أخطأ الباحث ستيفان وينتر بتسمية كتابه الصادر في 2010، «شيعة لبنان في ظل الحكم العثماني، 1516-1788»، لأنّ العنوان لا يعكس المضمون. قدّم الكاتب «تاريخاً للأعيان»، معتبراً أنّه إنما يؤرخ للشيعة من خلال ما عرَضه عن تاريخ بعض المقاطعجية من أبناء هذه الطائفة. يرقى كتاب وينتر حول الحقبة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، إلى مستوى ما حقّقه المؤرخون الكبار حول تاريخ لبنان. استخدم ثلاثة مراجع أساسية هي «سجلّ المهمّات» الذي كانت تدوّن فيه أوامر السلطان وإدارته، و«السجلّ الضريبي» و«سجلات المحاكم الشرعية»، مضيفاً إلى ذلك مصدراً مهماً للمعلومات هو تقارير القناصل. وذكر في مراجعه كلّ ما كتبه اللبنانيون وغيرهم من دراسات حول هذا الموضوع، من أطروحات الدكتوراه غير المنشورة إلى مختلف الكتب الصادرة بالعربية. وهو يكتب بالإنكليزية والفرنسية، ويتقن الألمانية والتركية والعربية. وفّر لنا كل هذا كتاباً ممتعاً تسهل قراءته. وضع الكاتب جهده ضمن إطار نقد التأريخ الرسمي الذي اختصر تاريخ لبنان بالإمارتين المعنيّة والشهابية، وأغفل دور النخب الشيعية في صنع ماضي بلادنا (ص 2). وقدم مساهمات عدّة في هذا الشأن، منذ 2000، اختصرها كتابه هذا.


ماضي مقاطعجية وليس ماضي شعب

رسم الكاتب صورة للبنان على مدى قرنين ونصف قرن، من منتصف السادس عشر إلى أواخر الثامن عشر، من خلال ثلاث مناطق فيه، هي جبل لبنان والبقاع والجنوب، عارضاً علاقة مقاطعجية هذه المناطق مع السلطة العثمانية، ومع بعضهم البعض. المقاطعجية هؤلاء هم آل حماده خلال حقبة اعتمادهم من قبل السلطنة ملتزمي جباية للضرائب في مناطق لبنان الشمالي الحالي، وصولاً إلى كسروان، وآل حرفوش الذين كان مقرّهم بعلبك وحافظوا على موقعهم كملتزمي جباية حتى التاسع عشر، ونخب جبل عامل، كآل صعب والمنقار وعلي الصغير وغيرهم، ولو أنّ حضور هؤلاء الأخيرين في سجلات السلطنة كان أقل من الأولين.
وأوضح موقع الإمارة المعنية ثم الشهابية منهم، التي راوحت بين توفير الحماية لبعضهم كآل حماده وآل حرفوش، والصراع الدامي، الذي عبّر عنه تعاطي الإمارة الشهابية مع نخب جبل عامل. وقد تمدّدت الإمارة في نهاية المطاف نحو الشمال، على حساب آل حماده وبشكل نهائي بعد معركة القلمون في 1771. وكان قد حل محلّهم تدريجياً المقاطعجية الموارنة الممثلون بآل الخازن، في جبل لبنان الأوسط.
حكمت علاقة السلطنة بعائلات حماده وحرفوش وغيرهم من المذهب الشيعي، براغماتية وضعت جانباً الجسم العقائدي المناهض لـ«الروافض» الذي جرت بلورته في تركيا في ظرف تاريخي محدّد، هو مواجهة التشيّع والصراع ضد الدولة الصفوية في جنوب شرق الأناضول، في مطلع القرن السادس عشر (ص 15). قبل ذلك التاريخ، لم يكن هناك تمييز واضح بين سنة وشيعة. لكن العلاقة تلك، كانت علاقة صراع مع هؤلاء المقاطعجية، خصوصاً حين كانوا لا يؤدون الضريبة المستحقة عليهم. كانت مناطق نفوذهم تتعرّض لحملات عسكرية تجريها السلطنة أو ممثلوها من ولاة الأقاليم والمقاطعجية الآخرين ضدهم، وأهمها حملة 1693 ــ 1694، ضد آل حماده، ومعركة القلمون التي أخرجت هؤلاء من جبل لبنان والتي تولتها الإمارة الشهابية. جاء ذلك ترجمة لسياسة اعتمدتها السلطنة خلال القرن الثامن عشر، قامت على تكليف مقاطعجية كبار تحصيل الضريبة، عوضاً عن التعامل مع عدد أكبر من المقاطعجية الأقل وزناً (ص 102).
حكمت المراجع المستخدمة عمل الكاتب. يتساءل القارئ كيف تحوّل تاريخ النخب التي تتولى الجباية، وكيف تحوّلت خلافاتهم على هذا الصعيد، إلى تاريخ لمذاهب وطوائف بكاملها؟ كيف يكون الكتاب حول «شيعة لبنان ...» حين لا يعطينا الكاتب معلومة واحدة عن مصادر دخل من هم موضع الدراسة وعن أوضاعهم الديموغرافية وانتشارهم، والتحوّلات التي عرفوها على مدى الحقبة المذكورة؟ بالكاد أشار الكاتب إلى أوضاع طرابلس وريفها حين كانت شيعية المذهب، ولم يقل شيئاً عن كيفية تحوّلها إلى المذهب السنّي. نقع في الكتاب على إشارات عابرة إلى اقتصاد الحرير (ص 42)، وخصوصاً حين سرد الكاتب واقعة قطع مساعد والي طرابلس 70 ألف شجرة توت من أملاك آل حماده (ص 154). وقد استعاد الكاتب بصيغة غير نقدية ما قاله الأب لامنس اليسوعي من أنّ الشيعة في لبنان هم فرس، وأغفل دحض المؤرخ الصليبي مواقف هذا الأخير في هذا الشأن. وأشار إلى مرجع بالعربية للكاتب جعفر المهاجر حول الأصول العربية للشيعة اللبنانيين ( ص 60). وقد نسَب المؤرّخ الصليبي الشيعة في لبنان إلى قبيلتي بني متوال وبني عاملة العربيتين.
كرّس الكاتب صفحات عديدة لعلاقة آل حماده بالموارنة. ويجد بعض قرّاء هذا الكتاب فيه ما يجيب على بعض تساؤلاتهم في بحثهم عن جذورهم. كذلك قدم الكاتب جهداً يجعل منه أحد مؤرخي لبنان الرئيسيين. لكن كتابته تقليدية ومحافظة، بمعنى نسجها على منوال من سبق في اعتبار تاريخ المجتمعات هو تاريخ نخبها السياسية. هذا ما يجعل كتابه صيغة حديثة ومكرّرة لما كتبه طنوس الشدياق في «أخبار الأعيان» أو غيره، منذ التاسع عشر.

الكتاب وحاضر لبنان

في الكتاب الرائع الذي خصّصته الباحثة الأميركية أيرين جندزير لقراءة التجربة اللبنانية خلال العهدين الأولين للاستقلال، وذلك استناداً إلى النصوص التي وفّرها آنذاك الديبلوماسيون الأميركيون المعتمدون في بيروت، أشارت إلى أنّ الموقف من النظام السياسي المعتمد على التوزيع الطائفي، كان مدعاة نقد وتشكيك لدى هؤلاء في بداية حقبة عملهم في لبنان في الأربعينيات. وقد التزموا هم أنفسهم بالتعليمات التي أتتهم من «مجلس الأمن القومي» الأميركي ابتداء من 1952، وفرضت عليهم تثبيت الطائفية وامتداحها في مواقفهم وعملهم (جندزير، 1997: 15-20). وذلك لأنّ الإدارة الأميركية وجدت في الطائفية عاملاً مساعداً على إبقاء الستاتيكو القائم لمصلحة القوى الاقتصادية والسياسية المحلية التي تجمعها بها مصالح ونظرة مشتركة للأمور. وهي قوى كانت تخضع لإملاءات هذه الإدارة في ما يتصل بالشأن العربي، وترطن بخطاب «العالم الحر» و«الاقتصاد الحرّ».
وقد بات الانقسام المجتمعي في لبنان يجعل المسافة بين أبعد بلد في العالم، ومطلق بلدة لبنانية أقصر من المسافة بين هذه البلدة وجارتها. يسهم تركيز الاهتمام على الجانب الطائفي والمذهبي في شخصية اللبناني في تفاقم حالة الانقسام هذه. قدم الكاتب كماً كبيراً من الوقائع يستطيع المقاولون السياسيون استخدامه لتسعير الفتنة. لكن ليس في ما كتبه سوء نية، وهي موجودة عند كثيرين من أمثال برنار لويس وتوماس فريدمان والمستشرقين الإسرائيليين الجدد.
استخدم الكاتب على الدوام في معرض الحديث عن المقاطعجية صفة هؤلاء المذهبية عوض تسميتهم بالاسم (ص 74 و98). وتعرّف الموارنة في نص وينتر إلى حادثة ضرب عيسى حماده، زعيم الحمادية في مطلع القرن الثامن عشر، بطريركهم الدويهي بالحذاء على وجهه، وإلى وقائع أخرى تناولت ظلم الحماديه ،كما عكسها ما سمّاه الكاتب «التقليد الشعبي الماروني» (ص 152). واكتشف أهل جبل عامل أنّ ماضيهم كان مسرحاً لمواقع ومنازلات دموية عديدة بين نخبهم وبين الإمارة الشهابية، خصوصاً خلال حقبة الأمير ملحم الشهابي، في ما سُمي «حرباً كبرى بين المتاولة والدروز» (ص 132). وتعرّف أهل البقاع إلى النظرة الدونية التي كانت ترمقهم بها السلطنة العثمانية، معتبرة إياهم خارجين على القانون (ص 109). والكاتب غير غافل بالتأكيد عن الكتابات الأنتروبولوجية التي تؤكد أهمية «ثقافة المكانة أو الكرامة» (honour) عند شعوب المتوسّط، خصوصاً العربية منها. بالكاد تظهر في الكتاب العناصر التي تدلّ على أنّ هؤلاء الناس شعب واحد، وتُظهِر الحياة معاً لمن جرى فرزهم طوائف متباينة. وفيه ملاحظات سريعة حول تشارك بين أبناء الطوائف المختلفة في استخدام بعض أماكن العبادة، أو دعم يوفره المقاطعجية لدور عبادة عائدة لطائفة غير طائفتهم، كما آل حرفوش في بعلبك (ص 44)، أو الحماديه في علاقتهم مع الرهبنة المارونية (ص 160)، أو تكريم أبناء جبل عامل قديسين نصارى كأولياء (ص 122-123). وفيه مادة لأكثر من سجال. وفيما تنسب المراجع التي استخدمها الكاتب شربل داغر إلى المقاطعجية الحماديه عملهم على منع بناء دير للرهبنة المارونية في حوب، وهي إحدى نواحي تنورين في البترون، يقول ستيفان وينتر إنّهم هم من شجّع أولئك الرهبان على استصلاح الأراضي الكائنة في «الفردوس» الذي تجسده حوب، ضد رغبة آل الخازن (ص 160).


ماضي دولة عاجزة

يؤرّخ الكتاب لحقبة حكمها عجز السلطة المركزية عن اجتراح مشروع مجتمعي وتنموي ينقل المجتمع الذي تولّت شؤونه إلى الحداثة. والدولة حاضرة بقوة على امتداد الكتاب، في الرسائل التي كانت توجهها إلى المقاطعجية ليسددوا المتأخرات من الضرائب، وفي الشكاوى التي كان يرفعها إليها الأهالي ورجال الدين ضد تعسّف المقاطعجية، وفي الحملات العسكرية التي كانت تجردها لتأديب هؤلاء.
وهو لم يوضح بما فيه الكفاية كيف أنّ التجربة المحلية التي درسها اندرجت ضمن سياسة عامة للسلطنة شكّلت نقيضاً للتجربة الأوروبية في بناء الدولة المركزية، وقامت على استخدام قطّاع الطرق (bandits) كجيوش مرتزقة واستيعابهم لفترات تطول أو تقصر داخل الإدارة العامة. ولم يستخدم بما فيه الكفاية الإسهام المذهل الذي حققته كارن باركيه، ووصفت فيه التحوّل الكبير الذي شهدته السلطنة أواخر القرن السادس عشر، وتمثّل بالتحاق أعداد متزايدة من الفلاحين وسكان الأرياف بجماعات المرتزقة التي كانت تتحلّق حول الزعماء المحليين. ولعل الناس انقسموا في ذلك التاريخ في كل قرية ودسكرة إلى أسوياء وأوغاد. وكانت أبرز أحداث تلك الحقبة، معركة 1606، ضد علي جنبولاد في جنوب الأناضول وحلب، والتي استكملت بإهلاك أعداد لا تُحصى من قطّاع الطرق أولئك (باركيه، 1994: 217). وقد مارست السلطنة سلطة عبر الأعيان المحليين، يمكن وضعها تحت عنوان «خصخصة السلطة في المناطق أو الأقاليم» (privatization of provincial government office) (ص 146). وهو مفهوم لم يهتم الكاتب بتفسيره وشرحه وربطه بالوقائع على نحو كافٍ، في حين أنّه شديد الأهمية في فهم التجربة العثمانية بمجملها. وإذا كان ألبرت حوراني قد وصف ضعف الدولة تجاه الأعيان في المدن الكبرى للإمبراطورية، فإنّ كتاب وينتر يظهر «خصخصتها» في الأرياف، لمصلحة عائلات مقاطعجية تتوارث السلطة. مثّلت تلك «اللامركزية» (باركيه، 1994: 23) دليلاً على ضعف الدولة الذي ما فتئ يتفاقم حتى سقوط الإمبراطورية. وقد اكتسبت الدولة بعض الشرعية، ليس من دورها التنموي، وهي التي لم يكن يهمها من الأقاليم سوى أن تحصّل منها أكبر قدر من الضرائب، بل من أنّها كانت تحضر أحياناً حين يستنجد بها الأهالي لمواجهة تسلّط المقاطعجية. وهل ينبغي أن تلتصق كلّ طائفة بالمقاطعجية المنتمين إليها، وتعتبر نفسها معنية بماضيهم وبالدفاع عن ذلك الماضي؟ وهو التباس يوحي به عنوان الكتاب، الذي لم يستطع كاتبه تجنّب العدوى اللبنانية في استخدام كلمة طائفة في معرض الحديث عن نخب أو قوى سياسية بعينها؟ وقد انتهت الثورة التي بدأها الموارنة على المقاطعجية من طائفتهم بذبح 12 ألفاً منهم وإحراق 300 من قراهم في أحداث 1860، كما يجعل الانقسام الطائفي، إلى كونه مفتعلاً لأسباب أميركية كما سبقت الإشارة، إمكان نجاح دولة وطنية لبنانية، أمراً صعب المنال. بل هو يحمل الكثيرين على الهرب من هذا السجن.
المراجع
- Stefan Winter‚ The Chiites of Lebanon under Ottoman Rule‚ 1516-1788‚ Cambridge‚ UK : Cambridge University Press‚ 2010‚ 274 pages.
Barkey Karen‚ Bandits and Bureaucrats: The Ottoman Route to State Centralization‚ Ithaca‚ N.Y. : Cornell University Press‚ 1994.
Gendzier Irene‚ Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East‚ 1945-1958‚ N.Y.‚ Columbia univ. press‚ 1997.
شربل داغر، تنورين في الحقبة العثمانية: حجر، بشر، عامر، داتر، بيروت، دار بيسان، 2006.
* أستاذ جامعي لبناني