لن يكون لليسار العربي قيمة جدية في الميدان السياسي الإقليمي والدولي، إذا ظل عاجزاً عن بناء قوة فكرية ومؤسسية وجماهيرية منظمة، تؤهله للمنافسة الإنتخابية على الحكم أو انتزاع السلطة أو المشاركة الندية فيها، وفق الشروط المحددة في كل بلد عربي. وما يهم، هنا، هو بطبيعة الحال، عناصر البناء الفكري والبرامجي اللازمة للانتقال باليسار من الهامش إلى القيام بدور سياسي مركزي في بلادنا.

يواجه اليسار العربي سبعة تحديّات فكرية برامجية أساسية، هي:
أولاً _ التحدّي الأيديولوجي: لا يمكن إعادة تكوين أي حضور لليسار العربي من دون التحرر الكلي من سيطرة الأيديولوجيا الليبرالية، واستعادة التموضع في الخندق الأيديولوجي الاشتراكي المضاد للنيوليبرالية والرأسمالية، وإعادة تعريف البرنامج الاجتماعي بوصفه محور البرنامج اليساري من جهة، وبوصفه برنامجاً صراعياً يدور، مرحلياً، حول إسقاط الفئات الكمبرادورية، من جهة أخرى. في هذا السياق، أدعو إلى فتح باب النقاش لتطوير صيغ من الديموقراطية البديلة، نقترحها على مجتمعاتنا.
ثانياً _ التحدي الثقافي: ويتمثل، اليوم، بالتديّن الجماهيري الرجعي. وكل تديّن لا يرتبط بمضمون تحرري على المستويين الوطني والاجتماعي، هو تديّن رجعي. وتدور الموجة الدينية الحالية في العالم العربي، مدار الانشقاق السني _ الشيعي. ومن واجب اليسار، بدلاً من مغازلة المتدينين أو تجاهل ذلك الانشقاق، أن يؤدي، في مواجهة هذه الموجة، ثلاثة أدوار متعاضدة: أولها يتعلق بوصل ما انقطع من تجربة الشهيد حسين مروة وتراث الماركسيين العرب في مسعى تملّك الإسلام معرفياً ونقدياً، وثانيها يتعلق بالسجال الجدي مع قوى الإسلام السياسي وكشف محتوى برامجها، وخصوصاً الاجتماعية، وثالثها، ينصبّ في ضرورة إحياء المنجزات الفكرية والآثار الأدبية العقلانية والعلمانية والتنويرية لمرحلة النهضة العربية، في القرنين التاسع عشر
والعشرين.
ثالثاً _ التحدي الخليجي: يتمثّل في الوظيفة الإمبريالية المتجددة لمحميات الخليج البالغة الثراء والشديدة الرجعية التي تمثّل مركزاً للثورة المضادة في العالم العربي. ولا يمكن اليسار العربي أن يبلور نفسه ويؤكد حضوره من دون قطيعة كاملة مع المنظومة الخليجية، ودورها وحكوماتها وإعلامها ونشاطاتها الثقافية، والتركيز، بصورة مكثفة، على فضحها ومقاطعتها ومحاصرتها من جهة، وتقديم كل أشكال الدعم الممكنة لقوى الثورة فيها من جهة أخرى.
رابعاً _ التحدي الإسرائيلي: إنّ السيطرة الإسرائيلية في الميدان العسكري في المنطقة، وشيوع أيديولوجية السلام والتعايش مع العدو فيها، دفعا ويدفعان أوساط جماهيرية واسعة إلى الإذعان «الواقعي» للأنظمة المسيطرة القادرة على الحفاظ على ستاتيكو يخفض من همجية الوحش الإسرائيلي. وقد مثّل منحى الخضوع لمتطلبات السلام الإسرائيلي من قبل بعض قوى الإسلام السياسي _ المهيمنة اليوم على وعي أقسام واسعة من الجماهير العربية _ ضربة موجعة غير مسبوقة لثقافة المقاومة، وهو ما يفرض على اليسار العربي، واجب التصدي لهذا المسار الاستسلامي المتجدد، وذلك بفضحه والتزام القطيعة الكاملة مع كل أشكال وبرامج الصلح والتطبيع مع إسرائيل، وتطوير وتعميم ثقافة وممارسة يسارية للمقاومة الفكرية والسياسية
والمسلحة.
خامساً _ التحدي الإمبريالي الجديد: لقد انتقلت الإمبريالية، في فترة ما يسمى الربيع العربي، من وضع السيطرة على مفاصل الأنظمة، إلى وضع الهيمنة السياسية والفكرية على كتل وازنة من الجماهير العربية، سواء من خلال وهم المشاركة في «القيم الديموقراطية»، أو من خلال وهم التحالف في مواجهة «العدو المشترك» المتمثل في إيران والشيعة. وقد عشنا حتى نرى تظاهرات شعبية تطالب بالتدخل الإمبريالي في البلدان العربية لإقامة الديموقراطية الليبرالية، وترفع أعلام الدول الاستعمارية، وتستعيد رموز فترة الاستعمار. ولا يفقد اليسار العربي حضوره فقط، وإنما أيضاً صفته وماهيته، إذا لم يضع على رأس جدول أعماله التصدي للفوز الإمبريالي الحاصل بـ«عقول وقلوب» الأقسام الرجعية من الجماهير العربية. وهو فوز نشأ على أرضية هيمنة الأيديولوجية الليبرالية بالذات، وعضدته قوى الإسلام السياسي التي تجاوزت الحوار مع الإمبريالية إلى التفاهم فالتحالف معها، في سياق يقود حتماً إلى التحشيد المذهبي وتعزيز الدور الرجعي للخليج والتفاهمات الواقعية مع إسرائيل وتوطيد سيطرة الكمبرادور. وهكذا نرى أنّ التحديّات التي تعرقل نهضة اليسار العربي، متداخلة، وتشكّل معاً منظومة واحدة، بما يفرض تجاوزها من خلال منظومة فكرية _ سياسية واحدة أيضاً.
سادساً _ التحدي الجيوسياسي: يتمثل بانهيار القوة الإقليمية للبلدان العربية المتحضرة المركزية (مصر، العراق، وسوريا التي ستحتاج الآن إلى وقت ليس قصيراً لاسترداد قوتها ودورها) بمقابل بروز القوتين الإقليميتين غير العربيتين، تركيا وإيران، وكلتاهما تمارس هيمنتها على أقسام من الجماهير والقوى العربية على أسس الروابط المذهبية. نميّز، هنا، بطبيعة الحال، بين الدولتين من حيث موقعهما في الصراع مع الإمبريالية وإسرائيل، لكنّنا لا نغفل، مع ذلك، أنّهما تشتركان معاً في دعم الإسلام السياسي وتعميق الإنشقاق السني _ الشيعي، وتهميش العروبة. وإذا كانت موجبات التحالف السياسي مع إيران تقتضي من اليسار العربي التفاهم مع الإيرانيين والتنسيق الجبهوي معهم، فإنّ ذلك لا يعني الصمت إزاء الدور الإيراني المعرقل لنهضة العراق ووحدته، كما لا يعني عدم التصدي الأيديولوجي والثقافي للإسلام السياسي الشيعي. أما على الجبهة التركية، فإنّه ينبغي على اليسار العربي شنّ هجوم متعدد الأبعاد على العثمنة وسياسات التحشيد المذهبي ونهج التوسع الإقليمي، بل ضد الدولة التركية نفسها، التي ظهر بالملموس أنّها كيان معاد للعرب. وهو ما يطرح مهمة المساهمة الجدية في تفكيك قوة ذلك الكيان من خلال، أولاً، إعادة طرح مسألة تحرير الأراضي السورية المغتصبة من قبل الأتراك، وثانياً، دعم القضية الكردية التركية وحق الأكراد في الانفصال. ويستطيع اليسار العربي أن يتوصل إلى مقاربة جديدة ومنسجمة مع مبادئ الحق في تقرير المصير ومصالح الأمن القومي العربي معاً، من خلال تطوير موقف يؤيد قيام دولة قومية للأمة الكردية. لقد خسر العرب كردستان العراق فعلياً، ما يجعل اليسار العربي متحرراً إزاء دعم قيام دولة كردية مستقلة في كل الأراضي الكردية، من شأنها أن تخلق توازناً إقليمياً جديداً بين أمم الشرق الأوسط
الأربع.
سابعاً _ التحدي المحلي: من دون الوقوع في قوموية تلغي الخصوصيات والبرامج المحلية، فإنّ قوة اليسار العربي تظلّ مرهونة بقدرته على تجاوز الحدود في أشكال متنوعة، حسب الظروف والمعطيات الفعلية، من التلاقي والتفاعل. فبينما نجد أنّ اليساريين الجادين في بلدان الهلال الخصيب، مثلاً، ملزمون، بسبب التشابك الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي والجيوسياسي المتعدد الوجوه بين بلدانهم، بالانخراط في صيرورة وحدوية، يمكن اليساريين المصريين، بالمقابل، التوقف عند حدود التضامن الفعال مع رفاقهم العرب، وذلك في سياق غير مفتعل ومفتوح الاحتمالات في الوقت نفسه.
بالنسبة إلى اليسار الأردني، فإنّ تطوّر الأحداث، خلال العقد الماضي، قد برهن على أنّ التشابك الموضوعي بين الأردن والعراق وسوريا _ وبطبيعة الحال فلسطين _ هو من الحضور والقوة، بحيث لا يمكن تجاهله، لمصلحة التقيّد ببرامج صرف محلية. وقد آن الأوان لليساريين في سوريا ولبنان، النظر إلى بلديهما كمجال سياسي واحد، والتصرّف على هذا الأساس، كذلك إنّ الأفق المفتوح لليساريين العراقيين، اليوم، ممكن فقط بالعلاقة مع جوار العراق، الشامي. إنّ التخلّص من الذهنية المحلية يحتاج إلى ممارسة فكرية وسياسية مضنية، بل إلى ما يشبه الثورة على الذات، وخصوصاً بالنسبة إلى اللبنانيين والفلسطينيين المتشبثين بخصوصيتهما، في حين أنّ رفاقهم العراقيين والسوريين والأردنيين، قد يكونون أكثر استعداداً للتلاقي في سياق بناء حركة وطنية اجتماعية جديدة في المشرق العربي.




عن تقديس الجماهير والانتخابات والبديل الوطني الاجتماعي

رغم انحلال اليسار العربي مع تفكك الاتحاد السوفياتي نهاية الثمانينيات، فإنّ تاريخ البلدان العربية، خلال العقدين الفائتين، عرف محاولات يسارية مستميتة للإبقاء على الشعلة. وفي أقسى لحظات الظلام والقهر والصمت، وجدنا عناصر يسارية عربية تواصل الاحتجاج، بجرأة ومثابرة، في منابر ومبادرات كان لها دور الشرارة في معظم الانتفاضات الشعبية العربية في 2011. لكن، ما إن ارتفع المدّ حتى تراجع دور اليساريين إلى الهامش. لقد تجمعت سيول تضحياتهم الشجاعة، لتصبّ في مجرى التحوّل الإسلاموي _ الليبرالي.
ستقود هذه النتيجة، تياراً من اليساريين العرب، إلى المكابرة وتجاهل المضمون السياسي الفعلي «للثورات» العربية الملوّنة، والنظر إليها كـ«سياق» ديموقراطي وثوري يمنح اليسار، من موقع الانخراط في ذلك السياق، فرصة لاحقة. هذا التيار ينضوي، واقعياً، بغض النظر عن رطاناته، في الجبهة نفسها مع القوى الرجعية وتحالفاتها. التيار الثاني من اليساريين، الأوسع انتشاراً، سيمضي نحو المزيد من الانحلال في الليبرالية الصريحة، مباشرة أو من خلال الانضواء في جبهات تقودها قوى ليبرالية، كما هي الحال في مصر والأردن مثلاً. في حين أنّ يساريين آخرين سيغرقون، مجدداً في اليأس والجمود.
في الواقع، مني اليسار في «الربيع العربي» بهزيمة جارحة عنوانها انحياز «معبوده» المتمثل في «الجماهير الشعبية» إلى الإسلاميين. «الجماهير الشعبية»، عند اليساري، إله علماني، كلّي الخير والمعرفة والقدرة. لذلك، إنّ الحركات الجماهيرية تخلب ألباب اليساريين، فتمتنع عليهم، بالتالي، رؤية المشهد السياسي الماثل. لكن، بالعودة إلى التحليل الماركسي، يمكننا أن نرى الجماهير الشعبية كعلاقات قوى محددة النسب بين الطبقات المتصارعة، ما يميّز، بصورة ملموسة، بين جماهير تقدمية وأخرى رجعية. ولا يتحدد ذلك بكون تلك الجماهير ساكنة أو متحركة، بل بطبيعة القوى التي تحركها وتقودها. بمعنى آخر، ليس للجماهير الشعبية، بحدّ ذاتها، أيّ قداسة، ولا تمثل حركتها بالضرورة أي كشف عن حقيقة مطلقة، بل عن موازين قوى يمكن تعديلها. ويمكن اليساري بالتالي، بل من واجبه، معارضة الجماهير الرجعية، بالنقد البنّاء الهادف إلى بناء كتلة جماهيرية تقدمية.
لماذا وجد اليساريون أنفسهم، رغم مبادراتهم، على هامش الانتفاضات العربية؟
السبب الرئيسي يكمن في أنّ تلك المبادرات كانت محكومة بمنظور ليبرالي يدور حول الإصلاحات الدستورية والديموقراطية البرلمانية والتعددية والانتخابات النزيهة وما شابه. وهي مقاربة من شأنها تعطيل الحضور اليساري لمصلحة قوى النظمة الاجتماعية المسيطرة _ الكمبرادورية _ التي أضحت الديموقراطية الليبرالية، وسيلتها الممكنة لتجديد نفسها، بعدما فقد النمط السلطوي قدرته على البقاء.
ما يبرّر الحضور اليساري هو، ببساطة، أن يكون يسارياً. وهذا يعني، في البلدان العربية، تحديد المهمة المركزية بإسقاط الطبقة الكمبرادورية، الوكيل الاقتصادي والسياسي للإمبريالية. والقيام بتلك المهمة، يستلزم، في الآن نفسه، شنّ هجوم أيديولوجي على النيوليبرالية، وتنظيم الاحتجاجات العمالية والفلاحية والاجتماعية وتسييسها. ومن المفارقات ذات الدلالة أنّ القوى المسيطرة على «ثورة 25 يناير» المصرية، من العسكر والإسلاميين والليبراليين، توافقت على حظر تلك الاحتجاجات (يسمونها فئوية) قانونياً. فالميدان السياسي الوحيد المفتوح، بالنسبة إلى تلك القوى، هو الصراع الانتخابي والسياسي فيما بين القوى النيوليبرالية، في سياق إعادة بناء الشرعية السياسية لاقتصاد السوق المعولَم. وهو النموذج الذي عرفناه في الثورات الملوّنة في أوروبا الشرقية.
وسيجادلنا يساريون يقدسون الانتخابات كميدان رئيسي للصراع، مستخدمين النموذج الفريد لنجاح جبهات يسارية في تسنّم الحكم، عبر صناديق الاقتراع، في أميركا اللاتينية. لكن أولئك يغفلون أنّ كل انتخابات تمكّن اليسار من الفوز فيها، لم تكن سوى تتويج لعملية نضالية جدية ومثابرة، وأحياناً عنفية، لمنظمات وجبهات تمحورت شعاراتها وأنشطتها حول البرنامج الاجتماعي، وامتلكت الإرادة السياسية لتمثيل الأغلبيات الكادحة، والحكم باسمها.
تمثّل الانتخابات والبرلمانات، بالنسبة إلى اليساري، منابر نضالية للدعاية السياسية للبرنامج الوطني الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع النضال الأيديولوجي والإضرابات العمالية والاعتصامات والاحتجاجات «الفئوية»، في سياق بناء كتلة جماهيرية مسيّسة وتقدمية. وقد تنشأ ظروف عيانية، في مجرى هذه العملية النضالية، لتحقيق نجاح انتخابي لليسار، لكن ذلك النجاح سيظل قلقاً ومهدداً ولا يؤدي أغراضه الوطنية الاجتماعية إلا بقدر ما يكون النجاح الانتخابي، كما هي الحال في التجربة الفنزويلية مثلاً، مجرد محطة من محطات الصراع. لكن قوّة فاعلة تاريخياً لليسار لا يمكن حصرها في صناديق الاقتراع؛ إذ ينبغي أن تكون مستعدة، فكرياً ومادياً، لخوض كل الأشكال الصراعية الممكنة والضرورية لتحقيق مهمات التحرر الوطني الاجتماعي.



جبهة أحمد عبيدات: البرجوازية المستقلة تحاول بناء حزبها في الأردن



في خضم الحراك الشعبي والتحولات في الأردن في 2011، تمكنت البرجوازية شبه المستقلة عن النظام، من الشروع في تأسيس حزبها السياسي. الطريف أنّ تلك البرجوازية لم تجد عناصر لإنشاء حزبها إلا من أوساط أحزاب المعارضة التقليدية من الإسلاميين والقوميين واليساريين، الذين تحوّلوا إلى الليبرالية من دون أن يقطعوا مع ماضيهم. لكن كان لا بد من راع كبير مستقل عن النظام نسبياً لتلك الأحزاب المشرذمة. راعٍ، ويأتي من قلب الجهاز الحقوقي للفئات البرجوازية، لكي تتجاوز التشرذم والمستبقات الأيديولوجية الميتة، وتلتحم معاً للتعبير السياسي عن البرجوازية الأردنية في سياق الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الليبرالي.
البرجوازية ــ بما فيها الفئات العليا من الطبقة الوسطى ــ كان لها منذ وقت ليس قصيراً، مصلحة في إقامة دولة الحق والقانون لحماية المنافسة الاقتصادية من التدخل الملكي والبيروقراطي والأمني، ولحماية البرجوازيين من هيمنة الإدارة والجهاز الأمني، وتمكين البرجوازية من المشاركة الفعلية في الحكم بواسطة التنافس الانتخابي والحكومة البرلمانية وربط السلطة بالمسؤولية.
هي خطوة في اتجاه التقدم السياسي للبلاد، لكنّها خطوة تعبر عن مصالح العناصر البرجوازية الطامحة إلى الاستقلال السياسي عن النظام. وبما أنّ هذه العناصر، في أغلبيتها، مرتبطة بشبكات إقليمية او ذات أصول مهاجرة، فقد غاب البعد الوطني المحلي عن أطروحتها. أما غياب البعد الاجتماعي الشعبي عن تلك الأطروحة، فلا يحتاج إلى تفسير؛ فنحن نتحدث عن حزب البرجوازية في خضمّ تبلور الصراع الاجتماعي في البلاد.
منذ أواسط التسعينيات، انتظمت الأحزاب الإسلامية والقومية واليسارية الأردنية، في هيئة «تنسيقية أحزاب المعارضة». في 2010، بدا أنّ تلك الهيئة قد تفككت بسبب الخلاف حول المشاركة في الانتخابات النيابية. « الإخوان» و«الشعبية» قاطعاها، بينما شارك الآخرون. ثم انفجرت أحداث الربيع العربي والأردني، ولم تقم للتنسيقية قائمة، ولم تتحرك، كهيئة، في أي حراك شعبي أو سياسي.
هذه «التنسيقية» نفسها أحياها رئيس الوزراء الأسبق، أحمد عبيدات، في ما سُمي «الجبهة الوطنية للإصلاح». ويستحق عبيدات الشكر من أحزاب «التنسيقية» على مبادرته تلك، ومن ثم على الوثيقة الإصلاحية التي أبرمها، بدقة، بأطروحة حقوقية ليبرالية ليست لدى أحزاب المعارضة تلك، القدرة على صياغتها.
في تجربة تشبيك الجبهة، تبيّن أنّ عبيدات، أخضع جميع شركائه لرؤيته. وكان على هؤلاء الشركاء الاختيار بين التوقيع أو المغادرة. وقد وقّعوا، لكن الجبهات لا تقوم بالوثائق، بل بالإرادة المشتركة لأطرافها. وقد بيّنت الأحداث اللاحقة أنّ تلك الأطراف ملزمة بالبقاء معاً، رغم الخلافات التي عصفت بين الإسلاميين من جهة، والقوميين واليساريين من جهة ثانية، حول الموقف من الأحداث في سوريا. وقد جمدت هذه الخلافات، إلى حد ما، فعالية «الجبهة» من دون أن تفرطها. وبذلك، تكون التجربة قد صمدت في مواجهة تحدّ رئيسي.
ألح عبيدات على استبعاد القوى الوطنية الشعبية الجديدة، الناشئة في السنتين الأخيرتين، من دائرة إنشاء الجبهة. وقد استبعدها من خلال رفض الحوار المنتج، أو من خلال التجاهل، لكن حجم هذه القوى، وقدراتها السياسية والشعبية لا يمكن تجاهله واقعياً، إلا من موقع الرفض والصراع. وقد اختار عبيدات مخاصمة الحراك الوطني الأردني منذ بيانه التحشيدي الشهير ضد بيان 1 أيار 2010 الصادر عن اللجنة الوطنية العليا للمتقاعدين العسكريين.
للحراك الأردني تطلعات ديموقراطية عميقة، وهي تشتمل، بالطبع، على المحددات الحقوقية الليبرالية، لكنّها تلح على مركزية الديموقراطية الاجتماعية. وينطلق الحراك من مفهوم وطني شعبي يؤمن بأنّ التغيير الديموقراطي السياسي لا معنى له من دون ضرب الفئات الكمبرادورية وإعادة توزيع الثروة وتمكين الفقراء والمحافظات، اقتصادياً، وخلق ديناميات تنموية فيها تتعارض مع النموذج النيوليبرالي المسيطر. ويرى الحراك أنّ الفساد الكبير لا يقع على هامش هذا النموذج، بل يقع في صلبه. ولا تكفي المقاربة الحقوقية السياسية لاستئصاله، بل يكون استئصاله باستئصال النموذج نفسه.
هل هي يسارية؟ ليست يسارية عقائدية يمكن وضعها في الأدراج كما يفعل اليساريون التقليديون المنتقلون الى الليبرالية في «الشيوعي» و«الشعبية» و«الديموقراطية» الخ، بل هي مطلب وطني شعبي موضوعي، سبق أن وصفته «باليسار الاجتماعي» تمييزاً له عن اليسار الستاليني والليبرالي معاً. وللأسف أنّ حركة اليسار الاجتماعي التي كان ينبغي لها أن تمثل هذا الخط قد انتقلت هي الأخرى إلى الليبرالية، ووجدت لها مكاناً في «الجبهة»!
وصلت المديونية الأردنية العامّة إلى أكثر من 20 مليار دولار، والعجز الحقيقي إلى حوالى الثلاثة مليارات، والبطالة الحقيقية إلى حوالى 20 بالمئة، والفقر إلى 40 بالمئة من السكان، والفقر المدقع إلى 20 بالمئة منهم. المحافظات في حالة تآكل بنيوي، والبيئة في حالة انهيار متفاقمة. رأس المال الخليجي والأجنبي يسيطر على البنوك والمؤسسات المالية والقطاع العقاري الكبير، ويسيطر هذان القطاعان على الاقتصاد الوطني الخاضع بدوره لنتائج الخصخصة المدمرة. فرص العمل التي تولدها الاستثمارات الكمبرادورية تستهلكها العمالة الوافدة وبضعة آلاف من «الديجاتلز»، وهي التسمية المحلية للكوادر النيوليبرالية. الفئات الوسطى تتآكل تحت ضغوط التضخم الهيكلي. الفئات الشعبية هي التي تموّل الموارد الضريبية المستوفاة عن طريق ضريبة المبيعات، بينما ينجو البرجوازيون بثرواتهم من خلال نظام لضريبة الدخل يحابي الشركات والمستثمرين والأثرياء. ومن البديهي أنّنا وصلنا إلى هذا المأزق جراء الاستئثار الاستبدادي بالقرار من قبل مجموعة حاكمة ليس لها مضمون تمثيلي، وبواسطة دوس الأصول الدستورية وسيادة القانون بالأقدام، لكن تجهيز إطار دستوري وقانوني ليبرالي لا يمس النموذج الاقتصادي الاجتماعي المسيطر، لا يعدو كونه تنظيم العلاقات القانونية بين العناصر البرجوازية، وتنظيم المنافسة « النزيهة»على النهب .
الفساد الكبير ليس شأناً أخلاقياً أو قانونياً، وانما هو يقع في قلب النموذج الاقتصادي النيوليبرالي. ولاستئصال الفساد الكبير لا بد من استئصال ذلك النموذج، لكن لنفترض أنّ مجموعة من اكثر الرجال والنساء نزاهة تولت ادارة النموذج نفسه، فهل كان سيتغيّر شيء بالنسبة إلى الفئات الشعبية؟ النهب في الحالتين حاصل. فإما أنّه يحدث على أسس احتكارية مبنية على تزاوج النفوذ السياسي و«البزنس»، أو أنّه يحدث على أساس المنافسة الحرة بين البرجوازيين. وجبهة عبيدات ترنو إلى إطار للمنافسة الحرة في نموذج اقتصادي اجتماعي كمبرادوري هو أساس المشكلة كلّها. في هذا الصدد، تبيّن أنّ عبيدات هو المحامي المعتمد لعمليات الخصخصة. وعلى سبيل المثال، كشف تقرير لجنة التحقيق النيابية في خصخصة شركة مناجم الفوسفات، أنّ عقد الخصخصة، ذا المضمون الكمبرادوري الصريح والإذعاني، قد أعدّه مكتب عبيدات.
من سوء حظ عبيدات والليبرالية الأردنية أنّ قوى الحراك الشعبي الوازنة، أظهرت وتظهر ميولاً صريحة متحدية للنموذج النيوليبرالي كلّه، لصالح نموذج مضاد يقوم على استعادة القطاع العام الاقتصادي وإعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة من منظور اجتماعي، وإعادة إحياء الاقتصاد الريفي والصناعة الوطنية، وإعادة تنظيم قطاع النقل لضمان سيولة الأيدي العاملة ووقف الهجرة من الريف، ودمج المحافظات في اقتصاد وطني متعاضد، ووقف تسليع الأراضي ووقف الزراعة التصديرية القائمة على هدر الموارد المائية.
إنّ مظلة الضمانات الاجتماعية ليست عملاً خيرياً، بل سياق لازم للتشغيل وزيادة الإنتاجية. وهي، لذلك، مهمة وطنية بامتياز. وإذا كانت التنافسية الانتخابية بين الأحزاب لازمة طبعاً، فالألح هو حرية التنظيمات الاجتماعية والنقابية في الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية والعمالية.
وثيقة عبيدات لا تنطوي على ذلك كلّه أو بعضه، بل تبلور رؤية برجوازية حقوقية للتوافق داخل النموذج الليبرالي نفسه بين بعديه الاقتصادي القائم، والسياسي الحقوفي الغائب. بمعنى آخر، هذه الوثيقة مصممة لعمّان الغربية (القسم البرجوازي من العاصمة الأردنية). وهذا هو السبب في غياب أو تغييب ممثلي المحافظات والفئات الشعبية والعمالية عنها.
رفض عبيدات كلياً أيّ نقاش بشأن تنظيم المواطنة من خلال إخضاع التجنيس لسيادة القانون. وهو شيء مدهش فعلاً. فوثيقة عبيدات ذات الطابع الحقوقي تلح على سيادة القانون في كلّ المجالات ما عدا الجنسية!
ولا يمكن فهم رفض عبيدات وصحبه تحويل تعليمات فك الارتباط إلى فصل في قانون الجنسية إلا من زاوية مصالح النظام والبرجوازية ـــــ المتوافقة مع الرؤية الأميركية ـــــ للمزيد من التجنيس والتوطين في سياق الحل الواقعي للقضية الفلسطينية.
تعليمات فك الارتباط هي تعليمات إدارية تسمح للحكومات بمنح الجنسيات أو سحبها من أبناء الضفة الغربية، وفقاً لقوى الضغط الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والأمنية. وتطالب وثيقة عبيدات عن حق بضبط صلاحيات الإدارة والجهاز الأمني... لكنّها تقبل أن تبقى الجنسية ضمن صلاحيات الإدارة والأمن. وتحارب الوثيقة، الفساد، لكنّها تقبل أن تبقى الجنسية الأردنية تُباع من قبل البيروقراطية الفاسدة حسب سعر السوق!
لا أستطيع أن أفهم ذلك إلا في سياق التواطؤ على تجنيس أكثر من مليون مهاجر طوعي من الضفة الغربية. وهو ما يحقق مصالح إسرائيل، الولايات المتحدة، البرجوازية الفلسطينية الطامحة للسيطرة في وطن بديل، والبيرقراطية الأردنية الفاسدة.
تبقى إشارة تتعلق بحاجة النظام إلى استيعاب الحراك المُعارض في إطار شبه رسمي قادر على ضبط إيقاعه العام في «جبهة»، وربما يتناغم مع سياق التسوية الداخلية المقترح من قبل الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين. ولعل ذلك ما يفسر رفض عبيدات الحوار بشأن وثيقته، والحاحه إلى استبعاد القوى الخارجة عن الخط الإصلاحي الأميركي.
أوضح عبيدات لشركائه ـــــ بغض النظر عن ألوانهم وتسمياتهم الديموغوجية ـــــ المضمون الفعلي لطروحاتهم السياسية بوصفها مقاربات إصلاحية ليبرالية صافية، مبرّأة من الادعاءات الشكليّة، اليسارية أو القومية أو الإسلامية. أوضح لهم ما يريدون وأظهر لهم سقوفهم في أعلى صياغة ممكنة لها. وهو ما حدا بهم إلى التوقيع من دون نقاش.
وقد أنهت مبادرة عبيدات تشرذم شركائه ووحّدتهم وراء برنامجهم الليبرالي المشترك. فتشرذمهم كان بلا معنى، لأنّه ينطلق من عصبيات تنظيمية وخلافات شخصية ومستبقات أيديولوجية فقدت مضمونها. وكان لا بد أن تأتي شخصية بحجم عبيدات لكي تخرجهم من هذه الشرذمة، التي ليس لها أساس سياسي، وتوحدهم وراء قيادة قادرة على التعبير عن الجوهري في طروحاتهم. وهذا الجوهري تصوغه وثيقة عبيدات الحقوقية الليبرالية.
الإيجابي ـــــ موضوعياً ـــــ في ولادة جبهة عبيدات، ونشاطها المتعرّج بين صعود وهبوط، أنّها أعادت رسم الخارطة السياسية في الأردن؛ فلها فضيلة جمع القوى التقليدية الماشية، أو المستعدة للسير في نهج الإصلاح الليبرالي، والفسح في المجال لتظهير جبهة أخرى، الجبهة الوطنية الاجتماعية قيد التبلور. وفي النهاية، سوف نحصل على خارطة مثلثة واضحة المعالم: النظام وما يتبعه من أحزاب وشخصيات، والجبهة الليبرالية ـــــ الإخوانية، والجبهة الوطنية الاجتماعية. وهو ما سيوضح لوحة الصراع السياسي في البلاد. وهذه بلا ريب خطوة إلى الأمام.