إنّ خرافة العنف العراقي والعربي، أو العنف بوصفه ثيمة عربية وعراقية، ليست بنت زماننا الحاضر، فلقد سعى الغربيون خلال احتكاكاتهم (أو عدواناتهم) في غابر الأزمان، لتنميط تلك الصورة لأسلاف العرب الساميين منذ الانتفاضة ضد الهيمنة الرومانية ذات السمات الاستقلالية التي قادتها زنوبيا ملكة تدمر المثقفة الحسناء. حينها، جيَّشت روما القديمة الجيوش ضد رمز العنف والإرهاب «العربي»، فكان أن دفع أحرار تدمر ثمن حلمهم الاستقلالي، ونزوعهم نحو الحرية، وسيقت الملكة الحسناء والشجاعة زنوبيا مقيّدة بأصفاد صنعت خصيصاً لها من الذهب الخالص، كما قيل، أسيرة إلى روما، لتموت في الطريق إلى هناك، أو بعد سنة واحدة أو سنتين من وصولها حسب بعض الروايات.


إنّه الثمن ذاته الذي دفعته المملكة الفينيقية الكنعانية «قرت حدشت ــ القرية الحديثة» والتي اشتهرت باسمها قرطاجة، أو قرطاجنة فيما بعد. ونقصد هنا قرطاجنة في تونس الحالية، وليس تلك التي بناها صدر بعل الشقيق الأصغر لهنيبعل في منطقة المريسة في اسبانيا. ولكن هنيبعل بن حمل قار، لم ينتظر أن تأتي فيالق الرومان القاسية لتهدم عاصمته الجميلة على رأسه، بل بادر هو وقاد حملة عسكرية أسطورية في بطولتها، هادفاً إلى تدمير روما رمز العدوان والتخريب الغربي آنذاك. وذلك بعد سلسلة انتصارات حققها هنيبعل، وأهمها انتصاره على جبال الألب المرعبة، وتمكنه من عبورها بجيشه الضخم المزود بالفيلة، في ما عدَّه المؤرخون أعظم إنجاز عسكري في العصور القديمة. وكذلك انتصاره على جيوش الرومان في معركة «كاناي» في الثاني من آب 216 ق.م، واعتماده لخطة الكماشة التي سحق بها جيوش الرومان قرب عاصمتهم روما. وقد ذكر المؤرخ بوليبيوس أنّ الرومان وحلفاءهم خسروا آنذاك سبعين ألف قتيل، وعشرة آلاف أسير. ولو لا حلول الظلام لتمكن القرطاجيون وحلفاؤهم من إبادة الجيوش الرومانية عن آخرها! بعد تلك الانتصارات، تحصَّنت روما خلف أسوارها ورفع قائدها فابيوس شعاره القتالي «دعه يتعفن»، وطفقت تنسج الخطط لدفع الأغنياء المهيمنين في قرطاجنة إلى خذلان القائد الفينيقي الشاب هنيبعل، وهذا ما حدث فعلاً: بدأ جيشه بالتعفن والتشظي، وانتهى الأمر بالقائد نفسه مشرداً في بلاد الأناضول حيث مات منتحراً، بعد أن طاردته روما وطالبت بتسليمه حياً في كل مكان لجأ إليه. لقد ثأرت روما من قرطاجنة فيما بعد ثأراً لا سابقة له في تاريخ البشرية، فقد أصدرت ولأول مرة في التاريخ البشري حكم بإعدام مدينة بمن وبما فيها. لم يقتصر الانتقام الروماني على البشر. فبعد تدمير المدينة وقتل كل حيٍّ فيها خرج الجنود الرومان، كما يروي المؤرخون، وهم يحملون أكياس الملح لينثروه في حقول ومزارع قرطاجنة لكي لا تنبت شيئاً فيما بعد. إنّه التكتيك الانتقامي ذاته الذي استعمله أحفاد روما الإمبراطورية أي جنود الولايات المتحدة الأميركية في حقول ومزارع فيتنام، ولكنْ بدلاً من الملح الروماني تطورت الهمجية الأميركية تكنولوجياً، واستعملت السموم الكيمياوية المسماة «العامل البرتقالي»! قررت روما إذاً أنْ لا يعاد بناء مدينة «قرطاجنة» مرة أخرى أبداً، وظل هذا القرار سارياً حتى رحيل أحفاد فابيوس، المستعمرين الفرنسيين، من تونس في20 آذار/ مارس 1956!
مع الحروب الصليبية، جرى استكمال تفاصيل صورة العربي العنيف بالريشة الرومانية، فهو «العنيف، القاسي، الغادر، الكاذب، الشَّبِق، الذي لا عهد ولا أمان له، زير النساء والطاعن من الخلف». ولعل تدقيقاً موثقاً ومدروساً بعناية، في ضوء علم النفس المجتمعي، سينتهي إلى خلاصات مثيرة، لا يستبعد منها احتمال أنّ الغربيين في فترتهم الصليبية كانوا يستخدمون صفاتهم هم، ويلقونها على العربي كما ينظرون إليه.
كان الرومان هم من غزا أرض العربي وليس العكس، ولا يزالون إلى يومنا هذا يحتفظون بجلِّ تلك الصفات وبشكل مفرط: فالحرب أصبحت اغتيالاً جماعياً ومن ارتفاع آلاف الأمتار، والطعن من الخلف صار بالصواريخ العابرة القارات، إذ حوّل صاروخ أميركي واحد منها أكثر من أربعمائة طفل وامرأة عراقية إلى كتل متفحمة في ملجأ «العامرية» ببغداد في 13 شباط 1991. أما الجنس فقد صار في الغرب تجارة نافقة وممارسة لا محل فيها لكرامة المرأة أو الرجل، لا بل إنّها عدمت حتى الأبعاد الاهتيامية المنعشة والجوانب الشاعرية بل والإحساسات الذائقية البسيطة والتي لا تخلو منها حتى بعض أنواع الحيوانات والطيور الراقية. ومع الأخذ بعين الاعتبار ما سبق، يتضح لنا بأنّ البعض من صناع ومقرري الإعلام والثقافة الغربيين يعانون مما يعاني منه بعض المراهقين المصابين بعارض «التحويل» وإلصاق سلبياتهم بالغير، وعلى طريقة يلخصها مثل عربي قديم يقول «رمتني بدائها وانسلّت».
ثمة مثال تطبيقي نادر على الملاحظة التقريرية السابقة، ففي أيام الحروب الصليبية، كان ضمن من تصدى للغزاة الفرنجة من العرب وعامة المسلمين، فرقة تسمى الحشاشين، ربما جاء اسمهم من تناولهم للحشيشة قبل القيام بعملياتهم، وهي، تلك الفرقة، التي يعتبرها بعض المؤرخين فرعاً من فروع الحركة الإسماعيلية ذات الصيت الثوري الذائع وعاصمتها الشهيرة في قلعة «ألموت». وكان الحشاشون يقاتلون على جبهتين: ضد الغزاة الصليبيين الفرنجة، وضد بعض الولاة المسلمين المخالفين لهم طائفياً وسياسياً. وكلّ ما كان يعرفه الغزاة الغربيين عن هؤلاء المدافعين عن أرضهم وناسهم وعقائدهم هو أنّهم قساة ودمويون يميلون لتفضيل الاغتيال في تصفية أعدائهم، ولا تزال كلمة حشاشين أو «أساسان ASSASSIN» كما يلفظونها باللغة الفرنسية، تعني في القاموس الفرنسي «القاتل، السفاح، المغتال» (المنهل/ بعلبكي).
هكذا تجري عملية كتابة التاريخ أو الانتقاء في التعاطي التاريخي أوروبياً مع الأمم الأخرى، إذ يتحوّل في أيامنا هذه المناضل من أجل حرية شعبه واستقلال بلده في نظر الغزاة المحتلين إلى سفاح وإرهابي، وأحياناً تحتسب جرائم وحروب فريقين من الغزاة على أرض شعب ثالث، كوصمة عار على هذا الشعب الضحية. ومثال ذلك نجده في حروب الصفويين الفرس والعثمانيين الأتراك على أرض العراق.
إنّ الاختلاف في نظرة الطرفين، صانعي الحادثة العُنفية، ليس هو المعوَّل عليه وحسب في تأطير الظاهرة وإبراز قسماتها التاريخية بشكل جلي، ولكن تلك النظرة قد تساعدنا مساعدة ثمينة في مسعانا. ينبغي بحثياً، تفسير ظاهرة العنف في حياة أي شعب من الشعوب، على أساس ما أسميناه تناول وتفسير الحادثة العنفية بوصفها حادثة تاريخية لها أساسها الحياتي المادي وظرفها التاريخي و«الزماني ــ المكاني» العام. أي، كل ما يتعلق ببيئة ومحيط الظاهرة بوصفها عنقوداً هائلاً من الحوادث العنفية. وكل حبة في هذا العنقود ستكون مشروطة بتاريخها الحقيقي والظروف الملموسة المحيطة، إضافة إلى جملة العوامل التي سيهتم بدراستها وتفكيكها علم النفس المجتمعي على أسس نظرية بحثية أو مختبرية. الوضع ينطبق أيضاً على تلك الشعوب التي عرفت بتقاليد وإرث عسكري وعنفي ذائع كالشعب المغولي والشعب التركي وشعوب أوربا الغربية، مع منح نوع من الاستثناء والخصوصية لظاهرة الانغماس في العنف إلى درجة الحالة الوبائية لظاهرة العنف لدى المستوطنين الآريين البيض في العالم الجديد «أميركا» الذين أقاموا دولة دموية ومدنية (ولا نقول حضارة) قائمة على العنف والاضطهاد الطبقي والتطرف العنصري والديني على أرض الهنود الحمر الذين أبيدوا بسيوف وبنادق الآريين البيض أنفسهم. ولكن، فيما يخص الشعوب الأخرى، فلا ينبغي اللجوء إلى التفسيرات العنصرية واللاعلمية الحاطة من قَدَر وكرامة تلك الشعوب، وإنما تنبغي دراسة ظاهرة العنف بدراسة أجزائها المكونة والتي أسميناها الحوادث العُنفية على أسس منهجية تاريخية نقدية ونفسية مجتمعية. غير أنّ هذا لا يعني قطعاً عدم وجود تأثيرات وآثار للظاهرة نفسها أي العنف على طبائع الناس وحالاتهم النفسية وذاكرتهم الجمعية لفترات قد تطول أو تقصر بوصفها الجزئيات التي ستشكل الصورة الكيلة والعامة لشعب ما، أو لمزيد من الدقة لشعبٍ عانى أكثر من سواه من ظاهرة العنف وشكلها الأكثر هولاً: الحروب.
إنّ من التسرع والشطط طبعاً توقع وانتظار إنّنا سنفعل كل ما تقدم، أو إنّنا في سبيلنا لإنجاز وتقديم قراءة تاريخية ونفسانية لظاهرة العنف في التاريخ البشري فتلك مهمة أقرب إلى الاستحالة في التحقيق، ولكنّنا أردنا أن نرسم مخططاً عاماً ومبسطاً للمنهجية التي سنعتمدها في تفسير الظاهرة. أما من ناحية الإطار التاريخي والتأريخي وأرضه الجغرافية فسوف نخص بالدراسة والتحليل هذه الظاهرة في تاريخ العراق تحديداً (في مقالات لاحقة) ودون تعيين أو تأطير تأريخي داخلي إنما سنسمح للدراسة بأن تكون شاملة ومتحركة. سيكون من المفيد تقديم دراسة تطبيقية لهذه المنهجية على واحد من القراءات الكثيرة لظاهرة العنف محاولين من خلالها تبيان نقاط الضعف والفساد التحليلي في تلك القراءات.
* كاتب عراقي