تشير تقلبات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي و«جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، إلى جانب من الأزمة اللبنانية، لكنّها ليست هي من يولِّدها. التأثر بالخارج وبصراعاته وتوازناته أمر قديم جديد بالنسبة إلى القوى السياسية اللبنانية. هذا التأثر الذي هو طبيعي عموماً، يكفّ عن أن يكون كذلك عندما يتحوّل إلى شكل راسخ من أشكال الاستقطاب أو الارتباط أو الارتهان، أو هذه كلها مجتمعة!

لقد أدت ظروف وأسباب عديدة، موروثة وجديدة، موضوعية وذاتية، إلى عدم ثبات وليد جنبلاط على علاقة واحدة، كما فعل الآخرون. لذلك، فقد اتسمت هذه العلاقة بالتحرك والقفزات والانتقال من موقع إلى آخر، ومن معسكر إلى معسكر نقيض. تصادف ذلك أيضاً لدى الرجل مع مزاج مطابق أضفى على التبدلات والتقلبات نكهة خاصة لا يجيدها، ولا يسعى إليها، سواه.
موضوعنا الآن، ما هو ثابت من التحالفات والعلاقات والارتباطات بين القوى والكتل السياسية اللبنانية، وبين القوى والكتل السياسية الخارجية، دولاً أو مراكز دينية أو مواقع قرار أو تأثير سياسي أو عقائدي أو مالي أو هذه كلها مجتمعة!
ونستطيع أن نقول، اليوم، ليس دون أسف وقلق عميقين، إنّ مسألة علاقات القوى السياسية اللبنانية بالخارج قد بلغت ذروة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني. إنّنا أمام علاقات شديدة الاتساع، تتكامل فيها الجوانب السياسية مع الجوانب الدينية والمذهبية، مع الجوانب المالية، مع الجوانب العقائدية والفكرية، مع الجوانب الأمنية والتنظيمية. وكلّما برز الاستقطاب الإقليمي وذهب عميقاً في الاتجاهات والحقول كافة، كذلك يتبلور ويترسخ التفاعل الداخلي اللبناني في صيغ ارتباط شاملة وثابتة لا تترك كبير مجال لهامش استقلالٍ أو حركة أو مناورة، مهما كان محدوداً.
في الآونة الأخيرة، لم يعد أحد، رغم بعض المناورة أو المكابرة أحياناً، يجد حرجاً في إعلان ما أقامه من ارتباطات، وما هو عليه من التزامات وواجبات خارجية. تظاهرتا الأحد الماضي في ساحة الشهداء، ليستا سوى تعبير رمزي عما ذكرنا. قبل ذلك بوقت طويل، تبلور مسار أُعلنت فيه مواقف وروجت أخبار بنحو احتفالي مهيب، وبلا خجل أو وجل أو تحفظ أو استدراك. بل إنّ هذه الارتباطات، باتت بالنسبة إلى معظم المعنيين بها مصدر فخر واعتزاز. لقد أُعلنت من «البيال» مراراً في مؤتمرات ومناسبات ضخمة لفريق 14 آذار ارتباطات بـ«العروبة الجديدة». وجاهر رموز انعزال تقليديون بانتمائهم إلى محور الـ«اعتدال» العربي، ورفعت في امتداد ذلك صور ضخمة، على غير جاري العادة، للملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز. وفي السياق نفسه، أصبح الحديث عن «الانفراج المالي القريب»، حديثاً شبه رسمي في «أوساط تيار المستقبل». وهو حيث كان يشير دائماً، وبالخط العريض، إلى أنّ «المملكة» دفعت كذا، أو ستدفع قريباً ما من شأنه تيسير الأمور وإعادة ضخ ما ينبغي من الأموال والمساعدات والهبات...
في المقابل، ومن موقع الشعور بالدفاع عن قضية وطنية وقومية وإسلامية، كانت تُعقد اللقاءات وتُعلن الارتباطات والتحالفات «الممانعة»، وتنشر الصور للأقطاب والرؤساء والقادة. وكذلك أيضاً، أُعلن بنحو احتفالي وافتخاري لا جدال بشأنه، بأنّ ثمة أموالاً ومساعدات تُقدم، وهي «نظيفة» ومتواصلة ومعبِّرة عن التزام يبعث بدوره على الطمأنينة بالنسبة إلى المقبل من الأيام، في صراع لا يعرف حدوداً أو مهلاً (عنينا الصراع مع العدوانية الصهيونية).
بعد الحقلين السياسي والمالي، يأتي الحقل «العقائدي». وهو هنا ما يتصل بالانتماء الديني، والمذهبي خصوصاً، وما يتفرع عنه. و«يصادف» أيضاً أنّ كل طرف في الداخل، وكل محور في الخارج، يستند هو الآخر، إلى مرجعية خاصة، هي في الوقت عينه مرجعية دينية ومذهبية ناشطة وفاعلة ومستقطبة و«قادرة».
ولسنا بحاجة أيضاً إلى الحديث عن تفرعات ما تقدم ذكره من العوامل الأساسية، في الشؤون التربوية والمدنية والأهلية والتجارية. لكن يجب التوقف خصوصاً عند العوامل الأمنية التي تطل برأسها، وخصوصاً في مناسبة اندلاع الأزمة السورية وتماديها، في صور مقلقة، بعضها شهدته أخيراً منطقة الشمال، وبعضها الآخر، برز أو هو مرشح للبروز أكثر، إذا ما تمادت الأزمة في سوريا وأُقفلت دونها الحلول والتسويات، كما حصل حتى اليوم. هذا من دون أن نتحدث عن شلل مؤسسات الدولة، بما فيها الحكومة، بسبب الانقسام والفئوية ومشاريع الدويلات، وبسبب الهدر والفساد والسرقة.
مصدر الخلل الرئيسي في كل ذلك، قائم أساساً في نظام المحاصصة الطائفية ـــــ المذهبية اللبناني. وهو خلل يتفاقم بسبب إغلاق الطاقم السياسي اللبناني الأبواب والنوافذ في وجه الإصلاح السياسي والاجتماعي.
لكن الأمر في تفاقمه، لم يعد مجرد حاجز أمام قيام دولة حصينة وموحَّدة ومستقرة وسيدة فحسب؛ ففي ظل المشاريع التي تجتاح المنطقة في أكثر من موقع وكيان، على ما نشهد وشهدنا في السودان واليمن وليبيا، تصبح المخاطر أكثر. مخاطر الانقسام والتقسيم والتفتيت التي ستمر، بالضرورة، عبر الاقتتال والاحتراب الأهلي وعبر التدخلات الخارجية من كل نوع، بما فيها التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر.
الخطير في الأمر أنّ التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، وكذلك استدراج هذا التدخل للاستقواء، قد أصبح شأناً داخلياً لبنانياً! لقد أصبح أحد التقاليد اللبنانيّة التي تفاخر بها الأطراف جميعاً. أليست نظريّة الرئيس نبيه برّي المعبّر عنها بـ«السين ـــــ سين» تعبيراً مباهياً ومباشراً عن ذلك؟
من يجادل في الأمر لا يعترض على مبدأ التدخل، بل على الجهة المتدخلة أو الجهة التي يُرتبَط بها، والارتهان الشعبي أو الرسمي لها. يجتمع هنا الخلل البنيوي مع الخلل السياسي. وسط كل ذلك «يضيع» وليد بيك الذي لا يسعفه مزاجه الفردي على الاستقرار، ولا تسعفه موازين القوى على الأرجحية والانصهار. ما يشده إلى نظام المحاصصة، يبقى هو الثابت الوحيد. أما حجم الحصص فيجري البحث عنها هنا وهناك وهنالك، في متاهة لا قرار لها، ما دام الصراع مفتوحاً، وهو يوم لك ويوم عليك.
المشكلة في النظام، ولا يفعل الجميع سوى مفاقمتها. هذه المشكلة مرشحة اليوم لأن تتحوّل إلى كارثة، فهل يمكن تدارك ذلك؟ الشعب اللبناني اجترح معجزات في حقول المقاومة والانفتاح والحرية. هل يفعل ذلك اليوم، ومن يفعل ذلك؟
* كاتب وسياسي لبناني