يعود أقدم ذكر مكتوب لمدينة تدمر للألفية الثانية ق. م. في وثيقة آشورية، ثم بعدها في القرن الثامن عشر ق. م. في الارشيف الملكي لمدينة ماري، ثم في الحوليات الملكية الآشورية للملك تغلات فلاصر الاول (1115-1077 ق.م)، والذي يفخر بتدميرها. يختفي ذكر المدينة بعدها لحوالى الألف عام، حتى سنة 41 ق. م. بعدها بعقود قليلة تم ضم المدينة الى الامبراطورية الرومانية، منذ 19 ب. م. على اقل تقدير، وهو ما تؤشر اليه زيارة جيرمانيكوس، ابن الامبراطور تيباريوس بالتبني، في اطار جولة دبلوماسية في هذه المنطقة من الامبراطورية. إذاً تدمر مدينة رومانية منذ حكم تيباريوس (14-37 ب. م)، وهي المدينة غير البعيدة عن الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية مع البارثيين والتي يشكلها نهر الفرات شرقاً، وتخضع لحاكم سوريا المقيم في انطاكيا. ولأن حافظت تدمر على خصائص ثقافية قوية طبعتها وميّزتها فهي تبقى مدينة رومانية، مع مؤسسات على طراز المدن الهيلينية للامبراطورية. وهي ستسمى في عهد هادريان (117-138) هادريانا بالميرا، قبل ان تصبح مستعمرة رومانية في بدايات القرن الثالث ابان حكم سبتيموس ساويروس (193-211) أو كركلا (211-217).
في القرن الثالث لمع اسم زنوبيا، التي بات اسمها صنواً لتدمر، وابنها وهب اللات وقبلهما زوجها اذينة، مستندة الى قلة الاهتمام التي أبداها بعض الأباطرة بالجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية خلال فترة «الفوضى العسكرية» (235-284)، وموت امبراطورين بشكل متتالٍ، انطلقت زنوبيا ابتداء من سنة 270 بحملة سيطرت خلالها على اقسام من الجزيرة العربية، فلسطين ومصر اضافة الى اجزاء من اسيا الصغرى حتى انقرة حالياً. كانت السيطرة على مصر بشكل خاص مؤذية للامبراطور كونها تحرمه من القمح الذي يصل الى روما دورياً عبر الاسكندرية، وهو من ضمانات السلم الاجتماعي في روما نفسها. وظهرت مسكوكات في انطاكية تشير بشكل واضح إلى نية زنوبيا وابنها استلاب السلطة الامبراطورية. وهو ما كان ممكناً لو توجهت زنوبيا الى روما للحصول على تأكيد لسلطتها من مجلس الشيوخ، وهذا ما لم تفعله، ربما لانها كانت تفتقد الى الدعم اللازم في صفوف الارستقراطية الرومانية. بالمحصلة فقد تزامن ادعاء زنوبيا وابنها للسلطة الامبراطورية –وهي ظاهرة جد متكررة في تاريخ الامبراطورية، بعضها فشل والاخر نجح- مع وصول اورليان الى الامبراطورية في ايلول 270، وهو كان مصمماً على اعادة السيطرة على كل انحاء الامبراطورية، فتوجه على رأس جيش الى الشرق مستعيداً المناطق التي كانت زنوبيا قد سيطرت عليها، وبينها مصر صيف 272، إلى أن وصل الى تدمر التي دخلها بعد استسلامها في اب 272، والقي بعدها القبض على زنوبيا وابنها وهما في طريقهما لعبور الفرات باتجاه حدود الامبراطورية الساسانية. وقد ظهرت زنوبيا في استعراض النصر في روما في 274، في ما لم تذكر المصادر أي شيء عن ابنها.
يذكر أنّ المدينة لم تدمّر بعد محاولة زنوبيا، بل بسبب ثورة شعبية اعلنت احد اقارب زنوبيا امبراطوراً، ما دفع اورليان غير البعيد عن المدينة للعودة والاقتصاص، الذي طال خاصة القسم غير الروماني منها. وبالرغم من ذلك فالمدينة لم تهجر، وبنيت فيها لاحقاً اول كنائس العصر المسيحي بين 324 و328، ودفع موقعها الهام جوستينيان لارسال حامية اليها وتعزيز دفاعاتها، لكنها سقطت بيد خالد بن الوليد سنة 624.

الاضرار الاكبر التي ستكتشف تتعلق بالنهب المنظم لمجموعة كبيرة من الآثار

تعود أول النصوص للرحالة الغربيين عن تدمر والتي وصلت الينا الى بدايات القرن السابع عشر، يحتوي بعضها على معطيات وصفية مهمة ونقل لبعض النصوص. لكن الرحلة الاستكشافية التي شكلت خطوة نوعية باتجاه اعادة اكتشاف تدمر كانت تلك التي قام بها الرحالان الانكليزيان روبرت وود وجيمس داوكينز سنة 1751. وشكّل كتابهما، وهو ثمرة الرحلة، الغني بالرسومات «اطلال بالميرا، المسماة تدمر في الصحراء»، المطبوع في لندن عام 1753، اهم مرجع عن المدينة وآثارها لوقت طويل.
لغز اخر تم الكشف عنه حوالى السنة بعد صدور الكتاب، وهو اللغة التدمرية. فبفضل النصوص المنقولة بواسطة الرحالة الانكليز، وبعد سنة على طبع الكتاب المذكور تمكن كل من الفرنسي الاب جان جاك بارتيليمي، والانكليزي جون سوينتون وبشكل شبه متزامن من قراءة الابجدية التدمرية.
بالرغم من هذا التقدم، وعدد من الرحلات التي ساهمت في الكشف عن المدينة، فإن الاستكشاف العلمي لتدمر لم يبدأ قبل مطلع القرن العشرين. إذ شكلت زيارة الامبراطور غيوم الثاني للمنطقة سنة 1898، مناسبة لاطلاق ورشة جدية في الموقع، بإشراف أثريين المان، لا يزال الكتاب الذي نشروه سنة 1932، والذي يتضمن وصف لعدد من الأبنية الأثرية يشكل مرجعاً في موضوعه.
شهدت فترة الانتداب الفرنسي اعمالاً مهمة أيضاً في تدمر، كتنقيب وترميم معبد بل، إزالة الرمال من الاغورا، ترميم قوس النصر وبعض المدافن البرجية... وصولاً الى مرحلة ما بعد استقلال سوريا التي فتحت المجال امام البعثات الدولية، كالبولونية والدنماركية والسويسرية، اضافة الى المهمات المشتركة بين الاثريين السوريين وزملاء لهم من بولونيين، المان ويابانيين، تحت اشراف مديرية الآثار. كان آخرها التنقيب والترميم الذي اجرته البعثة اليابانية في قبرين نفقيين في جنوب شرق الموقع سنة الفين. اشارة الى الدور المهم الذي لعبه الراحل خالد الاسعد كمدير لدائرة اثار تدمر، وهو الذي قضى إعداماً على يد عناصر «داعش» بطريقة بشعة في 18 اب 2015.
يشكل استعادة تدمر الى كنف السيطرة الشرعية السورية بعد تحريرها على يد الجيش السوري في الايام الماضية، فرصة للتعرف الجاد إلى مدى وطبيعة الاضرار التي اصابت المدينة الاثرية بعد فترة سيطرة تنظيم «داعش» عليها. واذا كان هناك لائحة طويلة مفجعة من الاضرار المعروفة والموثقة في المدينة، فالأكيد ان المسح الشامل والدقيق سيميط اللثام عن اضرار لم تكشف بعد. يذكر مدير عام الاثار والمتاحف في سوريا، الدكتور مأمون عبد الكريم، كان قد توجه الى تدمر يوم الاحد الماضي (27 آذار) في محاولة لتقييم الاضرار.
قبل تحرير تدمر كانت المصادر عن عمليات التدمير التي ارتكبها «داعش» تصل بواسطة الاشرطة الدعائية للتنظيم، كتدمير معبد بعل شمين، او بواسطة المصادر المحلية التي بقيت على تواصل مع مديرية الاثار والمتاحف في دمشق، التي تشكل المرجع الاول لتوثيق احوال الاثار، لا في تدمر فحسب، بل على كامل امتداد سوريا. وهو جهد كبير وملفت للمديرية. كذلك فقد شكلت الصور الملتقطة بواسطة الاقمار الاصطناعية طريقة مهمة للتأكد من اخبار تدمير «داعش» لبعض المدافن البرجية، وهي كانت بداية عبارة عن اشاعات، تأكدت لاحقاً.
وبالعودة الى الوضع الراهن، وقبل صدور اي تحديث مرتقب عن مديرية الاثار السورية، فقد كانت سنة من سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة كافية لاحداث تخريب ضخم في القسم الاثري منها. يذكر ان التنظيم كان قد دخلها في 20 ايار 2015.

من بين الاضرار وعمليات التدمير المعروفة:
تدمير معبد بعل شامين بواسطة التفجير، في 25 اب 2015. يقع المعبد في القسم الشمالي من المدينة، وهو صغير نسبياً، لكن الباحات والاروقة المحاطة بالاعمدة حوله كانت تضفي عليه طابع الضخامة. يعود المعبد بصيغته الاخيرة قبل التدمير الى النصف الاول من القرن الثاني الميلادي (حوالى 130)، وهو ذات طراز يوناني-روماني من الخارج، خاصة لانه مزود بشرفة محمولة على اعمدة فوق المدخل، وهو ما تفسره اعادة بنائه في القرن الثاني. اما من الداخل فهو يحتوي اطار اقدم من هذه الحقبة، واكثر سامية لناحية التنظيم الداخلي، اذ يحتوي على نوع من المظلة تحتها نقش ضئيل البروز للاله.
تدمير هيكل معبد بل بواسطة التفجير، في 11 ايلول 2015. يعود بناء المعبد الى القرنين الاول والثاني الميلاديين. ويكمن تحديد تاريخ تكريسه بشكل دقيق بواسطة كتابة مكتشفة، اذ كرس في 6 نيسان 32. لكن عملية البناء كانت قد بدأت قبلا، اذ تشير بعض الكتابات الى تقدمات وعطايا تعود لسنة 17 ميلادية، وتستمر بعد تكريس المعبد، اذ ان تسوية الارض حوله انتهت بعد سنة 50، أما الاعمدة التي تحيط بالهيكل فقد وضعت حوالى سنة 80، وكان عددها 375 عموداً، بارتفاع حوالى 18 متراً. كان قد بقي منها 7 امام الواجهة الرئيسية، وعدد اخر موزع حول الهيكل. اما مداخل الحرم فأنجزت في فترة خكم الامبراطور ادريان (117-138). يعد المعبد من اكبر المعابد في الشرق اذ تبلغ مقاساته 220*205 امتار والجدران بارتفاع 14 متراً. ويتمتع المعبد بخصائص عبادة شرقية بالرغم من طرازه الذي قد يوحي بأنه مجرد تقليد لأي معبد يوناني من تلك الفترة.
تدمير قوس النصر بواسطة التفجير، في 4 تشرين الاول 2015. يعود بناء قوس النصر الى فترة الامبراطور سنتيموس ساويروس (193-211)، وهو عبارة عن ثلاث بوابات، واحدة ضخمة في الوسط، واثنتين اصغر حجماً على كل طرف، يبدأ به شارع الاعمدة الذي يدل على ازهار المدينة.
تدمير عدد من المدافن التدمرية بواسطة التفجير، بين آب وايلول 2015. تشتهر مدينة تدمر بخصائص مدافنها معمارياً وجنائزياً، تشكلها مجموعة من حوالى 150 مدفن مكتشف تتوزع على اربعة مقابر كبيرة (مجموعة مدافن). تتوزع المدافن التدمرية على عدة انواع، كالمدافن الفردية، البرجية، النفقية، والمدفن-القصر او المدفن-المعبد. المدافن المدمرة برجية، تقع في الطرف الغربي للمدينة، على الطريق باتجاه حمص، والموقع يعرف حالياً بوادي الموتى. أظهرت الصور الجوية التي نشرها المعهد الاميركي للبحوث المشرقية التابع لجامعة بوسطن بتاريخ 4 ايلول، تدمير 6 مدافن برجية، بينها مدفن جمبليك (83 ميلادية)، ومدفن ايلابل (103 ميلادية)، ومدفن كيتوت (44 ميلادية)، وكلها كانت محفوظة بشكل جيد جداً. يذكر ان المدافن التدمرية مصدر مهم جداً يتعلق بالمعتقدات والمجتمع التدمري وخسارتها مؤلمة جداً.
يضاف الى هذه اللائحة تدمير تمثال اسد اللات، المكتشف سنة 1977، وهو بارتفاع 3.5 امتار ويزن حوالى 15 طن، دمر في 30 حزيران 2015. هذا عدا تدمير عدد من التماثيل الأثرية في حزيران من العام نفسه، وتفجير عدد من الأعمدة، والعبث بالمتحف وتدمير وسرقة قسم مقتنياته.
من المرجح أن الاضرار الاكبر التي ستكتشف تتعلق بالنهب المنظم لمجموعة كبيرة من الآثار، سواء من النقاط المعروفة في المدينة الأثرية، كالمدافن قبل تدميرها، او خاصة من النقاط التي لم يتم التنقيب والكشف عنها بعد. خاصة ان المدينة الاثرية بحجمها المعروف اليوم لا تشمل الا حوالى 20% من مساحة تدمر القديمة. وهذه الحفريات مضرة بشكل مزدوج: أولا لانها لا توثق المكتشفات الأثرية، ثانياً لأنها تتم بشروط مريعة لجهة الحفر وتدمير الموقع بهدف استخراج اللقى الأثرية. وفي الحالتين تؤدي الى تضييع قيمة المكتشفات نهائياً.
ومع استرداد المدينة بدأ الحديث عن اعادة بناء وترميم ما تهدم. ليس الترميم بهذا المعنى مزحة او مسألة بسيطة، فبغض النظر عن النية الجدية وامكانية الترميم مع وضع الحرب القائم اليوم في سوريا، فالترميم الجدي - لا على طريقة اعادة بناء المدرج في قلعة حلب - عملية صعبة ومكلفة. اذ لا يكفي وجود مسح ثلاثي الابعاد للمباني المتضررة ليتم الحديث عن تلقائية الترميم. أولاً لا بد من القول بأن هناك مباني زالت ولا يمكن إعادتها إطلاقاً، فهي فقدت للأبد، كالمدافن التي تعرضت للتفجير. فالحجارة التي كانت مبنية بها لم تسلم على الأرجح، بل تحولت الى حصى صغيرة، ما يجعل الترميم مستحيلاً. أما في حالة المعبدين، فمن خلال الصور التي نشرت للركام الناتج من التفجير يمكننا أن نرى أن قسماً من الحجارة حافظ على هيئة معينة ويمكن الاستعانة به لإعادة بناء قسم من جدران الهيكل انما ليس بنفس الارتفاع، بل بشكل يحفظ هيئة البنية الأساسية للهيكل نظراً الى نقص حتمي في الحجارة. وقد يكون من الممكن أيضاً ترميم اسد اللات كونه تم تحطيمه لا تفجيره، لكن الامر رهن بوجود القطع الاساسية الناتجة من التحطيم. يبقى ان الجواب النهائي حول امكانية الترميم من عدمه رهن بالمسح عن قرب وبالوقت والشروط التقنية. مع العلم اخيراً ان عمليات الترميم ممكن ان تكون جد ناجحة في بعض الاحيان، كترميم واجهة نوتردام في باريس خلال القرن التاسع عشر بعد الاضرار الكبيرة التي اصابتها خلال الثورة الفرنسية اضافة الى عوامل الزمن. فحالياً يعود 80% من العناصر التزيينية للواجهة، كالتماثيل مثلاً، الى مراحل زمنية لاحقة، لكن هذا لا يمنع من القول بأن الواجهة كمجموعة تعود لمرحلة البناء الاول.