تصف الفيلسوفة الفرنسية «سيمون فايل» العنف بأنّه «ما يُحوِّل أي شخص يخضع له إلى شيء»، وتوضح أنّه «عندما يمارس العنف حتى نهايته فإنّه يجعل الإنسان شيئاً بالمعنى الأكثر حرفية؛ لأنّه يجعله جثة». وقياساً على الحالة السورية، والعنف الشديد الذي مارسته السلطة ضد الشعب لعقود، وبلغ ذروته في الأشهر الأخيرة، نجد أنّ الإنسان السوري «تَشيّأ» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وخاصةً مع تبلور إيمان نسبة كبيرة من السوريين/ات، موالاة ومعارضة، بالعنف حلّاً للأزمة التي يمرون بها، سواء تجلى هذا الإيمان بالقول أو بالفعل.


في جمعة «الوفاء للانتفاضة الكردية» التي سبقت ذكرى مرور سنة على انطلاق الانتفاضة السورية، بلغ عدد ضحايا العنف في سوريا «82 ضحية»، وفقاً للجان التنسيق المحلية. وفي اليوم نفسه سرت شائعة كالنار في الهشيم، تُفيد برحيل سيدة الغناء «فيروز». وفيما احتل الخبر الأخير صفحات موقع فايسبوك للمؤيدين والمعارضين في سوريا، وغيرها من الدول العربية، لم يلتفت إلا قلة قليلة إلى خبر مقتل أكثر من «80 ضحية»، لكل فرد منهم حياة وأسرة وأصدقاء ومنزل وأحلام لم تتحقق وآلام لم تشف. فما الذي يجعل موقف المتلقي تجاه الموتى متبايناً والموت واحد؟
يمكن القول إنّ ما هو خطير حالياً في الحالة السوريّة، ليس فقط الإيمان بالعنف حلّاً للأزمة، بل إنّ كلّ طرف يضع معايير ومبررات لاستخدام العنف الذي يمارسه طرفه، ليغدو هذا العنف «عنفاً حسناً». كيف يمكن أي عنف هدفه موت الآخر أو إلحاق السوء به من إهانة وإذلال وتعذيب... أن يكون «حسناً»؟
من المؤكد أنّ المسؤول الأول عن العنف في سوريا، هي السياسة الأمنية للنظام السلطوي الحاكم، لكن الخروج عن سلمية الثورة وعسكرة الشارع الذي بات جزءٌ كبير منه يؤمن بالعنف وضرورة التسليح والتدخل العسكري الخارجي، لا يمكن تبريره مع تعقيدات الوضع السوري. فالدخول في عملية شرعنة تبرير الوسائل بالغاية المنشودة، سببت زيادة ملحوظة في أعداد الضحايا من المدنيين تركز معظمها في مدينة حمص، وتحديداً في الأحياء المدنية التي لجأ إليها عناصر من «الجيش السوري الحر».
واليوم، بات قسم كبير من السوريين/ات، الذين تظاهروا لشهور عديدة سلمياً، يميلون نتيجة الضخ الإعلامي الخليجي والعنف الذي تعرضوا له وتبني تيارات واسعة من المعارضة السورية لأيديولوجيا «العنف المسلح المضاد»، يميلون إلى تبرير العنف في إطار الدفاع عن «قضية عادلة». وهكذا يتحوّل الإنسان السوري بمختلف أطيافه إلى «شيء»، أي إلى مشروع ضحية لأحد الأطراف السياسية. والأخطر من النظر إلى ضحايا العنف الذين قتلوا كأرقام لا كبشر، هو النظر إلى الناس الذين لا يزالون على قيد الحياة كأشياء وأهداف قابلة للقتل والموت. هكذا لا يتحقق النصر السياسي إلا للطرف الذي يقوم بقتل أكبر عدد ممكن من السكان وترويعهم واضطهادهم.
وإن كان النظام السوري يمارس العنف انطلاقاً من النظر إلى مواطنيه «كأشياء» لا «كمواطنين» و«بشر»، فإنّ هذه النظرة لا تنطبق فقط على الضحايا الذين يقتلهم يومياً، وإنما تشمل أيضاً الأفراد الذين يدفعهم لقتل إخوتهم في الوطن، إذ يُسهم هذا العنف اليومي في «تحجير» و«تشييء» الإنسان السوري، موالياً كان أو معارضاً. إلا أنّ ما يقلق أكثر هو دفع كثير من فرق المعارضة السورية لجزء من الشارع السوري المعارض نحو خيار أنّ «العنف المقابل هو الحل»، في استغلالٍ للمشاعر الانفعالية الغاضبة واليأس من أي حلٍّ مرتجى على المدى المنظور، وفي هروبٍ إلى الأمام من تحمل المعارضة لمسؤولياتها، وفشلها في اتباع الحل الوحيد لمحاربة الظلم، واستعادة الحقوق المتمثل بالعمل المنظم؛ إذ إنّ القوّة الحقيقية الوحيدة هي قوّة العمل المنظم، وجزء كبير من انتشار العنف في سوريا على هذا الشكل، جاء نتيجة اختلال توازن القوى السياسية؛ فمقابل النظام الذي استطاع الصمود لسنة كاملة حتى الآن مع تحالفات سياسية فعالة، نرى الجهة المقابلة هي عبارة عن قوى غير منظمة وغير متحالفة، بل متصارعة ومتنافسة. وإن لم تجتمع قوى المعارضة وتستنفر وتنتظم وتعمل على تقديم نفسها كقوة منظمة، تهدف إلى وضع حد للعنف الذي مارسه النظام لعقود وانتهك من خلاله حقوق الجميع من دون استثناء، فإنّ فريقاًَ من المعارضة قد ينتصر باستخدام العنف المسلح. هكذا سيخسر الإنسان السوري مرتين: سيخسر إنسانيته بتحوّله إلى أرقام ومشاريع ضحايا للعنف المستخدم من أحد الأطراف السياسية، وسيخسر أمله حين تنتهك ثورته وممارسته لحقوقه في التظاهر السلمي وحرية الرأي والتعبير وتقرير المصير، على أيدي من توجب عليهم حمايتها.
* صحافية وكاتبة سوريّة