في حوار له مع البروفيسور في اللاهوت أسعد قطّان، في برنامج «أجراس المشرق» على قناة الميادين (٢٠ آذار ٢٠١٦)، تساءل الإعلامي غسّان الشامي عن المستقبل اللاهوتيّ لأهل المشرق أهو لاهوت قتاليّ «جرجسيّ» (نسبة لمار جرجس مقاتل التنّين) أم لا؟ وعلى ذلك أجاب البروفيسور قطّان بالنفي، ودافع عن ضرورة انتاج ثقافة لا عنفيّة. وإذ حاول الإعلامي الشامي أن يعود بالبروفيسور قطّان إلى الواقع الداعشيّ في تساؤلٍ له - يحمل طابع عدم موافقته على جواب قطّان - حول مدى إمكانيّة ثقافة اللاعنف مواجهةَ واقعٍ مثل داعش، أجاب قطّان بضرورة انتاج ثقافة لاعنفيّة تنزع صفة القداسة عن التاريخ العنفيّ، والأجزاء العنفيّة في الكتب المقدّسة عند المسلمين والمسيحيّين. وقد كان الإعلامي الشامي طرح على اللاهوتيّ د. نقولا أبو مراد سؤالاً شبيهاً في البرنامج نفسه قبل حوالى عام (١٤ كانون الأول ٢٠١٤) حين سأله «أي لاهوت يمكن أن يواجه التكفير هل يجابه فقط بلاهوت المحبّة؟» وكان ردّ أبو مراد، أنّه لا لاهوت لدى المسيحيّين سوى لاهوت المحبّة، وإن كان الذي يكفِّرُ الآخرين لا يمكن الحوار معه فإنّه من الممكن أن تحاور البيئة. وأكّد أبو مراد على حقّ المقاومة بكلّ الوسائل اللاعنفيّة، وبالكلمة التي تنتصر، ودعا إلى خطاب عمليّ يدعو إلى الحوار والانفتاح والعيش المشترك، وعندما عاد ووجّه الشامي مشكلة كيفيّة مواجهة الذابحين، تردّد أبو مراد وأعلن صعوبة إيجاد الجواب، متمسّكاً بالمقاومة اللاعنفيّة حصراً.

الواقع الموضوعيّ قد لا
يسمح بممارسة نضالٍ لا عنفيّ

وهكذا تُرِكَ السؤال المشروع للمحاوِر الشامي مرّتين، مع لاهوتيّين رصينين، منفتحين، وفذّين، معلّقاً بلا جواب واضح، إذ أنّ جواب قطّان كان يصبّ في ميدان آخر، مشروع هو الآخر، ولكنه لا يجيب عن السؤال، وجواب أبو مراد رفض ضمنيّاً أيّ مقاومة عنفيّة مدركاً أنّه في مأزق أمام الواقع.
إنّ متابعة هذا الحوار ضروريّ، لأنّ الغموض والمأزق البادي في الحوارين خطيران إذ أنّهما قد يوحيان بأنّ اللاهوت المسيحيّ غير ذي جدوى في ما يختصّ بالواقع الشرس الذي نعيش فيه، أي يوحي بأنّ الإيمان المسيحي لا يمكنه أن يُعاش على أرض الواقع في هذا العالم. وهذا أمر غير صحيح بتاتاً، كما سنحاول أن نوضح في الأسطر التالية، وكما فصّل أهمّ مفكّر ولاهوتيّ أرثوذكسيّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة في القرن العشرين الدكتور كوستي بندلي (١)، عبر عدّة كتب صدرت له منذ ثمانينيات القرن العشرين. سنحاول في هذه المقالة الإدلاء برأي يستوحي قراءة بندلي اللاهوتيّة لهذا المأزق، ويرى الصوابيّة والقصور في جواب كلّ من الإعلاميّ وضيفيه.

أيّ محبّة للأعداء!

بالطبع إنّ ركيزة الإيمان المسيحي (وهذأ أمر مختلف عن تصرّفات المسيحيين) أنّ الله محبّة وأنّ المحبّة هي الطريق إليه. لهذا، بناءً على دعوة المسيح المُلحّة للمحبّة والتي توَّجَها بجملتين «أحبّوا أعداءكم» و«من ضربك على خدّك الأيمن فدر له الأيسر»، دعت الكنيسة - رغم أنّها بوجهها الرسميّ خانت هذه الدعوة وتخونها مراراً ـ إلى ممارسة المحبّة في الحياة اليوميّة، وإلى ممارسة محبّة الأعداء. ولكن أليس في ذلك تطلّب غير واقعيّ، يعاكس «الطبيعة» البشريّة، أو على الأقلّ لا يمكن أن يحقّقه إلاّ نفر قليل من الناس «القدّيسين»؟ وفي الحالتين ألا يعني ذلك أنّ الدعوة المسيحيّة إلى محبّة الأعداء لا يمكن تطبيقها عمليّاً، وينبغي تهميشها في الواقع اليوميّ؟ الذين يجيبون إيجاباً على هذا التساؤل، ومنهم مسيحيّون، يرون أنّ المسيحيّة غير واقعيّة في موضوعَي محبّة الأعداء وإدارة الخدّ، لأنّه لا يمكن تطبيق هاتين الوصيّتين في واقعٍ مليء بشرورٍ بعضها خطير وعنيف لا يمكن مواجهته بالـ«محبّة»، وبإدارة الخدّ، وإنّما بقوّة العنف.
إنّ تعليماً ينبذ العنف مهما كانت الأوضاع، طالما أدّى بالمسيحيين إمّا إلى ممارسة ما تقتضيه الضرورة من ممارسة للعنف مع رفض، ضمنيّ أو بادٍ، لهذا التعليم، أو إلى الانكفاء عن ممارسة أيّ فعل عنفيّ كونه يتنافى مع تعليم المسيح، خاضعين للشرّ القائم. إلاّ أنّ اجتهاداً قام به اللاهوتيّ كوستي بندلي، خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة، يسمح لنا بأن نزيل سوء الفهم الفظيع هذا، وأن ننظر إلى وصيتي المسيح بشيء من الصفاء والجِدّة. لقد أشار بندلي إلى أنّ كلمات المسيح لا يمكن أن تؤخذ حرفيّاً وإنّما يجب أن تُؤوَّل، وإلّا وقعنا في التناقض، وذلك أنّ المسيح نفسه لم يطبّق كلماته حرفيّاً. فعندما ضربه أحد الجنود عند اعتقاله ومحاكمته، لم يُدِرْ يسوع خدّه الآخر للضارب بل استنكر قائلاً «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ بالسوء فَاشْهَدْ عَلَى السوء، وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» (يوحنّا ١٨: ٢). هذا من ناحية وصيّة إدارة الخدّ، أمّا من جهة وصيّة محبّة الأعداء، فإن فهمناها على أنّها تعني عدم مواجهة العدوّ بشكل عنفيّ حتّى ولو عنى ذلك أن نرضخ للشرّ، فلا بدّ عندها أن نخون وصيّة أخرى للمسيح ألا وهي محبّة المظلومين التي تدفعنا للدفاع عن الضعفاء، «إخوة يسوع الصغار» خاصّة أنّ المسيح حذّرنا قائلاً: «أنّ كلّ ما لم تفعلوه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه» (متى ٢٥: ٤٥). أمّا من ناحية السكوت عن الظلم فهذا مناف لما قام به المسيح، فالمسيح لم يسكت عن الظلم وكان بتصرّفاته مناهضاً للظلم الديني الذي كان يقع على الناس حوله، ودان هذا الظلم بكلامه وواجهه بتصرّفاته، حتّى حكم عليه الظالمون بأن يُقتَلْ، وإن كان المسيح لم يقم بعمل عنفيّ أدّى إلى قتل إنسان، وأقصى ما قام به هو أنّه قلب طاولات الصيارفة في الهيكل ـ وهو أمر يتطلّب شجاعة فائقة إذا فكّرنا بواقع صيارفة هذا الزمن والسكوت المستطيل عنهم.
إذاً، لا بدّ لنا من الاجتهاد وإعمال العقل - وهو ما دعا إليه قطّان مراراً - لنفهم كلام يسوع. الاجتهاد الذي قام به كوستي بندلي، يقول بأنّ المحبّة ليست شعوراً ورديّاً تجاه الظالم والخصم والعدوّ فـ«المحبّة ليست مجرد عواطف ومشاعر تُشيع في النفس رقّة وعذوبة ولكنّها تبقى عاجزة عن مجابهة قسوة الواقع وعن إحداث تغيير ملموس في مجرياته... المحبّة... موقف متكامل للشخصيّة يجمع بين الذهن والحسّ والإرادة ويتجلّى في إقامة وزن للآخر» (٢). إنّ إقامة وزن للآخر المظلوم وللآخر العدوّ تقوم على التصدّي لشرّ هذا الأخير (الذي يقمع الناس كما يشوّه إنسانيّته) مع التمييز الصارم بين العدوّ كإنسان وبين شرّه، بحيث لا نسلخ عنه إنسانيّته بل نخوض صراعاً معه وأفق المصالحة - حيث أمكن - ماثلٌ أمامنا.
إن كانت هذا ترجمة للمحبّة، فإنّ وصيّة محبّة المظلومين تُلِزمُنا بمسؤوليّة ردّ الظلم عن هؤلاء ورفض السكوت المتواطئ مع هذا الظلم، أمّا محبّة العدوّ فلا تعني التعاطف المرضيّ معه وإنّما تُلزمنا أن نتصدّى لشرّه الذي يقمع الناس كما يشوّه إنسانيّته على أن نميّز بين شرّه وبينه ولا ننجرّ إلى شرّه. هذا التوازن بين الوصيّتين يسمح للمسيحيّات والمسيحيّين بأن يكونوا مخلصات ومخلصين لروح وصايا يسوع، أحياء بها عوض ان يكونوا أمواتاً بالحرف، لأنّ «الحرف يقتل وأمّا الروح فيحيي».

لا عنف أم نضال لا عنفيّ

ما هي الوسيلة التي تسمح لنا بأن نترجم المحبّة تصدّياً لشرّ الأعداء من دون الانجرار الى الشرّ، مميّزين بين الشرّ وفاعله، وتسمح بأن نجهد لرفع الظلم عن المقهورين؟ أهي اللاعنف؟ ليس تماماً.
ينبغي التمييز بين اللاعنف، وهو مجرّد موقف سلبي قائم على عدم ممارسة العنف، وبين النضال اللاعنفيّ وهو العمل المتواصل والجاهد والحيويّ الذي يتوسّل أدوات لاعنفيّة (كالمقاطعة والتظاهر والعصيان المدني) ليتصدّى للظلم من أجل إحقاق العدل، وللدفاع عن المظلوم المعتدى عليه. إنّ ما يسمح للإنسان بأن يُصالح بشكل كامل بين وصيتيّ يسوع محبّة الأعداء والدفاع عن الضعفاء ليس هو اللاعنف وإنّما هو النضال اللاعنفيّ. هذا النضال هو الوسيلة الأكثر انسجاماً مع الإيمان المسيحيّ. وقد استند بندلي إلى التمييز الذي تقيمه الأخصّائيّة النفسيّة دنيز فان فانيغيم (٣)، ليوضح بأنّ لدى الإنسان طاقة إنسانيّة إيجابيّة تسمح له بالدفاع عن الحياة ألا وهي النزعة النضاليّة، (وليس العدوانيّة المدمّرة)، وأنّ النضال اللاعنفيّ يسمح بتوظيف هذه الطاقة بشكل إيجابيّ. أمّا قمع هذه الطاقة النضاليّة فلا بدّ أن يفجّر فينا العنف العلنيّ أو المستتر، فكبت الطاقة النضاليّة، والقبول بالظلم، وعدم الدفاع عن الذات، يراكم الإحباط الذي لا بدّ أن يتفجّر عنفاً (٤). لهذا فـ«النضال اللاعنفيّ... خيرُ تعاملٍ مع الطاقة النضاليّة الفطريّة في الإنسان. إنّه يتحاشى، بآن، انفلاتها وكبتها، الانفلات الذي يسمح لها بالجنوح إلى شهوة التدمير ويجعلها أسيرة الافتتان بالموت، والكبت الذي يعقّمها من جهة على حساب حقوق الإنسان وكرامته، ويتيح لها، من جهة أُخرى، أن تفرز نوعاً آخر من العنف، دفيناً وخبيثاً، يتّخذ شكل المرارة والحقد، ويُسَمِّم حياة المرء وعلاقته مع الآخرين، كما يقول بندلي (٥).

موقف من النضال العنفي

إلّا أنّ الواقع الموضوعيّ قد لا يسمح بممارسة نضالٍ لا عنفيّ، خاصّة إذا تمدّد القمع العنفيّ ولم يعد يترك مجالاً لأيّ عمل لا عنفيّ. وعندها قد يقرّر الناس، أو المجموعات المناضلة منهم، أن ينتهجوا نضالاً عنفيّاً على أساس أنّه أهون الشرّين: شرّ العدوّ الذي يسحق الآلاف والملايين من البشر، وشرّ ممارسة العنف ضدّ المعتدين الذي لا بدّ أن يؤدّي إلى شرّ القتل. بالطبع، من وجهة نظر مسيحيّة، لا يمكن اعتبار القتل عمل خير، القتل يبقى شرّاً لأنّه في النهاية قتل لأحد «عيال الله»، الاجتهاد هنا هو في ضرورة القيام بفعل شرّ مقارنة، بشرٍّ أعظم. من وجهة النظر المسيحيّة هذه، يمكن تبرير النضال العنفيّ - تحت شروط صارمة نتحدّث عنها لاحقاً - وإن تكن الأفضليّة هي للنضال اللا عنفيّ حيث يكون ذلك متاحاً.

الهوامش:

١- راجع كتابنا القادم: «كوستي بندلي: وجه للضوء والحرّية»، التعاونيّة الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، بيروت، ٢٠١٦
راجع كتب بندلي التالية:
نضال عنفي أو لا عنفي لإحقاق العدالة؟، منشورات النور، بيروت، 1988
المحبّة والعدالة والعنف، مطبوعات الشرق الأوسط، بيروت، 1995
النضال اللاعنفيّ ملامح وصور، منشورات النور، بيروت، 2000
٢- كوستي بندلي، «المحبّة والعدالة والعنف»، مطبوعات الشرق الأوسط، بيروت، 1995، ص. 4
٣- Denise van Caneghem, Agressivité et combativité,PUF, 1978
٤- في هذا المجال يمكن مراجعة الكتاب التالي للأخصّائي النفسي د. مصطفى حجازي
«التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»، ط. ٩، المركز الثقافي العربي، بيروت، ٢٠٠٥
٥- كوستي بندلي، النضال اللاعنفيّ ملامح وصور، منشورات النور، بيروت، 2000، ص. 170

* أستاذ جامعي