منذ مطلع عام 2012، لم تتلقّ الخزينة الأردنية، سوى 17 مليون دولار من أصل مساعدات خليجية وغربية مقدّرة في الموازنة العامة بحوالى مليار دولار، ومنحة سعودية إضافية موعودة بمليار دولار آخر. فما الذي يحدث بين عمّان وحلفائها الاستراتيجيين؟ هناك، بالطبع، تناقضات بين أدوار مطلوبة أمنياً (في سوريا رئيسياً) وسياسياً (التوطين السياسي للمزيد من اللاجئين ومواطني الضفة الغربية) وجيواستراتيجياً (التخديم على المشروع القطري لتأهيل حماس كلاعب رئيسي في فلسطين) وبين اصطدام هذه المطالب بالقوى الشعبية المعارضة. لكن التحليل المعمق لأزمة المالية العامة في الأردن، يقودنا إلى الانتقال إلى الداخل. فالأزمة محلية بالدرجة الأولى، ولا حل لها إلا في تغييرات عميقة في السياسات المحلية.

وصلت أزمة المالية العامة إلى حد مقلق، بحيث باتت تهدد الدينار بالانهيار. وانهيار العملة الوطنية غير القابل للسيطرة لا يمكن اقتصار آثاره على الجوانب المالية والاقتصادية، بل ستكون له آثار سياسية شديدة الوطأة على هيبة الدولة وقدرتها على استيعاب مآلات الانفجارات الاجتماعية اللاحقة. ففي بلد يعتمد حوالى 40 بالمئة من سكانه على الرواتب المحدودة للوظائف والدخول التقاعدية الحكومية والعسكرية، سيكون للانخفاض الحاد في القيمة الشرائية للدينار نتائج كارثية على المستوى المعيشي المتدني الذي تعانيه، أصلاً، الفئات المرتبطة بالقطاع العام، بحيث إنها تشكّل القاعدة الرئيسية للاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ سنتين. وتتركز هذه الفئات في المحافظات المحرومة، ما يجعلها، موضوعياً، عاجزة عن القيام بأي شكل من أشكال المناورة الاجتماعية (جراء ضعف السوق والقطاع الخاص المحليين والبطالة المزمنة وتدهور الزراعة الريفية التقليدية). لكن، حين نعلم أن المحافظات تمثّل، في الآن نفسه، مصدر الشرعية وعصبية الدولة ومراكز الحركة الوطنية، يمكننا، عندها، أن ندرك حجم المأزق الذي يواجهه النظام الحاكم.
لكن ما يثير دهشة المراقب أن قيادات هذا النظام لا تظهر الكثير من القلق إزاء المأزق المتعدد الوجوه الذي تواجهه. هناك، بالطبع، تفسير يبدو مقنعاً للوهلة الأولى. وهو القائل إن نخبة الحكم هي، في تكوينها السياسي والاجتماعي والثقافي، دون مستوى الأزمات المعقدة التي تغرق فيها البلاد، ما يمنعها من تصوّر أي حلول استراتيجية، ويدفعها إلى تكتيك إدارة الأزمات، بالقطعة ويوماً بيوم. ولعله من الصعب الاعتراض على هذا التفسير، ولكن حجم المشكلات اليومية بلغ هو، أيضاً، حدوداً لم يعد ممكناً التعامل معها من دون بدائل جذرية على المدى القصير.
نبدأ، أولا، بحقائق أزمة المالية العامة التي أصبحت، اليوم، حقائق يومية بامتياز. ومع ذلك يتم التعامل معها بخفّة تعكس ثقة وهمية. وتثير الانتباه، هنا، المعطيات التي أوضحتها ورقة غير منشورة لرجل دولة وخبير اقتصادي من الوزن الثقيل. وقد أفدنا من أرقامها في العرض التالي:
العجز المالي في الموازنة العامة لسنة 2012، يبلغ، بعد وليس قبل المساعدات الخارجية المحتملة والغائبة حتى الآن، حوالى مليار وخمسمئة وسبعين مليون دولار، بينما يبلغ عجز المؤسسات العامة المستقلة (مرافق الكهرباء والمياه خصوصاً) حوالى مليار وأربعمئة وعشرين مليون دولار أخرى، بإجمالي عجز يبلغ حوالى ثلاثة مليارات دولار، وحين يضاف إليها حوالى 700 مليون دولار من العوائد المقدرة المفقودة ـــ جراء عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة في موعدها ـــ فإننا أمام فجوة تمويلية ـــ بعد المساعدات ـــ تبلغ حوالى ثلاثة مليارات و700 مليون دولار. وهو مبلغ ينبغي تأمينه عاجلاً لتغطية الرواتب والرواتب التقاعدية، المدنية والعسكرية، وخدمة الدين العام، للعام الحالي فقط.
الأخطر أن هذه الفجوة التمويلية حتى نهاية 2012، تساوي، بالضبط، حجم الفوائض المتوفرة لدى الجهاز المصرفي المحلي. وهو ما يعني أن الادخار الوطني، وتالياً الإمكانات الاستثمارية المحلية لدى القطاع الخاص، في حالة سالبة. وفي الحقيقة أن القروض البنكية للحكومة في السنوات الخمس الأخيرة ـــ ذات الفوائد المرتفعة ـــ هي التي استنزفت الادخار الوطني. وأمام مصاعب الاقتراض من السوق الدولية، اضطرت الحكومة الأردنية إلى طلب قرض عاجل من صندوق النقد الدولي بقيمة ملياري دولار، ومثلها تقريباً إذا لم تحصل عمان على مساعدات. وهو ما سيرفع المديونية العامة إلى حوالى 21 مليار دولار، نهاية العام الحالي، قد تشكل بين 65 و70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المعروف أن أزمة المديونية العامة تتفاقم، بالأساس، ليس من حيث أرقامها المطلقة، بل من حيث نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي المتجه نحو الهبوط إلى ما بين 2 و2 ونصف بالمئة.
لكن المشكلة التالية هي أن قروض صندوق النقد الدولي، كما هو معروف، مرتبطة بشروط إزالة الدعم الحكومي عن السلع والخدمات المدعومة. وهو ما يلقى مقاومة سياسية شديدة، وتعالجه السلطات بأقصى قدر من البطء مخافة حدوث انفجار شعبي، بدأت مقدماته فعلاً في التظاهرات الغاضبة التي شهدتها عشر مدن أردنية في جمعة رفض زيادة الأسعار( 1 حزيران 2012).
ويظل الانفجار الاجتماعي السياسي الحقيقي المقبل مرتبطاً بما سينجم عن تفاعلات تدهور سعر صرف الدينار، الذي بات قاب قوسين أو أدنى؛ فقد هبطت احتياطيات المملكة من العملات الأجنبية، من 11 مليار دولار في عام 2010 إلى ثمانية مليارات في منتصف عام 2012. وإلى ذلك، هناك تراجع ـــ من الواضح أنه ناجم عن عوامل سياسية ـــ في حوالات الأردنيين العاملين في الخارج والدخل المتأتي من السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة وتقلّص الصادرات. وحين نربط ذلك بالطلب المتزايد على العملات الأجنبية، سواء نتيجة لارتفاع فاتورة الطاقة السنوية إلى أربعة مليارات دينار أو نتيجة الاتجاه، الذي ما يزال في بداياته، نحو الفرار من الدينار إلى الدولار.
كل ذلك يقودنا إلى استنتاج سياسي رئيسي هو أن البديل الذي اعتمدته الحكومات الأردنية، تقليدياً، في تغطية عجزها المالي المتفاقم، قد وصل إلى طريق مسدود. ليس فقط لأن الغرب مأزوم مالياً، بينما تحوّل الخليج إلى مقايضة أكثر ما يمكن من السياسة بأقلّ ما يمكن من الدعم المالي، بل لأن الغرب والخليج قطعا شوطاً في نهج توجيه الدعم المباشر للأدوات السياسية والإعلامية والميليشيات المحلية على حساب دعم الحكومات. وهو نهج يضمن تأثيراً سياسياً أكثر فعالية، ويؤمّن الهدف المنشود المتمثل في إشاعة الفوضى والانقسامات والصدامات المحلية، ما يسمح باستمرار السيطرة الغربية ـــ المنسحبة من الفعل المباشر المكلف في المنطقة ـــ عن طريق مركز إدارة الحروب المحلية المتمثّل في الخليج.
لكن السبب الجوهري لانسداد الأفق أمام معادلة الموازنة الحكومية القائمة على المساعدات الخارجية، يظل محلياً بصورة أساسية. فنموذج الاستنزاف النيوليبرالي الكمبرادوري للاقتصاد الوطني، والمعتمد، في الآن نفسه، على الدولة لاستيعاب النتائج الاجتماعية الكارثية الناجمة عنه، وتأمين الاستقرار السياسي بوساطة التمويل العام من قبل الخزينة؛ كل ذلك يضغط على الموازنة العامة للدولة، بحيث تنوء بعجوزات لا يمكن تغطيتها بالمساعدات الخارجية. يحتاج الأردن، للعام الحالي 2012، الى مساعدات صافية لا تقلّ عن خمسة مليارات دولار، ليس لتمويل مشاريع رأسمالية، وإنما لسداد النفقات الجارية. والمتوقع أن هذا المبلغ قد يقفز إلى سبعة مليارات دولار أو أكثر في عام 2013، وهكذا، بحيث يكون على المانحين تأمين المملكة بمساعدات خيالية بالفعل في غضون بضع سنوات.
إنه طريق مقفل كلياً. فبديل المساعدات والقروض، وصل إلى نهايته؛ بل أكثر من ذلك إن بديل مقايضة الدعم الخارجي بالمواقف السياسية والمداخلات الأمنية، أصبح هو الآخر بلا جدوى. وكما يقول المثل: «اتسع الرتق على الراتق»، ولم يعد أي دور سياسي أو عسكري أو أمني للدولة الأردنية قادراً على أن يغطي نفقاتها الجارية المتصاعدة مع الضغط السياسي على وظائف وخدمات القطاع العام وخدمة المديونية العامة المتزايدة شهراً وراء شهر.
والمشكلة الكبرى التي تخيّم على الأردن الآن، أن الممارسة السياسية للحكم والمعارضة معاً، يشتغلان في إطار النموذج القديم الآفل، ولا يملك الطرفان أي تصوّر شامل لبناء نموذج جديد؛ بالنسبة للحكم، فهو ما يزال متجمداً في الدائرة المغلقة: يسعى إلى الحصول على المزيد من المساعدات والقروض. وقد لاحظنا أنها لم تعد فعالة ـــ ويرفض المساس بمصالح الرأسمال الأجنبي والكمبرادور المحلي، بل إنه ما يزال عند إيمانه بالتعويل على الاستثمارات الأجنبية وما تولّده، افتراضياً، من فرص عمل الخ في حين أن تلك الاستثمارات، المباشرة وغير المباشرة، لم تأت إلى البلد ـــ حتى في عزّها ـــ إلا بسبب عاملين هما (1) الخصخصة التي أتاحت للمستثمرين الأجانب ووكلائهم المحليين، الحصول على أصول منتجة وواعدة ومرافق عامة وامتيازات وعقارات نوعية باستثمارات مالية زهيدة، وفي اتفاقات إذعان مشوبة بالفساد، ولم توفّر، مع ذلك، توسعات استثمارية جديدة إلا بحدود هامشية، ولم توفر للعاملين الأردنيين، خلال عقد كامل، سوى خمسين ألف فرصة عمل من بين ربع مليون فرصة للعمالة الوافدة غير المدربة والرخيصة، بينما تحوّل أرباحها بالدولار إلى خارج البلاد، (2) الاستقرار السياسي والأمني الراسخ الذي بدأ يتخلخل منذ 2010، ولم يعد ممكناً استرجاعه إلا بالسيطرة على الشركات والأصول المخصخصة واستئصال الفساد وتحديد هوية البلد وكيانه والتحول نحو ديموقراطية اجتماعية، وهو ما سيلغي مفاعيل العامل السابق.
بالنسبة للمعارضة التقليدية من الإخوان المسلمين وحلفائهم الليبراليين، فهي تستخدم الأزمة المالية الاقتصادية لتحقيق مكتسبات سياسية تمكنها من الحكم أو المشاركة في الحكم، من دون أن يكون لديها برنامج اقتصادي اجتماعي بديل، فسقفها هو النموذج النيوليبرالي الكمبرادوري أيضاً، بينما يكمن اعتراضها الجزئي على الفساد الذي يقع، في النهاية، في صميم ذلك النموذج. وبالنسبة للمعارضة الشعبية الجديدة، فهي، رغم مضمونها الاجتماعي المعادي للخصخصة واقتصاد السوق، ما تزال في إطار الشعارات المطلبية الجزئية، ولم تملك بعد تصورها لنموذج جديد.
والنموذج الجديد الوحيد الواقعي هو، في رأينا، النموذج الوطني الاجتماعي الذي يحتاج إلى قوة دفع سياسية لم تتوفر بعد. ونحن، هنا، أمام صراع مع الزمن؛ فإما تتمكن الأغلبية الشعبية من فرض هذا النموذج، وإما انهيار الدولة والفوضى. وانهيار الدولة لا يعني سقوط النظام بالضرورة، لكنه يعني الانهيار الاقتصادي والدولرة والإفقار المعمم وتفاقم التدخلات الخارجية بما يحوّل الأردن إلى «ساحة» للصراعات الإقليمية والمحلية والميليشيات والمناطق الأمنية الخ.
النموذج الجديد المقترح يستند إلى أولوية البدائل الوطنية والاجتماعية. وهو لا يقاطع المساعدات والاستثمارات الأجنبية من حيث المبدأ، وإنما لا يعتمد عليها جوهرياً، ويوظّفها في إطار مشروعه الاقتصادي وليس العكس، حيث يتم توظيف الاقتصاد الوطني لحساب المستثمرين الأجانب وشركائهم المحليين.
إن سرّ الأزمة الأردنية المركّبة يكمن في أن السياسات الاقتصادية قسمت البلد إلى قطاعين: قطاع رأسمالي نيوليبرالي يقوم على الخصخصة وحرية السوق وقوانينها، وقطاع تقليدي قديم من الفئات العشائرية في المحافظات التي عُوملت كفائض سكاني له وظيفة مستمرة هي رفد الأجهزة الإدارية التقليدية والعسكرية والأمنية بالعمالة الكفوءة في مجالاتها والرخيصة الأجور، وتكليف الخزينة بسدّ احتياجات هذه الفئات المفقَرة والمهمّشة، المضطرة، في الوقت نفسه، إلى العيش بأسعار السوق ومعاييرها. بمعنى أنه جرى، لأسباب سياسية وأمنية وعنصرية، عزل حوالى نصف السكان عن اقتصاد السوق، مضطرين، مع ذلك، إلى الاحتكام إلى معادلاته السعرية المعولمة. وهو ما يعني أن مئات آلاف الأسر تتقاضى دخولها المحدودة وفق معادلات الدولة التقليدية المحلية، بينما هي مضطرة إلى الإنفاق وفق معادلات القطاع الخاص الرأسمالي، أي بالأسعار العالمية. وقد ترك الكمبرادور للخزينة حل المشكلة المتفاقمة لتلك الفجوة، وأفاد، إلى ذلك، من سياسات الدعم. ذلك أن مَن يملك أموالاً أكثر يفيد أكثر من تلك السياسات.
حين نتفق على هذا التوصيف للأزمة الاقتصادية الاجتماعية في البلاد، يمكننا تصوّر الملامح الأساسية للنموذج البديل، في المجال السياسي من خلال نظام انتخابي يكفل التمثيل السياسي على أسس اجتماعية وتنموية، وإطلاق حرية التنظيمات النقابية والاجتماعية والإضرابات للعمال والفئات الشعبية، ودعم التعاونيات، وفي الجانب الاقتصادي ـــ الاجتماعي، المطلوب حزمة متلازمة من السياسات، أهمها:
أولاً، إقرار معادلة الراتب الاجتماعي للموظفين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين، مقابل إزالة الدعم عن السلع والخدمات. ويقوم الراتب الاجتماعي على معادلة متحركة، حسب التضخم، لسلة العيش بالنسبة للأسر، بما في ذلك الغذاء والدواء والكساء والسكن والتدفئة الخ، مضافاً إليه امتيازات غير مدفوعة: العلاج والتعليم الجامعي المجاني والتدريب والتأهيل الخ، وحل مشكلة النقل بين المحافظات وداخلها بشبكة عامة منتظمة وجيدة من الحافلات ـــ ولاحقاً القطارات ـــ بسعر الكلفة، ومجاناً بالنسبة للطلاب.
ويشكّل الراتب الاجتماعي، الأساس في تحديد أجر الحد الأدنى الملزم، قانونياً، لدى القطاع الخاص، وذلك بالنسبة للعاملين الأردنيين والوافدين على السواء. وهو ما يضمن تلافي إحلال العمالة الوافدة محلّ العمالة الأردنية.
ثانياً، الدعم السياسي والإداري والمالي للاستثمارات المحلية الصغيرة والمتوسطة في المحافظات المفقرة، وإحياء الفلاحة التقليدية والمحدّثة عبر تعاونيات الحليب والحبوب، أي تربية الماشية وزراعة الحبوب ومنتجاتها. وبدلاً من بيع الأعلاف المدعومة لكبار الملاك والتجار، يتم توجيه الدعم للتعاونيات، وبدلاً من دعم الرغيف المنتج بطحين مستورد، يوجّه الدعم لمزارعي الحنطة ... وهكذا.
ثالثاً، إعادة هيكلة الضريبة على الدخول والأرباح من أي مصدر كان، وجذرياً، على أساس تصاعدي يصل إلى خمسين بالمئة، وكذلك الضريبة العامة على المبيعات من صفر للسلع والخدمات الشعبية إلى 24 بالمئة على السلع والخدمات البورجوازية. وفيما يتصل بالرسوم والضرائب غير المباشرة، ينبغي إعادة هيكلتها على أساس جغرافي تنموي، بحيث تتم إعادة تدوير السكان من العاصمة باتجاه المحافظات، ووقف التصحر الاجتماعي والبيئي فيها.
رابعاً، إعادة السيطرة الحكومية على التجارة الخارجية والداخلية للسلع الخاصة بسلة العيش، من خلال إحياء وزارة التموين.
خامساً، تدبير سياسات وإجراءات للسيطرة الحكومية على القطاعات الاستراتيجية (المناجم والاتصالات والنقل والطاقة والخدمات الأساسية كالتعليم الجامعي والطبابة). ولا تعني السيطرة الحكومية، هنا، التأميم بالضرورة أو إعادة شراء الحصص المبيعة للشركاء الأجانب ووكلائهم المحليين، بل تعني إلغاء اتفاقيات الإذعان الفاسدة الموقعة معهم، واستعادة القرار الإداري والاستثماري لمصلحة القطاع العام، ووقف الاحتكارات، والاستثمار الحكومي أو التعاوني في المجالات الرئيسية أو المساندة في هذه القطاعات.
هذه اتجاهات وملامح المخرج الممكن من أزمة نموذج الاقتصاد المُعال بالمساعدات والقروض. وهو مخرج ليس ممكناً، بسبب تعارضه الشديد مع مصالح الطبقة الكمبرادورية الحاكمة، ما يجعل إسقاطها ضرورة وطنية راهنة. فهل تحقيق هذه الضرورة ممكن في المدى المنظور؟ هذا هو السؤال المطروح على الحراك الأردني.




هاجسان: هجرة فلسطينيي سوريا وتوطّن «القاعدة»

بدأت قناة «الجزيرة» القطرية، الأسبوع الماضي، حملة لإجبار الحكومة الأردنية على استقبال اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا. ليس لدى مكتب «الجزيرة» في عمان دوافع إنسانية، لكنه ينفّذ أوامر الدوحة بممارسة المزيد من الضغوط المعنوية على دمشق، وتظهير فلسطينيي سوريا كجزء من المضطهدين المؤيدين للمعارضة المنادية بإسقاط النظام السوري.
كما هو معروف، فإن المعادلة الديموغرافية السياسية في الأردن حساسة للغاية، بحيث إنها لا تحتمل استيعاب المزيد من الخلل مهما كان السبب، حفاظاً على السلم الأهلي، بينما تمهيد الطريق إلى تسوية داخلية على أسس وطنية اجتماعية ديموقراطية سوف يكون مستحيلاً إذا ما شهد الأردن موجة لجوء فلسطينية جماعية جديدة، ستكون السابعة بعد الـ 1948 من فلسطين جراء الاغتصاب، والـ 1967 من الضفة الغربية جراء الاحتلال، والـ 1982 من لبنان جراء العدوان الإسرائيلي، والـ 1987 من الضفة جراء قمع الانتفاضة الأولى، والـ 1991 جراء حرب الخليج الثانية، والـ 2000، جراء قمع الانتفاضة الثانية.
لقد استغلّ عشرات الآلاف من السوريين وجود حاضنة لجوء سياسية تستقبلهم في الأردن، لتأمين سياق ملائم لهجرة ذات دوافع اقتصادية، لا علاقة لها بالظروف الأمنية القائمة في سوريا. وهو ما سيؤدي، في المدى المنظور، إلى المزيد من الضغوط الاقتصادية والمالية على البلاد، لكن من الناحية السياسية، يظل اللاجئون السوريون خارج المعادلة السياسية المحلية، وتظلّ الإمكانية القانونية والسياسية لترتيب عودتهم إلى سوريا ممكنة، بينما يدخل أي لاجئ فلسطيني إلى الأردن، تواً، في المعادلة السياسية المحلية.
حتى الآن، تسرّب المئات من فلسطينيي سوريا للإقامة في الأردن، وأعلنت الأونروا عن قيام 480 منهم بتسجيل أنفسهم رسمياً لديها، لكن الحكومة الأردنية ما تزال تتحفّظ على السماح بلجوء جماعي من بين صفوفهم.
بطبيعة الحال، لا يعترض ديموقراطي أردني يستحق هذه الصفة، على استقبال أي لاجئ فلسطيني مسالم يتعرّض للقمع في سوريا، لكن اللجوء الجماعي لأغراض سياسية أو لجوء مشاركين في عمليات إرهابية في سوريا، ليس مقبولاً إلا من قبل الإخوان المسلمين والخلايا الاستخبارية القَطرية الناشطة في البلاد، بصفة إعلاميين وباحثين ودعاة ليبراليين الخ.
الحملة القَطرية لاستقدام فلسطينيي سوريا إلى الأردن، تهدف، على المدى القصير، إلى إحراج السوريين، لكنها، على المدى الأبعد، تهدف إلى فرض واقع سياسي جديد في الأردن المطلوب منه التحوّل إلى مركز تجميع للاجئين الفلسطينيين من كل مكان آخر، وفرض الوصاية الإخوانية ـــ الحمساوية، وبالتالي القَطرية، على كتلة يُراد لها أن تشكّل الأغلبية، وتعيد صياغة الأردن وطناً بديلاً بعباءة إسلامية.
هاجس ثان يقلق السلطات في عمان، هو الخاص بتوطّن القاعدة في سوريا. صحافي أردني قريب من دوائر صنع القرار، كشف النقاب عن معلومات أمنية تقدّر عدد أعضاء «القاعدة» المتسربين إلى سوريا، بأكثر من ستة آلاف. وقال فهد الخيطان في مقال نشرته صحيفة «الغد» الأردنية (السبت، 2 حزيران 2012) إن المعلومات المؤكدة تشير إلى أن القسم الرئيسي منهم قد تسلل إلى الأراضي السورية من العراق.
وعلى رغم سنوات الصراع مع «القاعدة» المتوطّنة لدى الجار العراقي منذ 2004، فإن مخاوف الأمن الأردني إزاء توطّنها لدى الجار السوري هي الآن أكبر بما لا يُقاس. فالمناطق الحدودية بين البلدين متداخلة وآهلة بالسكان، ما يجعل تسرّب «المجاهدين» إلى الأردن، ميسوراً وباعثاً، بالتالي، على القلق.
ونقلت مصادر عن الدوائر الأمنية الأردنية تركيزها، اليوم، على إجراءات مشددة للحيلولة دون أن يكون الأردن الهدف التالي لـ«القاعدة». وإلى ذلك، فإن المسؤولين الأردنيين مستاؤون للغاية من مستجدات تدفق الأسلحة بكميات غير مسبوقة إلى الداخل السوري، ما يسمح بإدامة صراع أهلي مديد.
وتراقب السلطات بدقة محاولات تهريب السلاح إلى سوريا، عبر الأراضي الأردنية، وتسعى إلى قفل هذا المنفذ كلياً. وكانت عمان قد رفضت طلباً سعودياً بالمساعدة على تسليح المعارضة السورية، ما ألقى بظلال من التوتر على العلاقات بين البلدين، وعقّد تنفيذ قرار سعودي بتقديم منحة مالية للأردن بقيمة مليار دولار.



ثروات يأكلها الشريك الأجنبي والفساد



الأردن بلد غني بخام الفوسفات. وهو يحتل الموقع الثالث عالمياً من حيث الاحتياطيات. يُستخدم الفوسفات، من بين استخدامات أخرى، في تصنيع الأسمدة الزراعية، ويمكن استخلاص مادة اليورانيوم من بعض أصنافه.
عام 2007، وفي إطار مشروع الخصخصة، جرى بيع 37 بالمئة من أسهم شركة الفوسفات الأردنية، بسعر تشجيعي، إلى شركة أوف شور مسجلة في جزيرة جيرزي البريطانية، أُثير الكثير من الجدل حول ملكيتها، إذ أصرت الحكومة على كونها مملوكة من سلطنة بروناي، بينما شككت عدة جهات بأنها مملوكة لمتنفذين أردنيين. في كل الأحوال، تضمن عقد خصخصة الفوسفات منح الشركة حقوقاً احتكارية خلافاً للدستور، ومنح الشريك الاستراتيجي حق الإدارة خلافاً للقانون، وخفض رسم التعدين إلى دولارين، خلافاً لمتوسط الرسم العالمي. ولذلك كله، أوصت لجنة تحقيق نيابية بفسخ عقد الخصخصة واستعادة ملكية وإدارة شركة الفوسفات. وبقيت هذه التوصية في
الأدراج.
في ملفين فقط من ملفات شركة الفوسفات المعروضة للتدقيق، تبيّن «ضياع» مئات ملايين الدولارات، خلال الفترة من 2009 إلى 2011، أولهما ملف عقد بيع فوسفات خام عالي الجودة (سعره بين 150 و210 دولارات للطن) على أنه منخفض الجودة (وسعره بين 80 و85 دولاراً للطن) بفارق سعر للكمية قدره 200 مليون دولار، وثانيهما عقد مع شركة «أسترا غلوبل» ومقرها دبي، يعتمدها كوسيط احتكاري لبيع مادة السماد الأردني بفارق سعر ـــ لمصلحتها ـــ قدره 172 دولاراً للطن الواحد.
لكن المأساة تظل تكمن في الخصخصة نفسها. فهي فوّتت على الخزينة، منذ عام 2007، مئات الملايين التي ذهبت بلا جدوى لمصلحة الشريك الأجنبي/ المحلي الذي لم يفعل شيئاً سوى حصد الأرباح وتمكين الفساد من التفنن في حصد مئات أخرى من الملايين في بلد يعاني من المديونية والعجز بحيث إنه سيضطر إلى حرمان فقرائه من الخبز الرخيص.
يُراد من الخصخصة، نظرياً، ما يلي: ضخ الأموال، تطوير التقنيات والمهارات والخبرات، تفعيل الإدارة، التوسّع، وفتح الأسواق الخارجية. وهي، كلها، لم تحدث في خصخصة الفوسفات. فقد اشترى الشريك الاستراتيجي 37 بالمئة من أسهم الشركة وحق إدارتها واحتكارها، ولم يطوّر شيئاً في عملها سوى أساليب الفساد، ولم يفتح لها أسواقاً جديدة، بل قيّدها بوسطاء يحققون الأرباح المضمونة الطائلة على حساب البلد. وقد بينت دراسة رسمية أن أرباح ما بعد الخصخصة، نجمت عن ارتفاعات متتالية، متوقعة قبل الخصخصة، في الأسعار العالمية للفوسفات الخام الذي ارتفع سعر طنه من 45 دولاراً عام 2006 إلى 135 دولاراً عام 2007 إلى 430 دولاراً عام 2008. وهي ارتفاعات غطت الأرباح وموّهت على الفساد معاً.
ولتكوين فكرة عن حجم الدخل المهدور ـــ بالفساد أو بسوء الإدارة أو بكليهما معا ـــ من تصدير خام الفوسفات عبر تلزيم شركات وسيطة، يمكن مراجعة ميزانية شركة الفوسفات للعام 2011، حيث تقول الأرقام إن الشركة باعت طن الخام، خلال العام المعني، بسعر 84 دولاراً، بينما سعره العالمي 175 دولاراً. وبحساب الكميات المصدّرة، يتضح أن «جهة ما» حصدت، خلال عام الربيع الأردني، 682 مليون دولار فساداً صافياً.
وبالاستناد إلى المعطيات السابقة، وتقديرات الخبراء، فإن إعادة السيطرة الحكومية على تعدين الفوسفات وتصنيعه وتسويقه، يمكنها أن تزوّد الخزينة بحوالى مليار دولار إضافي، يذهب الآن لمصلحة زمرة من رجال الأعمال والسياسيين المتنفذين.
وبينما لا يزال الحراك الشعبي يطالب بإلغاء اتفاقية خصخصة الفوسفات الإذعانية، فوجئ الأردنيون، نهاية الأسبوع الماضي، بإبرام اتفاقية إذعان جديدة مع شركة «بريتيش بتروليوم» لاستغلال الغاز الأردني، بشروط مجحفة بصورة لاعقلانية، بحيث لا يمكن تفسيرها إلا بكونها عملية فساد.
يبلغ الاحتياطي الأردني المقدر من الغاز حوالى 450 مليون متر مكعب. وتمنح الحكومة الأردنية، بموجبها، لشركة «بريتيش بتروليوم»، امتيازاً شاملاً يتضمن التنقيب والإنتاج والبيع، مقابل ضريبة دخل مقطوعة قيمتها 15 بالمئة فقط تدفعها الشركة للخزينة. وتمثّل هذه النسبة الضريبية، كل حقوق الأردنيين في ثروتهم من الغاز الطبيعي، فالاتفاقية، التي صادق عليها البرلمان جراء ضغوط سياسية من داخل النظام، تعفي «بريتيش بتروليوم» من رسوم التعدين ومن أية رسوم أو ضرائب أخرى، ومن الالتزام بتشغيل العمالة المحلية، أو الالتزام بأي من القوانين الأردنية، «الآن وفي المستقبل»، لكن الشركة التي ستبيع الغاز الأردني للأردن، بالأسعار العالمية، سوف تمنح 2 بالمئة من قيمة إنتاجها لشركة البترول الوطنية، عندما يتجاوز إنتاج الغاز 300 مليون متر مكعب سنوياً.
وتعدّ هذه الاتفاقية ـــ التي واجهت، لدى إعلانها، احتجاجاً غاضباً من «ائتلاف العشائر الأردنية» ـــ أسوأ اتفاقيات الشراكة مع المستثمرين الأجانب حتى الآن. والأسوأ أنها تتم بعد سنتين من الاحتجاجات الشعبية المتواصلة ضد الخصخصة والفساد، ما يجعل المراقب في حال من الدهشة إزاء نظام مصرّ على نهج سوف ينسف كل إمكانية للمصالحة الداخلية، بينما يواجه أخطر الاستحقاقات الدولية والإقليمية.