من بديهيات علم الإجتماع المديني أن تحرص على عدم المس بذاكرة المكان والزمان لما لها من أهمية على مستوى تخليد الذاكرة وتحفيز الإستمرار بالإعتماد على حقيقة إمتلاك المكان وأبجدية المسار. ولطالما استمدت معظم ديناميكيات العالم، على المستوى الإجتماعي والأيديولوجي، شحنة مسارها واستمرارها من ذاكرة الأماكن التي تشكل المحرك والمنطلق اللذين يجعلانها تنتمي إلى هوية المكان. وهو غالباً ما يكون واحداً من أهم مؤثرات البعد الديناميكي في عمليات الإستمرار والتفعيل الدائم لمرتكزات القضية التي ينتمي إليها جيل أو شعب أو أمة معينة.

بناءً عليه، عندما تريد أن تقرأ في سطور ومرتكزات البعد الأيديولوجي والإجتماعي والثقافي والفكري لأي من الحضارات والمعتقدات التي سادت في العصور السابقة، قبل الإسلام أو بعده، فما عليك إلا أن تذهب إلى أماكن تواجدها الجغرافي مستعرضاً زواياها لتفهم الأبعاد والخلفيات والمنطلقات، لا بل الأسباب المباشرة للرسالة الفكرية على المستويين النظري والعملي في آن...
إلا نحن أيها المواطن المقاوم! يبدو أننا، نحن جمهور المقاومة، لا نحتاج إلى بطاقات إنتماء، وأننا عابرون لعلم الإجتماع. ويبدو أن من يريد العبث بذاكرتنا وحقّنا بالإنتماء إلى المكان، إبتدع لنا ترجماناً آخر لهذا الشعور. لهذا الإحساس بشجرةٍ تفيأنا ظلها ونحن نرقب إطلالات العشق لسماحة السيد حسن نصر الله.
نعم أيها اللبناني. نعم يا أم الشهداء الثلاثة. نعم يا طفل سمير القنطار. لم يعد في إمكاننا بعد اليوم أن نتذكر صوتاً صدح يوماً في المكان (أنا سمير القنطار رجعت وكل الشباب معي...). لا يحق لك، لا أنت ولا أبناء الشهداء والعائدين من الأسر، أن تلفت انتباههم أو تؤنسهم حبة رملٍ من رمال ملعب الراية وفضائه الرحب الذي أنطق الحجر من حوله.
هنا وقف الحبيب، هنا خطب العشق، هنا رفعت قبضات الوالهين، هنا رمت إسرائيل بعضاً من حمم حقدها على أرضٍ مقدسة، هنا إحتشدنا بعد كل فتح، هنا ذرفنا دموع العاشر من المحرم، من هنا مرت مسيرة أكفاننا، هنا وقف خير خلق الله بيننا قائلاً: إن الدعي إبن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة...
بناءً على ما تقدم، ولمن لم يعرف بما تنويه إحدى شركات البناء في لبنان قريباً ببناء مجمع سكني ضخم في بقعة جغرافية عزيزة على قلب كل من التزم ودعم وتبنى المقاومة منذ زمن بعيد. هذه البقعة الجغرافية هي ملعب الراية في منطقة الصفير من الضاحية الجنوبية، الذي إنطبع إسمه بجيل كبير من المقاومة،عايش الإنتصارات وسمع صيحاتها من هناك، وراح يحتشد في غمرة المكان مع كل مناسبة علّه يرمق السيد بطرفه...
المهندس حسن شرقاوي