الحياة أنثى، ومصر مؤنثة وكذلك الثورة والحُرية. تلك هي الحقيقة، لكن ليس بالضرورة أن يتوافق معها الواقع الذي نعيشه في مصر حالياً، أو الذي نشأنا عليه مرغمين. مصر في زمن الثورة مُهانة بمجلسها العسكري، هزلية ببرلمان الثورة، الذي سيطر عليه الإسلاميون ولم تتعدّ نسبة وجود المرأة فية 1.5% من إجمالي المقاعد. ونستطيع أن نجزم بأنّ أغلب النائبات غير مؤثرات. فعندما يتحدث بعضهن في الفضائيات يُظهرن لنا أنياب عقلية ذكورية في صورة امرأة صالحة تنتمي إلى حزب «الحرية والعدالة»، وهذا يعطيها شرف كونها من الأخوات المسلمات. ومن المفترض أن ننخدع وننبهر بالمشاركة السياسية للمرأة، حتى وإن لم نسمع صوتها يعترض أو يناقش تحت قبة البرلمان، وحتى إذا لم يُسمح لها بالانضمام إلى اللجان المفترض أن تكون فعالة. وعلينا أيضاً أن نتجاهل أنّ الوجود النسائي الضئيل جداً ليس أكثر من «كمالة عدد».

مُنتشين كنا، شاعرين بالقوة والثورة تملأنا كما تملأ ميادين مصر، حالمين بمصر أفضل بكثير بعد كسر حاجز الخوف وتنحي مبارك. وبالطبع كنا متوقعين أنّنا لن نُهان ولن نقتل بعد نجاح ثورتنا. لكن على عكس توقعاتنا، سيؤكد لنا المجلس العسكري أنّنا مخدوعون، وأنّهم سيتفننون في إهانة وقتل المتظاهرين السلميين كلما تم التأكيد على استمرار الثورة. دعت الناشطات النسويات إلى مسيرة في ميدان التحرير في اليوم العالمي للمرأة في 8 آذار/ مارس 2011، تأكيداً لضرورة مشاركة النساء السياسية والقانونية، والمطالبة بدستور مدني جديد يكفل المساواة. لم يزد العدد على مئتي متظاهرة ومتظاهر، لكن اشتعلت الوقفة بالشعارات واللافتات. لكن بعد مرور بعض الوقت، بدأ التحرش اللفظي من قبل المارة، مع تعليقات عابرة ساخرة مثل «هي الرجالة عارفة تُحكم عشان النسوان تُحكم». ثم جاء دور العاملين بالمنطقة، وأخيراً بعض المتشددين دينياً. بدأت الفوضى ببدء التحرش الجنسي الجماعي بأغلب المتظاهرات، وتعالت الألفاظ النابية ممن المفترض أنّهم يتحدثون باسم الله، وقالوا بلغتهم النابية إنّ المرأة لا مكان لها إلا في الفراش والمطبخ.
وكأنّنا لم نشبع إهانة من حياتنا اليومية في مصر. فلطالما سمعنا أنّ شرف البنت مُتعلق بشقّ بين فخذيها، وإذا لم تصن تلك المنطقة جيداً وتتجاهلها، تكون قد فرطت بشرفها وأضاعت شرف الأسرة كلها. فالمجتمع المصري اخترع جملاً ساخرة، ظلّت تتردد على الألسنة على مدار عقود متتالية، حتى أصبحت مُقدسة مثل «شرف البنت زيّ عود الكبريت». فأغلب العادات والتقاليد المصرية المتعلقة بالنساء قائمة على ترهات وأمثال شعبية وقناعات ذكورية متوارثة أكثر من أن تكون قائمة على أساس أخلاقي وديني، كما يدّعون. في التاسع من آذار/ مارس 2011، اعتقل الجيش المصري المتظاهرين، وكنوع من التجديد والإبداع في الإهانة، بعد سحل وشتم وتعذيب المتظاهرين، قام بـ«كشف عذرية» للبنات، فجرت تعريتهنّ من ملابسهن، ووقف العساكر يشاهدونهن، ويصوّرونهن بهواتفهم النقالة كنوع من المزايدة في إهانة الكرامة وللترفيه عن الجنود المخلصين. وأخيراً، تم أداء الكشف عنوة على يد طبيب مُجند، لكن على عكس ظن العسكر، لم يتم التكتم عما حدث لأنّ القضية قد تكون اجتماعياً جارحة للبعض. وكانت الأكثر شجاعة سميرة إبراهيم التي رفعت قضية على الجيش وكسبتها في كانون الأول الماضي. وكان الانتصار هو إقرار محكمة مصرية بتحريم كشوف العذرية في المعتقلات. لكن هذا لم يكن كافياً بالنسبة الى سميرة، فرفعت قضية أخرى على الطبيب الذي قام بالفحص، ونُقلت المسألة إلى المحكمة العسكرية حتى تكتمل الهزلية في قضية، المتهمون فيها عسكر، فتم حظر النشر فيها، وكل جلسة يتأجل الحكم. لكن أخيراً، انضمت إلى سميرة متظاهرة أخرى، بعد عام كامل من الصمت وهي رشا عبد الرحمن ورفعت قضية مماثلة. وأيضاً تم تأجيل النطق بالحكم إلى الحادي عشر من آذار الجاري .
مع الفشل التام في إدارة شؤون البلاد، يقوم جنود الجيش بتقديم عرض خاص للإناث المتظاهرات، حيث السحل والتعرية، ستؤدي الأحداث إلى رمز نسوي عربي هي «فتاة الصدرية الزرقاء». ففي أحداث مجلس الوزراء، في كانون الأول الماضي، كان التركيز على النساء، سواء كنّ شابات، أو متقدمات في العمر. الجنود يجرّون فتاة، مع السحل يتعرّى صدرها ــ إلا من صدريّة زرقاء ــ فيدهسونها ببنادقهم العسكرية على رأسها، وصدرها، ويتركون العصا تنهال على باقي أجزاء جسدها. الحقيقة أنّ بنادقهم العسكرية لم تكن إلا سنين طويلة من الجهل والعنف والتمييز. وفتاة الصدرية الزرقاء هى رحم للحُرية، فبسببها توحدت نساء مصر بأعداد هائلة من أعمار متفاوتة في تظاهرات حاشدة، وبعثن الحياة لروح هدى الشعراوى وكأنّهن يردن التعويض والاعتذار عن عقود من الصمت والسلبية تجاة قضيتهنّ الخاصة. ثرن مؤكدات على أنّ نضال المرأة مشترك ومستمر، مهما اختلفت الطبقات. يومها كانت القاهرة أنثى واعية بقوتها تنادي «حُرية»، وتندد بجرائم المجلس العسكري متوعدة. كما تمت الإشارة إلى جرائم التحرش الجنسي والتساهل التام للمجتمع والدولة مع المتحرشين.
ولم يكن مشهد التظاهرات النسائية في مصر حدثاً فردياً لم يتكرر، بل كررته مسيرات أمهات الشهداء مرات عدّة في الأشهر السابقة. ربما الحلم بثورة نسوية بدأ يأخذ منحى آخر، على الأقل في الحماسة والإصرار على مطلب النساء في المرحلة المقبلة، وهو المشاركة في كتابة الدستور بتمثيل نسوي لا يقل عن 50%. ولذلك في يوم المرأة العالمي هذا العام، سيملأ صوت نساء مصر الشارع، استمراراً للثورة المصرية، وبدايةً لثورة نسوية، وتأكيداً على أنّ الربيع لن يتأخر مهما سُمّمت الورود، وقُتل المتفتح منها.

* ناشطة نسويّة مصريّة