من المتفق عليه فقهاً واجتهاداً ان الدساتير تعتمد في الدول الديموقراطية لقوننة التجاذبات السياسية، لأن الدساتير في النهاية انما تشكل الميثاق المشترك بين مكونات الوطن الواحد، ومنه تستنبط الآليات والضوابط التي يجب تطبيقها في سبيل الحفاظ على هذا الميثاق المدون. في طليعة تلك الضوابط تسمية مرجعية دستورية دون غيرها تتولى مسألة السهر على حسن تطبيق احكام الدستور، والسهر على وحدة وسلامة الوطن. لذا جاء الدستور اللبناني ليوكل هذه المهمة الى فخامة رئيس الجمهورية (م49) دون غيره من السلطات، لا بل ألزمه القسم أمام البرلمان بيمين الاخلاص للأمة والدستور (م50).


ونظراً لأهمية القسَم، نذكّر فقط بالنقاش الدستوري الذي دار ايام الرئيس الراحل الياس سركيس وكيف له ان يتسلم سدة الرئاسة دون حلفه اليمين الدستورية!!! من هنا نرى وجوبية تلبية دعوة رئيس الجمهورية إلى الحوار، لأنه ليس خافياً على أحد دقة المرحلة والخوف من تداعياتها على الكيان وعلى الدستور، والتي كانت وراء هذه الدعوة التي من المفترض تلبيتها على الأقل في ما يتعلق بانعقاد الجلسة الأولى، وذلك لعدة اسباب أولها دقة المرحلة وخطورتها، وثانيها المسؤولية الدستورية بالحفاظ على الوطن التي اناطها الدستور بفخامة رئيس الجمهورية.
في هذا السياق لا بد لنا وعلى سبيل المثال، من التذكير أن رئيس الجمهورية يتمتع بعدة صلاحيات دستورية يقررها بملء ارادته وان كانت صيرورتها (تجسيدها بمراسيم) تقتضي المشاركة في توقيعها من قبل رئيس مجلس الوزراء، لكن الضرورة الى الحوار التي تمليها الاجواء الضاغطة على الوطن، تعتبر من الصلاحيات التي يعود له وبقرار شخصي ــ وفق الاعراف الدستورية ــ الدعوة اليها لكي تتشارك المكونات السياسية في الوصول الى الحل الملائم. لهذا نقول ان هذه الدعوة لا يمكن رفضها ــ على الأقل ــ من قبل المكونات السياسية المشاركة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، لأن رئيس الجمهورية وحسب الدستور هو رئيس الدولة التي تتكون بالدرجة الأولى من هاتين السلطتين، وهنا لا بدّ من التذكير بالفقرة 10 من المادة 53 التي أعطت الحق الدستوري لرئيس الجمهورية «عندما تقتضي الضرورة بتوجيه رسائل الى مجلس النواب». بالطبع ان الظروف التي تقضي بتوجيه رسالة الى مجلس النواب تكون على صلة بوقائع واحداث دقيقة يتعرض لها الوطن ولا تكون مجرد رسائل عادية او لكسب الوقت في الأزمات السياسية.
هذه المادة (53) التي عدّلت بموجب اتفاق الطائف حيث ادخلت هذه الفقرة عليها، نرى ان المشرع الدستوري اللبناني ــ وللأسف ــ لم يعطها القوة الالزامية المنصوص عنها في المادة 18 من الدستور الفرنسي التي فرضت على المجلسين (النواب والشيوخ) الاجتماع الفوري للاستماع الى الرسالة الموجهة من الرئيس الفرنسي، وذلك من دون أي مناقشة، أو حذف لأي فقرة منها، والتي تنشر حكماً في الجريدة الرسمية بعد تلاوتها أمام المجلسين، من هنا تتبدّى أهمية الرسائل التي يوجهها رئيس الجمورية الى البرلمان، إن في فرنسا او في لبنان.
علينا ان نحافظ على الصلاحيات الدستورية (العرفية) لرئيس الجمهورية خاصة عندما تكون لمواجهة أدق الظروف التي تهدّد الكيان والوطن كما هي الحال مع الدعوة الحالية إلى الحوار بهدف السعي إلى التوافق لاجتراح مخرج ــ رغم استحالته ــ يمكّننا، وبتوافق بحدّه الأدنى، من انقاذ الوطن وتحصينه من العواصف المتعددة التي تحصل في محيطه القريب والبعيد على حد سواء، لأن أي تأخير في الوصول الى مثل هذا التوافق قد يعرض الكيان للخطر والمجهول. لن اطيل في شرح المزيد من الوجوبية السياسية التي تقضي بتلبية هذه الدعوة، إذ مع كامل تقديري لكل المكونات السياسية ونظرتها الى نتائج هذا الحوار ــ حيث يذهب البعض منها الى المجاهرة بعدم جدواها، وهذا حق دستوري وديموقراطي لكل منها ــ، يبقى ان نقول ان تلبية الدعوة الى الحوار هي واجب دستوري ــ وان كان غير منصوص عنه في الدستور وغير ملزم ــ علينا التقيد به كقادة سياسيين قبل عامة الشعب، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الصلاحيات الدستورية ــ القليلة ــ التي حفظها الدستور لفخامة رئيس الجمهورية. أضف الى كل ذلك الخطر الواضح الذي يهدد الوطن والذي لا يمكن التصدي له إلّا بالتوافق والتضامن بحدّه الأدنى بين مختلف الاطراف والمكونات اللبنانية. وعليه نتمنىّ عدم اضاعة فرصة الحوار هذه التي باركتها بعض المراجع الاقليمية والدولية، كونها تشكل الفرصة الأخيرة لحماية الوطن، لا سيما ان المشاركة في الحوار من شأنها التخفيف من احتقان الشارع، الذي هو في النهاية ــ أي الاحتقان ــ يشكل الخطر الداهم على السلام الأهلي والوحدة الوطنية، التي هي ضالة كل مكون (سياسي) من مكونات هذا البلد صغيراً كان أو كبيراً، لأنه لا مصلحة لأي مكون، ولجمهوره، في انهيار السلم الأهلي رغم الهشاشة المتحكمة فيه، لأن الناس لم تعد قادرة على التحمل أكثر مما هي عليه.
* عميد دكتور ــ رئيس هيئة الاركان الأسبق
في قوى الأمن الداخلي