إنّ إصلاح مجلس الأمن من الموضوعات الحاليّة المطروحة في الأمم المتّحدة. فالمجلس كان، ولا يزال، محطّ دراسات عديدة من مجموعات العمل الدوليّة، من أجل زيادة فعاليّته بوصفه مسؤولاً عن السلم والأمن الدوليّين. فقضيّة تغيير بنيته، طُرحت مرّات عدّة بعد نيل العديد من الدول المستعمرة استقلالها، وقبولها أعضاء جدداً في الأمم المتّحدة. رغم ذلك، فإنّ طموح أكثريّة الدول المستقلّة لم يتعدّ المطالبة بتغيير عدد الدول غير الدائمة العضويّة في مجلس الأمن، ولم يتعدّ ذلك إلى المطالبة بتعديل عدد الدول الدائمة العضويّة، كي لا تصبح الدول الجديدة مشروع استفزاز للدول الخمس الكبرى.

أدت نهاية الحرب الباردة إلى المطالبة بتغيير بنية مجلس الأمن، ولم يتم الاتفاق طوال عقد من الزمن على أسس الإصلاح وسبله.
طاولت هذه الاقتراحات بنية مجلس الأمن وحق النقض «الفيتو»، المرتبط بالدول الدائمة العضوية. فقد طالبت كلّ الدول بإصلاح بنية المجلس وتكريس هذا الموضوع باقتراح مشاريع عديدة من قِبل دولة أو مجموعة دول. وأُضيف إلى هذه الاقتراحات وغيرها الكثير من قِبل مؤسسات الأمم المتحدة. بالرغم من ذلك، فإنّ الكثير من هذه الاقتراحات التي تدرسها الجمعية العامة للأمم المتحدة، واجهت اعتراض دول «الفيتو» التي أصبحت موافقتها ضرورية.
وهناك حالياً خمسة مشاريع اقتراحات ملموسة لإصلاح مجلس الأمن: اثنان صدرا عن مجموعة خبراء، بتوصية من الأمين العام للأمم المتحدة، وثلاثة صدرت عن مجموعة دول داخل الأمم المتحدة. وتقسم هذه المشاريع قسمين: الأول يتعلق بزيادة عدد الأعضاء الدائمين والأعضاء غير الدائمين، والثاني يُغيِّر تغييراً جذرياً تركيبة مجلس الأمن.
زيادة المقاعد الدائمة، وتكريس مقاعد جديدة للدول الناشئة سيطرح إشكالية كبرى، وهي أنّه يصبح من الصعب بل من المستحيل في ما بعد أن تسحب هذه المقاعد من أصحابها. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إعطاء هذه الدول حقّ النقض «الفيتو» سيزيد من خطر شلل مجلس الأمن. كما أن إعطاء هؤلاء الأعضاء مقعداً دائماً سيؤدي في حال التشاور في ما بينها، إلى استبعاد الدول غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن من موقع القرار المؤثّر.
بالمقابل، فإنّ عدم تغيير دول المقاعد الدائمة يؤدي إلى عدم الأخذ في الحسبان الحقائق الجيو بولتيكية الحالية في العالم. كما أنّ عدم خلق توازن في ما خصّ دول العالم الثالث لا يحترم المساواة بالسيادة بين الدول في الأمم المتحدة.
إنّ خلق فئة جديدة من الأعضاء هو الحلّ الأمثل لمواجهة كلّ الصعوبات التي تحدثنا عنها. ووجود أعضاء جدد، يُجدَّد لهم ولو لمرة واحدة، يؤدّي إلى تثبيت وإرساء هذه الدول لمواقعها في مجلس الأمن، وكذلك إلى استقرار أكبر في مجلس الأمن بشكل أفضل من الحالة التي نحن عليها اليوم.
من جهة ثانية، إنّ الصعوبة الكبرى التي يواجهها طالبو الإصلاح في كل مرة يُطرح فيها الموضوع هي الإجراءات التي يجب اتباعها حسب المادتين 108 و109 من الميثاق، اللتين تعطيان الدول الدائمة العضوية حق النقض «الفيتو». لذلك فإنّ أيّ مشروع سيُقترح الآن يجب أن يأخذ في الحسبان تغيير هذه المواد أو تعديلها من أجل منع الدول الدائمة العضويّة من معارضة أيّ مشروع إصلاحيّ للأمم المتّحدة. لذلك، فإنّ كلّ الاقتراحات المقدّمة من قِبل أشخاص أو دول أو مجموعة عمل دولية، من الصعب أن تمرّ إذا لم توافق عليها دول «الفيتو».
وفي السنوات الخمس الماضية، لم يوافق على اقتراحات توسيع مجلس الأمن إلا فرنسا التي قبلت بعضوية ألمانيا واليابان والهند والبرازيل. لكنّ رفض بريطانيا وأميركا لهذا المشروع أدى إلى إسقاطه حتى الآن، على الرغم من مراوحة كلّ المشاريع حول هذه النقطة، باعتبار أنّ الدول الكبرى إقليمياً يجب أن تُمثَّل في مجلس الأمن. روسيا رفضت توسعة مجلس الأمن لأكثر من 20 عضواً، والصين رفضت دخول اليابان كعضو دائم مع حق «الفيتو»، أما الولايات المتحدة الأميركية فهي كما روسيا ضد توسيع مجلس الأمن على نحو كبير، لأنّه سيفقد فعاليته. لذلك فإنّ اعتراض هذه الدول على المقترحات المقدَّمة سيؤدي إلى عدم تبني أي مشروع اقتراح، وبالتالي فإن الأوضاع ستزداد سوءاً عند الحديث عن حق النقض «الفيتو» للدول الجديدة.
فقد أُدمج حقّ النقض «الفيتو» في الميثاق في 1945 لتأمين نجاح الأمم المتحدة، وريثة عصبة الأمم، وإعطاء العضوية للدول الكبرى في المنظمة الدولية التي أنشئت من هذه الدول المنتصرة في الحرب، ومن أجل تنظيم استعمال القوة من قِبل المنظمة الدولية وتأمين نظام الأمن الجماعي؛ فالإجماع كان مطلوباً وأساسياً آنذاك. كما إنّ إعطاء حق النقض «الفيتو» لهذه الدول كان يضمن لهم أنّ الأمم المتحدة لن تلجأ إلى استعمال القوة ضد هذه الدول التي تعتبر نفسها المؤتمنة على السلاح النووي. لكن هذا الحق استُعمل عملياً كسلاح «دمار شامل» بين أيدي الدول الكبرى في مجلس الأمن. إنّ الميثاق الذي ينصّ على السيادة والمساواة بين الدول يشرّع المطالبة بإلغاء حق النقض «الفيتو». وعلى الرغم من ذلك، فإنّ مطالبة بعض الدول بالحصول على مقعد دائم مع حق النقض «الفيتو» هو من أجل أن تتساوى في الامتيازات مع الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن. لذلك، فإنّ دول العالم الثالث، كما الأمين العام للأمم المتحدة، ينادون حالياً بعدم توسعة مجلس الأمن وإتاحة الفرصة أمام الدول الناشئة، ودول العالم الثالث للمزيد من التشاور حول الحصول على عضويّة دائمة مع حق النقض «الفيتو».
لذلك، فالطروحات الأخيرة من بعض دول العالم الثالث كانت تأتي لمصلحة إعطاء العضوية الدائمة لبعض الدول دون حق النقض «الفيتو»، كي لا يصبح مجلس الأمن تحت رحمة هؤلاء من جديد، كما هو حاصل مع الدول الخمس الكبرى. لكن، ترى هذه الدول أنّ إعطاء الحق بالعضوية الدائمة دون حق «الفيتو» يجعلهم كأعضاء من الدرجة الثانية، وبالتالي يرفضون توسعة مجلس الأمن بهذا الشكل.
وفكرة توسعة مجلس الأمن تدفع بنا إلى طرح السؤالين الآتيين: ما هي معايير اختيار الأعضاء الدائمين؟ والسؤال الثاني: كيف يمكن التعاطي مع الدول التي تتمتع بالشروط اللازمة لدخول مجلس الأمن والتي تخبئ طموحاً بأن تصبح عضواً دائماً مع حق «الفيتو»؟
لم تحدد فإنّ الأمم المتحد في ميثاقها في 1945 معايير الاختيار للعضوية الدائمة، لأنّ الدول الكبرى آنذاك دخلت مجلس الأمن بعضوية دائمة نتيجة ظروف خاصة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ موضوع العضوية الدائمة وحق النقض «الفيتو» يبقيان من الموضوعات الآنية والمطروحة على الساحة الدولية. لذلك، فإنّ كل مجموعات العمل الدولية التي طرحت مشاريع إصلاح الأمم المتحدة كانت تطرح أفكاراً لم يتم التوافق عليها. ومن هذه الأفكار: حق العضوية للدول الصناعية مثلاً، أو حق العضوية للدول الكبرى إقليمياً، أو عضوية لدولة عربية واحدة. ويبقى بعض المشاريع القائمة على إعطاء العضوية الدائمة وفق التوزيع الجغرافي العادل، او مساهمة الدولة في حفظ السلم والأمن الدوليين، او القوة الاقتصادية كمعيار، أو الدول الناشئة إقليمياً.
لم توافق الدول الدائمة العضويّة على أيّ من هذه الاقتراحات، وبالتالي فليس هناك حتى الآن أي حلّ سحري يؤدي إلى إصلاح الأمم المتحدة.
* أستاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية