عزيزي الأستاذ جان

لموقعٍ أنا فيه، وآخرَ لستُ فيه، حملني القلمُ على أن أكتب إليكَ هذه السطورَ فأجلوَ بها التباساً سربَ إلى ذهني _ وربما إلى أذهان آخرين _ لدى قراءتي مقالتك التي تحمل عنوان: «فضائح قضائية... وإصرار عون» المنشورة في العدد 1664 من جريدة «الأخبار» الصادرة بتاريخ 20/3/2012.
فأما الموقع الذي أنا فيه، فهو، حفِظَك الله، أني نقيب للمحامين مؤتمن على حماية المهنة وناسها وآدابها وتراثها العريق.

وأما الموقع الذي لستُ فيه، فهو أنّي لم أتوكل في دعوى الشقيقين، ولم أعرف سبب خلافهما ولا مقداره ولا موضوعه، إلا أحاديثَ قليلة، لا تبلّ للمعرفة الحقَّيةِ ريقاً. وهذا الموقع الأخير يبيح لي أن أُعْرِضَ عن جزئيّات الملف وأَعْرِضَ لكليّات الحقيقة التي تسعى إليها العدالة عبر سبيلين متكافلين متضامنين هما المحاماة والقضاء. وأما الالتباس فمرده إلى مقطع من مقالتك استهللته بالقول: «أما لناحية إغفال المسؤوليات الأخرى...» وختمته بالقول: «فلماذا لا يتحدث أحد عن مسؤولية الجهات المرتبطة بآليات المقاضاة من دون أن تكون تابعة لمجلس القضاء أو حتى لوزارة العدل» بعد أن كنت قد ذكرت فيه إشارة إلى نقباء سابقين للمحامين، ونواب محامين تجاوزوا خلافاتهم السياسية، واصطفوا على ضفتي خلاف الشقيقين. فهل كنت بهذا تلمّح إلى مسؤولية المحاماة في ما حدث، «كجهة مرتبطة بآليات المقاضاة»؟
أصدقُك القولَ إنّني أتحرز من تصديق هذا الظنّ أو هذه المقولة. فالمحامي الذي يتخلى عن اصطفاف سياسي، من أجل الدفاع عن موكله، لا يرتكب إثماً يُساءَلُ عليه، بل هو، على العكس، يؤكد قيم مهنته ويسهم أكثر في إحقاق الحق وتحقيق العدالة؛ إذ يضع نصبَ عينيه مصالحَ موكله وحقوقه، دون غيرها من الاعتبارات.
وكثيراً ما نادينا، نحن وأنت، بإقصاء السياسة عن القضاء، فهل كنت لترضى بأن تصبح السياسة في المحاماة، معياراً لقبولِ وكالة أو رفضِها، أولست ترجو معي أن يأتي يوم يقتفي فيه السياسيون خطواتنا، فيتخلَّونَ عن اصطفافاتهم الحزبية والمناطقية والطائفية من أجل مصلحة الناس الذين فوّضوا إليهم يوم الانتخاب وكالة تمثيلهم في الحياة السياسية، فإذا بهم في أحايين عدةٍ لا يفعلون؟
وأما نقباء المحامين السابقون، ففي آداب مهنتنا ومناقبها ألا يُشارَ إليهم إلا بأهداب الوقار. فإنّ كلاً منهم، قد اختزن من الرمز ما يجعل كل غمز داخلاً في باب المحظورات. هؤلاء أراخنة الدفاع عن الحقوق، على لغة قبطِ مصر، القوامون على قيم الحرية والعدالة والمساواة، وسائر القيم الوطنية والحقوق الإنسانية، فهل يضير أحداً أن يترافعوا في مثل ذاك الملف «مفروزين على طرفيه»؟ أوليس علمهم وخبرتهم ومقامهم وأمانتهم، ودوافع موكليهم لاختيارهم وكلاء عنهم في النزاع؟ وهل كانت هذه الفصائل لتحمل أصحابها على غير العناد في الحق والنصاعة في الضمير؟
ويا عزيزي جان
لا أريد أن أظنَّ أنَّكَ ذهبتَ في مقالتك خلافَ ما أقوله لك الآن. ولا أريد أن أظنَّ أيضاً أنّك تجعل المحاماة والمحامين شركاء في المسؤولية عن «فضائح قضائية»، كما جعلت عنوان مقالتك. ولا أريد أخيراً أن أدخل في المسألة الخاصة المتعلقة بذاك النزاع والتي سلكت مسارها أمام المراجع المختصة، فليس لأحد من بعد فيها يدٌ أو قول، إلا من أعطاهم القانون ذلك السلطان. ولكنّني أردت أن ألفت النظر إلى عدم جواز التعميم. قد يسقط الواحد قاضياً أو محامياً أو موظفاً أو سياسياً أو مسؤولاً، فعليه يُدَلّ. وإنّ في العدالة، قضاءً ومحاماة، لآلياتٍ قانونيةً تؤدب وتنزلُ العقاب بمن يرتكبون، فعليها المعوَّل. وإنّ في تناولِ بعض المسائل لآلياتٍ تسيء إلى الأطهار، فبربكم لا تأخذوا الناس بالجملةِ ولا تتركوا وازرة تزر وزرَ أخرى.
وتبقى في القلم نقطة حبر أخيرة أكتب لك بها: إنّ الإصرار الوحيد الذي ينقذ القضاء، هو الإصرار الدائم على تحقيق استقلاليته الكاملة، فلا يكون لأي سياسي دور فيه، إلى المثول لديه، واقفاً أمامه من عين يمين أو من عين يسار.
* نقيب المحامين في طرابلس