لا شك في أنّ الكاتب ت. س. إليوت كان سيراجع جملته الشهيرة «آذار هو الشهر الأكثر قساوة» لو كان محظوظاً بما يكفي ليشارك في عيد النوروز، أو احتفالات فصل الربيع في تركيا، لكتب بإسهابٍ عن مادة الـ oleorensincapsicum، المكوّن الأساسي للغاز المسيّل للدموع الذي أصبح «مصدر البهجة الرسمي في تركيا».


عادة يرتبط عيد النوروز، الاحتفال بفصل الربيع، بالشعب الكردي الذي يعيش في تركيا. وخلال السنوات الثلاثين الماضية، طغى الطابع السياسي إلى حد كبير على هذا العيد بسبب معاناة الأقلية الكردية. كل عام، في 21 آذار، يتجمّع مئات آلاف الأكراد في دياربكر، كبرى المدن الكردية، للاحتفال بعيد النوروز. وبما أنّ هذه الاحتفالات تحوّلت إلى منبرٍ سياسي ضخم للتعبير عن إحباط الشعب الكردي، باتت تعتبر في الغالب نشاطاً «إرهابياً» في أعين الدولة كما في أعين أولئك الذين تأثروا بخطاب الدولة القومي بشأن القضية الكردية. خلال التسعينيات، خطرت للدولة فكرة عبقرية تتمثل في «إضفاء الطابع التركي» على عيد النوروز.
بدأوا بتغيير طريقة كتابة كلمة «نوروز» من Newroz إلى NeVruz. ثم بأخرق الطرق، أعادت الدولة صياغة التاريخ مدّعية أنّ النوروز هو حقيقة عيدٌ تركي. وعمل المسؤولون الأتراك بشغفٍ بالغ على إقامة تقليدٍ خاص بعيد النوروز على الصعيدين الدولي والرسمي. ظلّ المسؤولون الأتراك الذين وقع الاختيار عليهم يقفزون فوق نار عيد النوروز بالطريقة التركية الأكثر ملاءمة. في حين كان الشبان الأكراد المتمردون يقفزون عالياً فوق الإطارات المحروقة، فضّل المسؤولون الأتراك التسلل بالقرب من ألسنة اللهب المتأتية عن اشتعال كومة مرتبة بعناية من الأخشاب.
على مرّ السنين، اشتعلت البذلات في بعض الحالات ووقعت حوادث غير ملائمة أبداً تمس الدولة في الصميم، لكنّ الدولة التركية لم تتخلَّ يوماً عن المطالبة بعيد النوروز. أدت كتابة كلمة نوروز بالطريقة التركية الجديدة أي NeVruz تلقائياً إلى تقسيم المواطنين ضمن فريقين سياسيين متعارضين من خلال خطاب «إما أن تكون معنا أو سنوسعك ضرباً». وعلى الرغم من أنّ طريقة الكتابة لم تلقَ الترحيب الذي لاقته الطريقة القديمة، عمدت السلطة السياسية وبشكلٍ شرعي إلى إنهاء عصر كتابة نوروز بالطريقة القديمة. مع ابتكار طريقة الكتابة الجديدة هذه، اعتُبِر القمع الذي تمارسه الشرطة عادلاً، والكراهية العرقية التي نشرتها وسائل الإعلام أمراً طبيعياً، حتى إن إعدام المواطنين الأكراد من دون محاكمة جرى تفسيره أحياناً على أنّه «رد فعلٍ عفوي من قبل مواطنين مرهفي الإحساس». لا يزال الصراع بين طريقتي الكتابة مستمراً حتى يومنا هذا.
وصرّح وزير الداخلية إدريس نعيم شاهين الأسبوع الماضي بأنّ التاريخ الرسمي لهذا العيد هو 21 آذار». وقد أظهر لنا تصريحه أنّ الدولة التركية دقيقة جداً في ما يتعلق بتشريع عيد الربيع. وقال شاهين: «ينبغي الاحتفال بهذا العيد في اليوم نفسه! بالتالي تُحظَر إقامة أي احتفالات في 18 آذار». وبما أنّ الأكراد قرروا الاحتفال بالنوروز في 18 آذار خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان التوتر في الشارع مرتقباً ومحتماً طبعاً. مع آلاف المعتقلين السياسيين الأكراد الذين يقبعون في السجون، هذه المرة لا بدّ من أن يشعل عيد النوروز غضباً كان يتأجج لوقت طويل.
في 18 آذار، بعد الظهر، وصل خبر حالة الوفاة الأولى. توفي مسؤولٌ إداري في حزب «السلام والديموقراطية»، الحزب السياسي الذي يمثل الأكراد في البرلمان، في اسطنبول. على الرغم من إيقاف كل وسائل النقل العام لمنع الأكراد من المشاركة في الاحتفالات، تمكّن آلاف الأشخاص بطريقة ما من الوصول إلى مكان الاحتفال ليُفاجأوا بأنّ الشرطة في انتظارهم مزودة بأطنانٍ من الغاز المسيّل للدموع. واجه الأولاد والنساء المسنات صعوبة كبيرة في إيجاد ملاذٍ آمن يحميهم من عنف رجال الشرطة. انتشرت رائحة الغاز المسيل للدموع على مسافة أميال.
أُطلِقَت أيدي فرق مكافحة الإرهاب لارتكاب ما يحلو لها من أعمال عنف واعتقالات عشوائية خلال النهار. في باتمان، بلدة كردية تقع في الجنوب الشرقي، كاد أحمد تورك (70 عاماً)، أحد النواب الأكراد السابقين، أن يصاب بنوبة قلبية. وفيما نُقِل تورك إلى المستشفى، كان نورسل ايدوغان، نائب كردي، يخبر موقعاً إخبارياً مستقلاً هو bianet.org بأنّ رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية ألقوا على سيارتهم أحجاراً كبيرة وأنّ أحمد تورك تعرّض للضرب على أيدي عشرات من رجال الشرطة.
في عشر بلدات مختلفة، ألغت الشرطة الاحتفالات واعتقلت عدداً لم يُحدد بعد من الناس. في هذه الأثناء، في دياربكر، اجتاز أكثر من 500 ألف شخص حواجز الشرطة للوصول إلى مكان الاحتفال. وعلى الرغم من الاشتباكات التي دارت بين الشرطة والمتظاهرين، كان الحشد ضخماً جداً لتتمكن الشرطة من إيقافه.
في اليوم التالي، لم تتحدّث وسائل الإعلام إلا عن الزجاج المكسور في محطات الباصات في اسطنبول. لم يأتِ أي من الصحف أو الشبكات التلفزيونية على ذكر الحشود في دياربكر، على الرغم من أنّ عدد المحتشدين كان أكبر بمعدل الضعفين من متوسط عدد المحتشدين في ساحة التحرير، في مصر. لكنّ الأمر الأكثر قساوة حصل في اليوم التالي، بدأت بلدية أيوب في اسطنبول تحتفل بعيد النوروز في 19 آذار.
وفيما انضم أعضاء حزب «السلام والديموقراطية» إلى جنازة زميلهم المقتول، كان المسؤولون الأتراك يحاولون القفز فوق ألسنة لهب نار النوروز لإتمام واجبهم بابتسامة رسمية. وكان «المواطنون الأتراك المرهفو الإحساس» يمارسون طقوس كراهية حقيقية على الإنترنت ضد «الإرهابيين» الذين حوّلوا «عيد النوروز التركي» إلى حمام دم. امتلأت صفحات موقعي فايسبوك وتويتر الإلكترونيين بتهديدات بالموت لكل من يجرؤ على التعبير عن صدمته بسبب العنف الاستثنائي الذي مارسه رجال الشرطة ضد المواطنين الأكراد.
لا تزال رائحة الـ oleorensincapsicum عابقة في الجو. من الصعب لفظ هذه الكلمة، لكنّ الأصعب هو ألا يعمينا المكوّن السام الموجود فيها ألا وهو الكراهية.
* محلّلة سياسيّة تركيّة (ينشر المقال بالتزامن مع موقع «الأخبار» الإنكليزي «english.al-akhbar.com»، ترجمة باسكال شلهوب)