كان عنوان تقرير «مراسلون بلا حدود» مثيراً، لكنّه لم يكن مفاجئاً «البحرين عدوّة للإنترنت»(1)! عنوان سبقه تقرير للمنظمة نفسها عن العام 2011، يصف المنامة كواحدة من أخطر المناطق على الصحافيين في العالم(2). يشهد تاريخ البحرين أنّها شرعت في حجب المواقع الإلكترونية المعارضة، واعتقال النشطاء الذين تواصلوا عبر منافذ الشبكة العالمية، منذ 1996. وجاء العام 2002 ليكون حجب المواقع الإلكترونية أول مؤشر لنوايا السلطة تجاه الحريات العامة، بعد عام واحد من ربيع «ميثاق العمل الوطني». وفي 2002، حجبت المواقع التي نشرت وجهة نظر المعارضة الرافضة انفراد الملك بإصدار الدستور، وعدم تكليف مجلس تأسيسي منتخب بكتابته.


ثم زادت حدّة العداء للإنترنت، حين أعلنت المعارضة مقاطعتها لبرلمان لا يستطيع التعبير عن الإرادة الشعبية، وتمظهر في حجب المزيد من مواقع الإنترنت العامة والخاصة، وتهديدات بملاحقة القائمين عليها.
لم تسمح السلطة، في 2003، بتأسيس أول تجمع لنشطاء الإنترنت بعنوان «جمعية الإنترنت البحرينية». عوضاً عن ذلك، أمر المستشار الإعلامي الحالي للملك، نبيل يعقوب الحمر، بإنشاء جمعية «فرخ الخعنفق»(3)، وهي «جمعية البحرين للإنترنت»، الموالية، والبعيدة عن إزعاج وسطوة النشطاء. وفي 2005، طارت نشوة الملك، وحضرت السجون الجميلة التي لم نعشها بعد، ووضعت في يدي ويد اثنين من أعز أصدقائي النشطاء أصفاد حرية التعبير، ضمن قضية «بحرين أون لاين». عدوة الإنترنت تلك، كانت تحقق معنا وتسألنا عن حقيقة الشبكة. سلمني المحقق غير البحريني ورقة كتبتها الاستخبارات، تصفني بـ«هاكر إنترنت» (قرصان)، ثم سألني: «ما هي الإنترنت؟»، والناس أعداء ما جهلوا.
«عدوة للإنترنت» صفة غير مبهجة، ويتحمل مسؤولية وصم البحرين بها حكم غير رشيد، وجوقة مطبلة له. عدوة الإنترنت هي سلطة البحرين، والشعب صديقها. شعب البحرين يتصل بالإنترنت بنسبة 210%، أي بأكثر من وسيلة للشخص الواحد. شعب البحرين علمه قمع السلطة دهاليز الإنترنت التي بات اللجوء إليها خياراً نهائياً أمام إغلاق باقي وسائل الإعلام في وجهه. شعب البحرين يتجاوز الحجب، يبث فعالياته مباشرة على الشبكة، يتفنن في أرشفة وعرض حراكه والانتهاكات التي ترتكب بحقه. شعب البحرين أخذ الإنترنت منبراً خاطب من خلاله العالم وأسمعه ما حاولت صدور سلطة البحرين الضيقة خنقه. بالإنترنت ألغى البحرينيون سباق «الفورمولا وان»، وبالإنترنت تصدرت صورهم كبريات صحف ومجلات العالم. بالإنترنت يظهر منشدهم مهدي سهوان على القنوات المصرية، وبالإنترنت كانت «قناة اللؤلؤة» تبث لما حاربها البترو ــ دولار في أقنية الفضاء. بالإنترنت كانت مرآة البحرين عصية على الحجب، وبفضل نشطاء الإنترنت لم يعد قطب الموالاة، الشيخ عبد اللطيف المحمود، يدّعي معارضة السلطة، لأول مرة له في حوار على قناة «أون تي في» المصرية(4).
سلطة البحرين هي عدوة الإنترنت، وأمثال الشهيد المدوّن زكريا العشيري أصدقاؤها. جاءت أشهر آذار، ونيسان وأيار من عام 2011، لتكشف أسوأ وجه لعدوّة الإنترنت. فقد استخدمت السلطة مرتزقتها عبر الإنترنت لنشر حملات الكراهية، ووظفتها لملاحقة واعتقال النشطاء. بالإنترنت، جذرت السلطة ومرتزقتها شرخاً اجتماعياً/ طائفياً، لأنّها تدرك أنّ دعوات نشطاء الإنترنت إلى التحرك يوم 14 شباط/ فبراير تلغي مقومات الشرخ التي بذرتها منذ سنين،
لأنّ اسمه ارتبط بالنشاط والنشطاء، احتجزت السلطة صديقي المدون علي عبد الإمام في أيلول 2010. وبعد 5 أيام على اعتقاله، فصلته شركة «طيران الخليج» لتغيبه القسري عن العمل لـ9 أيام، بناءً على لوائح ادارة الشركة الأكثر فساداً في البحرين! علي عبد الإمام الذي أفرجت عنه السلطة، إبان ذروة نشاط ميدان اللؤلؤة، اختفى قسرياً في 17 آذار 2011. حارب فساد سلطتهم بتدوينه ونشاطه، فصار هو والإنترنت عدوهم وعدوتهم. سلطة تعادي خيرة أبنائها ستكون بالتأكيد عدوة الإنترنت، ما دامت سيفاً على رقبة فاسديها.
عبر الإنترنت، تحاول السلطة تحقيق ما لم يمكّنها منه رصاصها، أي تمزيق المعارضة. وظفت السلطة أموالاً طائلة خارج بنود ميزانيات الدولة، ليس لتحجب المواقع فقط، ولكن لما هو أخطر. فما لا يعلمه كثيرون هو أنّ من أهم خدمات التجهيزات لدى الدولة توفير مخطط لسلوك المستخدمين كلّهم، أو من تنتقيهم السلطة لمراقبتهم. نعم، هكذا بالإنترنت تدرس السلطة مفردات المعارضة لتستخدمها من أجل تمزيقها، وبها تنشر السلطة وثيقة زائفة باسم «مرئيات الوفاق للحوار»، تماماً كما فعلت حين زوّر مرتزقتها صور لافتات المحتجين، وزرعوا فيها عبارات تناسب مشروع فتنتهم. بالإنترنت، تحاول السلطة تزييف وعي الجمهور، وبالإنترنت سيهزمها وعي الجمهور. الإنترنت ساحة الشعب وملعبه ولعبته وجمهوره، وإذا كان شعب البحرين ينتصر في معارك الوعي، ففي معركة الإنترنت كان انتصاره باهراً على عدوتها.

هوامش

1. بي بي سي: البحرين تتصدر قائمة «أعداء الانترنت» http://www.bbc.co.uk/arabic/scienceandtech/2012/03/120313_internet_enemies_reporters.shtml
2. عن جريدة الوسط البحرينية، مراسلون بلا حدود تصنف البحرين ضمن البلدان العشرة الأكثر انغلاقاً في العالم: http://www.alwasatnews.com/3428/news/read/624188/1.html
3. «بيض الخعفق وفرخ الخعنفق»، من المسرحية الكويتية الكوميدية: فرسان المناخ: http://www.youtube.com/watch?v=NHiy97Y5YfM
4. برنامج «الصورة الكاملة»، الشيخ عبد اللطيف المحمود لا يدّعي أنه من المعارضة للمرة الأولى، ويعلن تأييده لمطلب برلمان كامل الصلاحيات. http://www.youtube.com/watch?v=_uyunguPQZE
* ناشط بحريني