يُسجّل لأصحاب الحراك الجنوبي السلمي الذي انطلق في المحافظات الجنوبية اليمنية، أنّهم صنعوا ربيعهم الخاص في بداية 2007، عندما أعلنوا نضالاً سلمياً ضد نظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. ويمكن تسجيل هذا التاريخ بداية لحركة الربيع العربي الذي بدأ بعد الحراك الجنوبي السلمي بأربع سنوات. لقد ناضلوا بسلمية عالية ضد نظام صالح الذي مارس بحقهم انتهاكات واسعة، تمثل بعضها في نهب أراضي الجنوب وتوزيعها على متنفذين كبار، وزعماء قبائل وأعضاء في حزبه الحاكم، إضافة الى تسريح كبار قادة الجيش من الخدمة وإحالة جنود كثر إلى التقاعد المبكر. حدث ذلك بعد وقت قليل من انتصاره في حرب صيف 1994 على جبهة الحزب الاشتراكي اليمني الجنوبي الذي كان وقتها تحت قيادة علي سالم البيض، شريك صالح في تحقيق الوحدة اليمنية في 1990.

كل هذا عمل على زرع بذرة الغضب في قلوب الناس هناك ضد صالح من جهة، وضد علي البيض من جهة أخرى، إذ شعروا بأنّ الأخير ذهب بهم إلى وحدة غير مدروسة جيداً مع الشمال، ثم بعدما خسر الحرب سافر إلى سلطنة عمان، حيث احترف هناك مهنة الصمت، وهو ما جعلهم يشعرون بأنّهم صاروا وحدهم تماماً.
من يومها، بدأوا بتشكيل هيئات للمتقاعدين قسرياً من الجيش، والمُسّرحين من وظائفهم العامة، وانطلقوا في حركات احتجاجية بدأت على خجل، لكن ما لبثت مع تراكم الوقت عليها أن تحوّلت الى حركة احتجاجية كبرى، أطلق عليها «الحراك الجنوبي السلمي». حدث هذا وعلي عبد الله صالح نائم في غروره، ومحاط بكتيبة من مادحي بلاطه صوروا له أنّ هؤلاء ليسوا سوى مجموعة من المشاغبين، سرعان ما سوف يُرهقهم ثقل الاحتجاج اليومي ليعودوا إلى منازلهم. كما أنّ صالح لم يكن يفهم في أمور الاحتجاج السلمي، فعقليته العسكرية لا تمتلك حساسية تجاه ذلك. هو لا يفهم غير لغة القوة ومواجهة العنف بعنف مضاد. لذلك، لم ينتبه للحراك الجنوبي إلا بعد مرور سنوات عليه، حين صار حركة شعبية واسعة النطاق، لم يعد أمر تطويقها ممكناً. كان ذلك بداية 2007، حينما بدأ الحراك في تنظيم نفسه، وتشكيل قيادات ناطقة باسمه، وانتقاله من المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية وإعادة الحقوق المنهوبة، إلى المطالبة بفك الارتباط وإعادة الوضع بين الشمال والجنوب إلى ما كان عليه قبل 1990.
ضاعف عمق الجراح الجنوبية رفض صالح الجلوس مع قادة الحراك الجنوبي، والاعتراف بقضيتهم، في الوقت الذي كان فيه يرسل الوفد تلو الآخر، للتحاور مع جماعة الحوثي التي كانت قد دخلت في مواجهات مسلحة مع النظام، هو عامل إضافي لإثارة مزيد من الغضب في قلوب أهل الجنوب.
لقد بدأت هنا مسألة تكريس فكرة الجنوب المدني، وفكرة الشمال القبلي المتخلف الذي لا يقدر على التأقلم إلا مع عقليات تعمل بآليته الذهنية ذاتها. ولم يتوقف نظام صالح عند هذا الحد، لقد ذهب إلى استخدام العنف والقتل والاعتقالات بحق قادة الحراك الجنوبي وكوادره الشعبية، ناجحاً في تحويل حياة الناس هناك إلى جحيم حقيقي. كل ذلك كان يحدث في معزل عن الإعلام الدولي الذي تعامل مع ما يجري في الجنوب بخفة، ونظر إليه على أنّه مجرد أحداث شغب داخلية، سرعان ما سوف تهدأ حدتها.
كما أنّ إعلام صالح نفسه كان بارعاً في تصوير الأمر على أنّه تمرد داخلي يرغب في الانفصال عن السلطة الشرعية التي لها الحق في التعامل بجدية وحزم مع أي خطر يتهدد أمنها الداخلي.
وعليه، استمر صالح في أفعاله تلك، كما استمر أهل الجنوب في نضالهم السلمي اليومي، إلى أن جاءت شرارة الربيع العربي الذي امتد سريعاً ليصل إلى اليمن، مُحدثاً ثورة الشباب السلمية. كأنّ هذه الثورة جاءت، في واحدة من صورها، لتكون بمثابة الرافعة التي ستعمل على نقل الحراك الجنوبي إلى الضوء، وهو ما أجاد قادة ذلك الحراك في بداية الأمر التعامل معه بطريقة جيدة للغاية. لقد خفتت نبرة الأصوات المطالبة بفك الارتباط وحق تقرير مصير الجنوب لمصلحة الأصوات المطالبة بتوحيد خطوات الثورة الشبابية في الشمال والجنوب، وذلك من أجل تحقيق هدفها الأكبر المتمثل في التخلص من نظام صالح، باعتباره السبب الأول في إحداث كل ذلك الظلم في حق اليمنيين عموماً، وفي حق الجنوبيين بصفة خاصة. لكن حصل ما عدّل حركة سير الأحداث عن مسارها، ما إن اتضح أنّ نهاية صالح بدت وشيكة، فقد عادت تلك الأصوات المطالبة بفك الارتباط وحق تقرير المصير للظهور مجدداً وبنبرة أقوى وأشدّ. لم ينتظر أصحاب تلك الأصوات تحقق سقوط صالح بشكل نهائي، واستعجلوا نصيبهم من الكعكة التي لم تنضج بعد. وما ساهم في تأجيج تلك الأصوات، هو خروج زعماء الجنوب القدامى من مخابئهم وصمتهم الطويل، في محاولة لاستعادة أماكنهم السابقة التي تركوها بعدما فرّوا إلى المنافي التي اختاروها لأنفسهم، تاركين أهلهم في الجنوب في مواجهة نظام جاهل مستبد لم يترك سوءاً إلا مارسه بحقهم. لكن عودة هؤلاء الزعماء القدامى لم تكن بصوت واتجاه واحد، إذ ظهر أنّها مشتتة، كل طرف منها يرغب في شيء بحسب الجهة الخارجية الداعمة التي تقف خلفه. ولذلك تعددت المطالب ما بين فيدرالية، وفك ارتباط، وحق تقرير المصير. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا على الحراك الداخلي الذي لم يعد حراكاً واحداً وقيادة واحدة. لقد انقسم باتجاهات شتى، مع ذهاب بعضه إلى خيار العنف واستخدام القوة لمنع الناس من الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وظهر هذا واضحاً في الأحداث التي رافقت الانتخابات الرئاسية المبكرة الأسبوع الماضي في المحافظات الجنوبية ومدينة عدن على الوجه الخصوص. أحداث لم يكن نظام صالح بعيداً عنها، لكنّه أيضاً استفاد من حالة الانقسام الواضحة بين أصوات الحراك المختلفة.
من هنا، يبدو أنّ هذا الفعل النضالي السلمي الجنوبي قد بدأ في الاتجاه إلى مكان غير ذلك الذي كان يهدف الوصول إليه، وأصحابه لا يعلمون أنّهم بهذا يفقدون ورقة هامة من أوراق شرعية وأخلاقية نضالهم السلمي، وهي الورقة التي ساهمت في إبقائه مستمراً قيد الحياة طوال تلك السنوات. إضافة إلى ذلك، نجد إصرار بعض أجنحة ذلك الحراك على تحوير القضية من مواجهة مع نظام أمعن في إيقاع الظلم بهم، إلى مسألة عداء مع الناس في الشمال بأكمله. يبرز هذا في خطاب عنصري يعتمد في مفرداته على إظهار استحالة بقاء الوحدة بين جنوب حضاري متمدن، وشمال قبلي متخلف. خطاب يعمل على بث كراهية يتم التأسيس لها بطريقة ممنهجة نراها اليوم وقد سيطرت على غالبية قنوات الحراك الإعلامية، وصولاً الى مستوى القواعد الشبابية.
هل ينبغي أن نقول هنا إنّ خطاب العنصرية والكراهية هذا لن يصنع حلاً ولن يعمل على انتصار قضية عادلة وتمكينها من قطف ثمار نضالها السلمي الطويل؟ يتذكر الجميع أنّ هذا الخطاب كان سبباً رئيسياً في كارثة أحداث كانون الثاني/ يناير 1986 في الجنوب التي كان القتل فيها يتم عن طريق الهوية، وهي الأحداث التي لا تزال جراحها مفتوحة حتى اليوم.
* كاتب يمني من أسرة «الأخبار»