعده إلى أبنائه والمقرّبین. الفرق البسیط هو أنّ مادیبا الأصلي كان رصیده محبّة في قلوب الملایین أخرجته من سجنه الظالم إلى حكم أراده له الشعب. أمّا اللبناني، فرصیده قسّمه بین بعض المصارف تحسّباً لغدر الزمان وحمایة لكرسیه، وكثیراً ما یكون هذا الرصید نفسه أداة أساسیّة في إخراجه من الحكم، الظالم أیضاً، إلى سجن أراده له الشعب أیضاً وأیضاً.
ولكن قبل المقارنة بین النموذجین، تكمن العبرة في مقارنة الخنوع الذي ثبّت الأول یعیث في البلاد والعباد، والإرادة التي صنعت الثاني بطلاً ومخلّصاً. فالذنب یبقى دوماً ذنب من ولّى ولیس من تولّى!
أحمد باسم سبیتي