سيحتفل التونسيون يوم 20 آذار الجاري بالذكرى السادسة والخمسين للاستقلال، وسط جدل كبير حول إرث دولة الاستقلال التي أسسها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، بعد صعود الإسلاميين للحكم وتنامي التيارات السلفية المتشددة، التي تعادي الانفتاح وتدعو الى نموذج جديد لم يعتده التونسيون.

رغم سقوط النظام السابق، وحلّ الحزب الحاكم الذي ورث حزب الاستقلال، بقي النموذج الاجتماعي والثقافي الذي صاغه بورقيبة هو مرجع الحياة اليومية في تونس، التي تعدّ من أكثر البلدان العربية انفتاحاً على الغرب، وخاصة أوروبا، وتحديداً فرنسا. وقد كان هذا النموذج، ولا يزال، مزعجاً للعديد من الدول العربية، والخليجية خصوصاً، التي يبدو أنّها استغلت ثورة «14 كانون الثاني» لتتدخل بثقلها في إعادة صياغة النموذج التونسي المحسوب على
الغرب.
يحدث ذلك عبر دعم الجمعيات التي تناسل عددها بعد الثورة ـــــ وفي أغلبها جمعيات إسلامية ـــــ وهو ما يثير مخاوف التونسيين على مكاسبهم التحديثية التي صاغتها دولة الاستقلال. دولة مبنية أساساً على النظام الجمهوري ومجلة الأحوال الشخصية التي تحسب لبورقيبة. فاختار هذا الأخير نموذجاً تحديثياً لتونس من أبرز معالمه منع تعدد الزوجات ـــــ في سابقة عربية وإسلامية ـــــ وسنّ سياسة لتنظيم النسل وتعميم التعليم ومجانيته، والصحة والتغطية الاجتماعية وبناء طبقة وسطى قوية.
اليوم، عاد الجدل في الشارع التونسي حول هذه المكاسب، بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الحر الدستوري (2 آذار 1934)الذي قاد تونس نحو الاستقلال، وحكمها من 1956 الى 14 كانون الثاني 2011، ففيما تتمسك القوى الحداثية بمكاسب دولة الاستقلال والإرث البورقيبي، وتعدّه أرضية خصبة للإصلاح يمكن أن تلتقي حولها أطياف واسعة من الشعب التونسي، ترى قوى أخرى، من بينها النهضة، والتيارات الدينية غير المعترف بها، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي يتزعمه الرئيس محمد المنصف المرزوقي قبل انتخابه، ترى أنّ هذه المكاسب لا يمكن أن تغفل التونسيين عن الاستبداد في الزمن البورقيبي، الذي توّج بصعود الجنرال بن علي الى الحكم، مع كل الخراب والفساد الذي حلّ
بتونس.
فإرث دولة الاستقلال حسب هؤلاء لم يكن خالياً من القمع ولا من الفساد ولا من الجهويات التي كرست الحيف والظلم الاجتماعيين والحرمان لجهات الجنوب والوسط الغربي والشمال. ولم ينعم بخيرات الدولة إلا جهة الساحل، التي ينحدر منها بورقيبة وبن علي، ومعظم وزراء الاستقلال.
فالاعتراف بإصلاحات بورقيبة في مجال التعليم والصحة والتنوير والمرأة لا يمكن أن يجعل التونسيين حسب النهضة وحلفائها ينسون سنوات الجمر في عهد بورقيبة، الذي زج بخصومه في السجون من كل التيارات الإسلامية والقومية واليسارية، ونكّل بالحركة الطلابية والنقابية، وصفّى الحركة اليوسفية التي اغتيل زعيمها صالح بن يوسف في سابقة لم يعرفها التاريخ التونسي. وقد اعترف الزعيم الحبيب بورقيبة في إحدى خطبه في معهد الصحافة وعلوم الأخبار في السبعينيات بمسؤوليته المباشرة عن اغتيال بن يوسف، خصمه العنيد، الذي تسعى حركة النهضة الآن وحركة الشعب (حزب ناصري) الى إحيائه في الذاكرة التونسية، باعتباره مرجعاً عروبياً وإسلامياً، جرت تصفيته وتصفية إرثه العربي الإسلامي.
مع حلول ذكرى الاستقلال، أعلنت مجموعة من الأحزاب ذات المرجعية البورقيبية عن احتفالات خاصة بهذه الذكرى، لكن الملاحظ أنّ كل هذه الأحزاب تلتقي في الانتصار لإرث دولة بورقيبة، مع التأكيد على افتقارها إلى الديموقراطية. فهل تنجح تونس في الحفاظ على إرثها البورقيبي مع تدعيمه بتجربة ديموقراطية حقيقية؟
هذا هو السؤال الذي تتداوله النخبة التونسية اليوم.
* كاتب تونسي