السباق للفوز في الانتخابات النيابية القادمة (بعد حوالى سنة) يتسع ليشمل جميع الميادين. وكما كان متوقعاً، فقد بكرت القوى الإقليمية والدولية المعنية، في استخدام ضغوطها ونفوذها ووعودها من أجل ترجيح كفة الحلفاء. الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأنشط. السفير الأميركي السابق في لبنان ومساعد وزيرة الخارجية الحالي السيد جيفري فيلتمان يمارس مهمته وهوايته في توجيه الأوامر والنصائح والتحذيرات.


تشير المعطيات المتوافرة الى استمرار التوازن نفسه بين الأطراف، إلّا بعض الاستثناءات. يرتفع في مثل هذا المناخ الحاد من الصراع والتنافس والتجاذب سعر «الوسطيين». أبرز هؤلاء «حتى إشعار آخر» رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«جبهة النضال الوطني» الأستاذ وليد جنبلاط. يستأثر «وليد بك» بالحد الأقصى من الاهتمام لدى فريق الثامن من آذار، أملاً في إقناعه بالبقاء، ولو جزئياً، في نطاق الأكثرية الحالية. تعقد لهذه الغاية اجتماعات متواصلة بين ممثلي «حزب الله» و«حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي». من «وسائل الإقناع» التي يجري تناقلها من قبل متابعين أو مطلعين، إغراء «وليد بك» بالحفاظ على كتلته الحالية، وزيادة مقاعد من نوع مقعدي مرجعيون ـــــ حاصبيا والبقاع الغربي كجوائز ترضية مضمونة. كذلك يجري عرض دمج قضاءي عاليه والشوف. إنّها وعود لإبقاء «وليد بك» ممثلاً شبه أوحد لطائفة الموحدين الدروز، مقابل موافقته على إقرار قانون يعتمد النسبية في الانتخابات المقبلة.
من المفارقات، في هذا الصدد، أنّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لا يزال يرفض «النسبية» من حيث المبدأ، قبل الدخول في تفاصيلها. لقد اطمأن، منذ «الطائف» حتى اليوم، إلى النظام الأكثري. تمكن من خلال هذا النظام المشوه من الحصول على حصته وحصة آخرين. صحيح أن الأمور قد بدأت بالتغيُّر، نسبياً، في المراحل الأخيرة، لكن دقة التوازنات الراهنة تجعل وليد جنبلاط يفرض ما يشاء من الشروط، ويرفض ما يشاء من المطالب! لا يأبه «وليد بك» حيال هذا الأمر، بما كان للحزب الاشتراكي في زمن والده القائد الشهيد كمال جنبلاط من مواقف رائدة في الدعوة إلى الإصلاح كأولوية سياسية تقام من أجلها الجبهات وتقر بموجبها البرامج. الى ذلك، يرى وليد جنبلاط أنّ ما سيحققه اليوم من مكاسب، إنما هو مؤقت وآني ولن يصمد في دورات لاحقة.
طبعاً، هذا جانب من المشهد. أما أحد الجوانب المهمة الأخرى، فذلك الدفق المالي غير المحدود الذي جرى التلويح به من أجل ترجيح كفة طرف على آخر، أو من أجل الحفاظ على المواقع والمقاعد وكسب المزيد منها. إنّ أرقاماً سخية عاجلة ومفتوحة يجري الحديث عنها. إنّها أرقام خيالية قد لا يصمد حيالها كثيرون، وخصوصاً ممن أدمنوا هواية تكديس الأموال بشتى الوسائل غير المشروعة في معظمها، وراكموا خلال فترات قياسية ثروات لا تأكلها النيران!
حتى الآن يبدو «وليد بك» مصراً، دون أدنى استعداد للتراجع، على موقفه « المبدئي»! وتبعاً لذلك، وبسبب تساوي كفتي 8 و14 آذار، لا يُتوقع، دون مفاجأة من العيار الثقيل، إقرار قانون نسبي للانتخابات النيابية القادمة.
من نافل القول، إنّ منطلق البحث لا يبدأ كالعادة من مفهوم صحة التمثيل. إنّه يبدأ من الاعتبارات السياسية والفئوية المستظلة بالاعتبارات الطائفية والمذهبية، واليها يعود! وليس صعباً في خلال ذلك، أن تُطلق الاتهامات باعتبار حتى عناوين من نوع إلغاء الطائفية السياسية وقانون انتخابي عادل مناورات تستبطن أهدافاً طائفية ومذهبية مباشرة. يعزز من ذلك سلوك وسياسات وتحالفات وعناصر تعبوية تعتمدها الأطراف، فتبدو الشعارات العامة الصحيحة ذرائع لغايات فئوية في نطاق صراع محلي وإقليمي ودولي. وهذه، عموماً، متداخلة ومتفاعلة في لبنان، كما ليس في أي بلد آخر.
إنّها حلقة مفرغة ومفزعة في آن واحد، ويضاعف من أضرارها أنّ كلمة الحق لا تُقال، في الأعم، إلا ليراد بها باطل. يضاعف من ذلك أيضاً أنّ القوى الديموقراطية غائبة عن الوعي والفعل والحضور، فإذا ما «حضرت» فبشكل مشرذم وهزيل، وبصيغ تراوح ما بين الاستجداء والاستعلاء!
ورغم كل ما تقدم، ففي المشهد أيضاً، ما يوحي ببعض التقدم، ولو شككنا في الدوافع لجهة تفعيل «العدد» في المحصلات العامة، أو لجهة محاصرته وتجزئته. فليس أمراً بسيطاً أن تروّج قوى كبيرة للقانون النسبي. وليس أمراً أقل أهمية أن لا تتفق قوى السلطة ورأس المال والحكم على قانون رجعي متعسف ومشوه وعجيب، كما كان يحصل في السابق. ثمة أسباب موضوعية لهذا النوع من النزاع الجديد على قانون الانتخابات. هذا النزاع لن يحسم حالياً كما تشير المعطيات الراهنة. أما حسمه لمصلحة الوجهة السليمة، وبما يؤدي الى إقرار قانون نسبي، فتلك مسألة طويلة نسبياً. ومن شروط هذا الحسم تحرير البرامج والسياسات والمواقف، قدر الإمكان، من الاعتبارت الطائفية والمذهبية والفئوية.
لا شك أنّ كل ذلك يتطلب دوراً، مختلفاً نوعياً، من قبل القوى ذات المصلحة في التقدم والتحديث والمساواة والعدالة والديموقراطية. فهذه القوى يجب أن تؤكد حضورها وقدرتها على الفعل والضغط والتأثير. ولن يكون ذلك ممكناً دون أساليب عمل جديدة، وأولويات ملموسة حاسمة، وعملية نهوض من سبات طال، حتى بات يشبه الموت أو يزيد!
ألا يكفي ما تطلقه النواقيس من أصوات تحذر من الانقسام والاستتباع والتشرذم؟ ألا يعني لنا شيئاً أن يجري تعميم المحاصصات المذهبية والطائفية ـــــ الفئوية حتى غزت الصروح العلمية والأكاديمية والنقابات المهنية والتعاقد و«التفرغ»...
ألا يخيفنا واقع شبابنا المشرَّع على نحو مطّرد ومخيف على الهجرة والتشرد والبطالة والضياع؟ الساحة فارغة، فما العمل ومتى يبدأ؟!
* كاتب وسياسي لبناني