يتخطى النقاش حول فيلم «تنورة ماكسي» تدنيس المقدسات لدى الدين المسيحي، ليطاول اليوم المقدسات التي ناضلت شعوب لأجيال وسنين لكي تحصل عليها، ألا وهي مقدسات حرية التفكير والتعبير والفن. ونحن اليوم في لبنان، البلد الذي لطالما تفاخر بانفتاحه (وخاصة مسيحييه الذين يرتعبون من أي تضييق على شرب الكحول، أو السهر، أو طريقة اللبس) نقدم على مرحلة خطيرة جداً، وأولى من نوعها، ترتسم في أفق مطالبة بسحب رخصة عرض لفيلم سينمائي، ومنع عرضه في الصالات، بعدما كان قد أُعطي إذن عرض.

بدايةً علينا أن لا ننسى يوماً أنّ السلطة المنوطة بالأمن العام اللبناني التي توكَل إليه الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية في لبنان، في مرحلة ما قبل تنفيذها، وما قبل العرض، هي سلطة مؤقتة، كما تستمد هذه السلطة شرعيتها من منطق أنّ الشعب اللبناني قاصر وغير مدرك مصلحته وذوقه، وعلى قوى أمنية، غير كفؤة لا ثقافياً ولا فنياً، تقرير ما على المواطن اللبناني مشاهدته أو لا. في الدول التي تحترم شعوبها، يكون هذا الدور منوطاً بوزارة الثقافة، التي يقتصر دورها على تحديد السن الملائمة لمشاهدة العمل، لا القص منه أو منع عرضه.
ثانياً، لما كانت مديرية الأمن العام موكلة بأداء دور الرقيب، جرت العادة في أروقة المديرية، على استشارة الطوائف اللبنانية، وخاصة المركز الكاثوليكي للإعلام، ودار الفتوى، قبل إصدار قرار إذن العرض. وذلك دون الاستناد إلى أي مادة قانونية تجيز تدخل هذين الطرفين، وفيما تلك الاستشارة سرية في العادة، فوجئنا بعلنية الموضوع، بعد تداول ما تردد عن التدخل الرسمي للمركز الكاثوليكي للإعلام بإعطاء إذن العرض لفيلم «تنورة ماكسي»، من خلال كتاب موجه من رئيس المركز إلى مديرية الأمن العام اللبناني، وهو أمر تشترطه الأخيرة قبل توقيع القرار.
ثالثاً، نجدنا اليوم، أمام احتمال تراجع المركز الكاثوليكي للإعلام عن قراره، وأيضاً أمام نية صريحة بمنع عرض الفيلم، عبّر عنها عضو المركز والكاهن و«الفنان» فادي تابت، في حلقة «للنشر» السيئة الذكر، على شاشة تلفزيون الجديد. مما يعني فتح الباب أمام سابقة أولى، في ضغط طرف ديني على مديرية الأمن العام، وسحب قرار إذن عرض فيلم بدأ عرضه في الصالات اللبنانية. تأتي تلك الخطوة لتكرس سلطة المركز الكاثوليكي للإعلام، أو أي مرجعية دينية أخرى، على مديرية تابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، وتابعة بذلك للدولة اللبنانية المدنية، بحسب الدستور اللبناني، وإذ نتقبل على مضض كبير حتى اليوم، سلطة مديرية الأمن العام الممثلة للدولة، والشعب اللبناني، بأداء دور الرقيب على الأعمال الفنية، فاسمحوا لنا بأن نرفض، وبإصرار، وبشدة، التدخل الفاضح للمراجع الدينية في ذلك الموضوع. ومثلما طالب أحد الكهنة من على شاشة «الجديد»، بالتدخل الفوري لرئيس الجمهورية «المسيحي» لمنع فيلم «تنورة ماكسي» من العرض، نطالب رئيس الجمهورية اللبنانية بحمايتنا، وحماية لبنان من سلطة الدين على حرية الفكر والتعبير والفن و«أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». فإنّ للكهنة منابرهم، وكنائسهم، ليعبروا، ويبشروا، ويكرزوا برجاء القيامة. دعوا للفنانين مسارحهم، ومعارضهم، وسينماهم ليعبروا فيها جميعها عن أفكارهم. لا أحد يجبر أياً كان على الاستماع إلى رأي يرفضه، أو يشاهد فيلماً لا يعبر عنه. فإذا وجد رجال الإكليروس في فيلم «تنورة ماكسي» ما يدنس مقدسات الكنيسة، فليعظوا المؤمنين بعدم مشاهدته، لكن لا حقّ قانونياً خارج المحاكم يسمح لهم بمنع من يختلف معهم في الرأي من ذلك. وليثقوا قليلاً برعاياهم المؤمنين والناضجين، تاركين لهم الحق في اتخاذ القرار بمشاهدة الفيلم أو لا، وبالحكم عليه أو لا. ويجب ألّا ننسى، نحن ورجال الدين، صلاة النبي داوود في مزاميره «يا رب اجعل حارساً لفمي، وباباً حصيناً على شفتيّ»، فلا نلقي اتهامات على نوايا مخرج الفيلم جو بو عيد تحمّله وزر «تدنيس المقدسات». وليس على الكنيسة الرسولية سوى التريث والتعلم من أخطائها الكثيرة. فنحن لا نريد إحراق جان دارك أخرى، كما لا نريد اتهام غاليليو مجدداً بالهرطقة وقتله... كذلك، على الكنيسة المستقيمة الرأي أن تتذكر أنّ الإمبراطورية البيزنطية سقطت فيما كان رؤساؤها يتجادلون حول جنس الملائكة، لذا لا نريد اليوم إسقاط حق أساسي للشعوب في التعبير، متجادلين حول التدنيس الكامن في مشهد امرأة تعدل جواربها، فيما الكاهن يتلو الكلام الجوهري خلال القداس.
وللتذكير فقط، فإنّ المخرج السينمائي الإيطالي بيار باولو بازوليني الذي كان ملحداً، وماركسياً، ومثلي الجنس، في العلن، قدم أكثر الأفلام إشكالية مع الكنيسة، ونال عن فيلمه «تيورما» جائزة «المكتب الكاثوليكي الدولي للسينما»، في ١٩٦٨. ومن يرَ أنّ «تنورة ماكسي» في ٢٠١٢، يدنس المقدسات، فليشاهد «تيورما» وليحاكم الكرسي الرسولي.
في نهاية الأمر، جو بو عيد فنان عبّر عن نظرته إلى أمور يعتقد أنّها تجري وفق تلك الرؤية أو تخيّلها، لكن بالتأكيد هي تمثل أفكاره التي هو حر، قانوناً، بالتعبير عنها، ولا يسعنا سوى مناقشتها في حال الاختلاف معها، لا منعها. إنّنا، والحمد لله، لا نزال نعيش في الجمهورية اللبنانية الديموقراطية، لا في البطريركية ، وليكن الإكليروس مطمئناً إلى أنّ الكنيسة التي بناها المسيح على صخرة إيمان القديس بطرس، لا يمكن أن يزعزعها فيلم سينمائي.
* مسرحي لبناني، كاتب في «الأخبار»