مع مطلع حزيران الجاري، بدا وكأنّ الإخوان المسلمين الأردنيين في حُمّى لاستدراك الخروج من مأزق الأفول. خلال أسبوع واحد، وجّهوا ثلاث رسائل، أكثرها سخونة وقفة احتجاجية هي الأولى في مخيم فلسطيني منذ بدء الحراك الشعبي الأردني في 2010، وثانيتها لقاء اعتذار وتبادل للرأي مع ممثلي مجموعات حراكية من المحافظات وأحزاب المعارضة من الحلفاء السابقين الغاضبين على «الجماعة» بسبب «انتهازيتها»، وثالثتها رسالة قطيعة مع حكومة فايز الطراونة، واستعداد للحوار، بالمقابل، مع مركزَي القرار في النظام؛ القصر والاستخبارات.


بالخلاصة، حُمّى «الإخوان»، على ارتفاعها وتلويحاتها المهدّدة بتفجير الموقف من نقاطه الحساسة، تظلّ تدور في التكتيكات المعتادة من الضغوط من أجل التوصل إلى تفاهمات شراكة مع النظام. هل تثمر هذه المرة؟ سنتوقف عند كل رسالة من رسائل «الإخوان» المحمومة، ونحلل دلالاتها ونستعرض تفاعلاتها. لكن دعونا أولاً نستعيد خلفيات المشهد.
أواخر صيف 2011، بدا وكأنّ «الإخوان» في موقع يسمح لهم بتصعيد صدامي مع قوى النظام؛ وربما سرت بين صفوفهم، وقتذاك، فكرة الانتفاضة، لكن سرعان ما انتقلوا إلى حوار حميم مع حكومة عون الخصاونة الذي أعلن، فور تكليفه في خريف ذلك العام، اعترافه بالإخوان بصفتهم الشريك السياسي الرئيسي للمرحلة الانتقالية. لكن أشهر حكومة الخصاونة الستة تبددت في حوارات الكواليس، بينما كانت التطورات السياسية الفعلية تحدث في أمكنة أخرى:
- كان النظام يعيد ترتيب صفوفه وأدواته السياسية والأمنية ويوحّد قواه، متوصلاً في ربيع 2012 إلى تشكيل حكومة تقليدية تمثّل إجماع القصر والبيروقراطية وامتداداتها العشائرية القديمة والجهاز الأمني، هي حكومة فايز الطراونة.
- كانت مجموعات الحراك الشعبي في المحافظات، رغم التراجع النسبي في نشاطاتها، تطوّر رؤية وطنية اجتماعية خاصة بها، ويضمر بعضها العداء للإخوان ـ تحت مؤثرات قومية ويسارية وعشائرية ـ ويلوك بعضها، من تلك التي ارتبطت سابقاً بتحالفات مع «الإخوان»، مشاعر الخيبة والمرارة من «خيانتهم» للحراك، وإدارتهم الظهر لقضاياه (ومن بينها التضامن مع معتقليه) إلى مساعي عقد صفقة العمر التي تمنحهم موقع الشريك في الحكم.
حتى الحليف السياسي الرئيسي للإخوان، زعيم «الجبهة الوطنية للإصلاح»، أحمد عبيدات، وجد أخيراً أنّه ربما يكون أصبح مضطراً لإجراء تعديلات في خطابه السياسي، تجتذب جماهير المحافظات ونشطاءها، فأعلن أنّه يدرس اتخاذ موقف حاسم من المسائل الخلافية حول الهوية الوطنية والمواطنة والتجنيس السياسي.
صادف التغيير الحكومي المضادّ للإخوان، انشغالهم بالانتخابات الداخلية التي فجرت صراعات عميقة بين القوتين الرئيسيتين في صفوفهم: تحالف الجناحين الأصولي والحمساوي من جهة، والجناح الوطني الإصلاحي من جهة أخرى. وتمخضت تلك الانتخابات عن استيلاء الأصوليين والحمساويين على كامل مواقع القرار في الجماعة وحزبها، حزب جبهة العمل الإسلامي.
في الرسالة الإخوانية الأولى، تلويح بالغ الخطورة باستخدام المخيمات في الصراع السياسي الداخلي. ينبغي التوضيح هنا، أنّه ليس صحيحاً أنّ أبناء المخيمات لم يشاركوا في الحراك الشعبي منذ بداياته. بالعكس، لطالما شاركوا في حراك عمان والزرقاء، ونسبياً في إربد. كذلك، فإنّ عدداً من النشطاء الشباب في الحركة الوطنية الجديدة هم مواطنون من أصول فلسطينية، يعرّفون أنفسهم بوصفهم «وطنيين أردنيين»، ويُظهرون في نشاطاتهم وتعليقاتهم وصلاتهم مع المحافظات إخلاصاً وحماسة مميّزين للقضية الوطنية والاجتماعية الأردنية. وبالمقابل، فإنّ معظم قيادات الحراك الأردني، يلحّ على ضرورة وأهمية مشاركة كل كادحي الأردن ـ بلا استثناء ـ في الحركة الشعبية، في سياق تحقيق الاندماج الوطني على أساس وحدة الشعب ووحدة هويته ووحدة حركته الوطنية التي ترفض الثنائية والمحاصصة.
أبناء المخيمات، إذاً، شاركوا، ويشاركون في النضال السياسي والاجتماعي في البلاد، لكن المخيمات هي التي لم تشارك. وهو موقف لا ينمّ عن السلبية كما يدعي البعض، ولا عن الخوف كما يدعي آخرون، وإنما ينمّ عن وعي عميق بالتمييز بين أبناء المخيم وهم مواطنون أردنيون وجزء من الشعب الأردني وحراكه، وبين المخيم نفسه الذي هو عنوان فلسطيني مرتبط بحق العودة، فلا يجوز أن يكون ـ كمكان وعنوان ـ محلاً لعمل سياسي غير فلسطيني.
هذه هي المعادلة المبدعة التي توصل إليها النشطاء الشباب من أبناء المخيمات: مشاركة خارج المخيم تعبيراً عن المواطنة، وحياد داخل المخيم تعبيراً عن رمزيته الفلسطينية، وتلافي استخدامه من قبل الأطراف السياسية.
التزم الإخوان المسلمون، هم أيضاً، خلال السنتين الماضيتين من التحركات الاحتجاجية، بتلك المعادلة. فلطالما حشّدوا من المخيم إلى الشوارع والميادين المفتوحة للجميع، ولكنهم لم يحشّدوا داخل المخيم المغلق على قضية يرى أبناؤه أنها أكبر وأخطر من أن تدخل في معترك السياسة اليومية، خصوصاً في ظل التوافق الوطني القائم على تلافي الحساسيات الانقسامية.
يوم الجمعة 1 حزيران 2012 ، تراجع «الإخوان» عن هذا الالتزام، ونظموا فعالية احتجاجية خاصة في مخيم الحسين، تحت شعار رفض رفع الأسعار، لكن خطابهم ركّز على ما سموه «تهميش المخيمات»! وهو خطاب من شأنه أن يوقد حطب الصراع الأهلي حول قضايا مفتعلة مثل المحاصصة والحقوق السياسية المنقوصة للأردنيين من أصل فلسطيني... الخ.
مسافة قصيرة قد تقود هذا الحدث من دائرة التلويح بالقدرات، إلى كونه استراتيجية جديدة للتموضع السياسي في المخيمات، واستخدامها في معارك «الإخوان» السياسية مع النظام من جهة، ومع الحركة الوطنية الاجتماعية في المحافظات من جهة أخرى. ولذلك، فقد جوبه النشاط الإخواني في مخيم الحسين بسيل من المقالات والتصريحات المضادة من قبل مختلف الأوساط السياسية، بما فيها قيادات سياسية في المخيمات.
نستطيع القول إن احتكار العناصر الأصولية والحمساوية لمواقع القرار في الحركة الإخوانية الأردنية كان سيقود حتمياً إلى تغيير في الأولويات والمعايير والحسابات. فالأصوليون والحمساويون ليس لديهم مكان سياسي إلا في المخيمات وامتداداتها الجغرافية والسكانية. ومن الطبيعي أنهم سيلجأون إلى استخدام نقطة قوتهم هذه. وهي، بالذات، نقطة الضعف لدى العناصر القومية واليسارية التي خسرت معظم حضورها في المخيمات، كما هي نقطة الضعف لدى الحركة الوطنية الأردنية التي فشلت في تحقيق اختراق وازن في صفوف الأردنيين من أصول فلسطينية، في موازاة فشل «الإخوان» في تحقيق اختراق ذي معنى في المحافظات. محاولات «الإخوان» في المحافظات، جرت في بيئة اجتماعية وسياسية معادية، ولذلك سَهُلَ التصدي لها. لكنهم ينتقلون اليوم للتحرك في بيئة صديقة، ويساومون بورقة المخيمات الخطرة، لا النظامَ وحده، وإنما أيضاً الحراك الشعبي المطروح عليه الالتحاق بالقيادة الإخوانية أو الانقسام المدمر. هنا نصل إلى الرسالة الإخوانية الثانية التي تلت الأولى من حيث الزمن (هل هو تتابع مقصود؟)، فيوم الثلاثاء 5 حزيران، استضاف «الإخوان»، ممثلين عن مجموعات حراكية ومعارضة، تحت شعار يتضمن الاعتذار والسعي إلى استعادة التحالف، هو «نفكر معاً». لكن البيان الذي أصدره «الإخوان» عن اللقاء، كان صريحاً في القول: نفكّر وحدنا! فقد كرر البيان مطالب تتركز حول النظام الانتخابي الذي يؤمّن لهم حضوراً وازناً في البرلمان، ويضمن مشاركتهم في الحكم والقرار. وبالمقابل، فإن البيان لم يتطرق إلى أولويات برنامج الحراك الشعبي، كالتصدي للفساد، إلا على الهامش، بينما تجاهل كلياً مطالب اسقاط النهج النيوليبرالي والتراجع عن الخصخصة وتنمية المحافظات ووقف التجنيس السياسي والتصدي للمخططات العدائية الإسرائيلية ومعاهدة وادي عربة الخ. وهي كلها مطالب تتناقض مع الخط السياسي للإخوان وتفاهماتهم العميقة مع الغرب والخليج، وكذلك فهي تصعّب عليهم لاحقاً التفاهم المأمول مع النظام.
لم يحدث لقاء «نفكر معاً» فرقاً سياسياً يُذكَر في المحافظات، وظهرت أصداؤه في يوم الجمعة التالي، في الموعد الأسبوعي للتحركات الاحتجاجية، باهتة. فالدعوة الإخوانية لممثلي المجموعات الحراكية لم تتعدّ تلك التي كانت قد تحالفت معها سابقاً وفقدت الحماسة لمثل هذا التحالف أو تلك التي فبركها «الإخوان» من بين أعضائهم ومنحوها عناوين جهوية أو عشائرية. بينما بقي الجسم الرئيسي للحراك الشعبي على خطه السياسي المستقل، متمركزاً حول الصراع الوطني الاجتماعي، ومحتفظاً بشعاراته المتحدية للقصر، والتي تزداد عنفاً بسبب موجة جديدة من المصاعب المعيشية.
يرى نشطاء الحراك الشعبي أن حل الأزمة الاقتصادية والمالية، يتم على حساب الفقراء والكادحين، بينما لم تتم حتى الآن أية محاكمات جدية للفاسدين، ولم يجر التوصل إلى معالجة أي من ملفات الفساد الكبرى، وأُسدل ستار من التجاهل الكامل لمطلب مراجعة خصخصة الشركات في القطاعات الاستراتيجية. ولا تلتقي هذه الرؤية الشعبية للصراع مع رؤية الإخوان المسلمين التي تلهث وراء صفقة مناسبة حول النظام الانتخابي.
لم يستطع «الإخوان» أن يفرضوا شعار «هدفنا واحد» على تحركات الجمعة. ولعل ذلك الفشل ليس سوى تعبير بسيط عن الواقع، فالهدف ليس واحداً. وقد تجلت هذه الحقيقة ساطعة في إربد في شمال البلاد، مرتين خلال 24 ساعة فقط. ففي مساء الخميس 7 حزيران، اعتدت عناصر من الإسلاميين والمعارضة السورية على مهرجان قومي يساري مؤيد لدمشق، وفي ظهيرة اليوم التالي، هتف نشطاء في الحراك الشعبي خلال مسيرة ضد «الإخوان»، خصوصاً ضد ما يعتبرونه «مواقف مشبوهة» إزاء الهوية الوطنية والتأييد الضمني للتجنيس والمحاصصة السياسية.
وفي الرسالة الإخوانية الثالثة، مسعى صريح لعزل حكومة البيروقراطية التقليدية برئاسة فايز الطراونة سياسياً، وبالمقابل محاولة إغراء الملك والجهاز الأمني بالحوار والتفاهم. ويأمل «الإخوان» من هذه الرسالة ـ التي تتطابق في مضمونها مع استياء الأميركيين من عودة «المحافظين» الأردنيين إلى الحكم ـ تفكيك وحدة مراكز القوى في النظام السياسي، بما يخلق مناخاً ملائماً لتحصيل مكاسب سياسية.
وسنرى ما إذا كان القصر أو الاستخبارات، سيحاوران «الإخوان» مباشرة أم أنهما سيلحّان على أنّ الدوار الرابع (مقر رئاسة الوزراء) هو المكان الوحيد للحوار؟ ولكن، ومن دون لقاء مباشر، فقد قام الملك بمبادرة ودية غير مباشرة نحو «الإخوان» وواشنطن معاً حين التقى يوم الأربعاء 6 حزيران أعضاء البرلمان وحثهم على الإسراع بإنجاز قانون انتخابات «مرض للجميع»، منتقداً بصورة ضمنية، التوجهات النيابية للإبقاء على جوهر النظام الانتخابي السابق مع تعديلات هامشية، بما يضمن خفض التمثيل النيابي لكل من «الإخوان» وقيادات المعارضة الجديدة معاً. ولا تبدي قوى الحراك الشعبي اهتماما جديا بإجراء تعديلات جوهرية على النظام الانتخابي الحالي، لسببين، أولهما، أنّ هذا النظام يضمن مكتسبات قائمة فعلاً في التمثيل النيابي للمحافظات، لا يمكن تجاوزها، وثانيهما، فقدانها الثقة بجدوى البرلمانية وطموحها إلى تغييرات ديموقراطية اجتماعية عميقة.




مفاعيل ظاهرة حمدين صباحي تصل الى عمان

هدية ثمينة قدّمها الشعب المصري للتيارات القومية واليسارية الأردنية، تتمثل في احتلال المرشح الناصري، حمدين صباحي، موقعاً ثالثاً منافساً بشدة في الانتخابات الرئاسية المصرية.
فجأة، ظهرت القوة الثالثة المأمولة في أكبر بلد عربي، إذ بدا أنّ الإخوان المسلمين يكتسحون بلا منافسة جدية إلا من قبل النظام، في تأكيد جديد على سيطرة الاستقطاب الثنائي في الحياة السياسية في مصر، وهو الكابوس نفسه الذي يهدد التقدم الأردني.
صباحي منح الثقة والأمل وقوة الدفع لإمكانية توحيد شتات طيف واسع من القوى الشعبية الوطنية والتقدمية والإسلامية المستقلة والأوساط الثقافية، في قطب ثالث يسمح بالتعددية السياسية الفعلية.
بالمقابل، شكّل الاعتراف الشعبي المصري بمركز قيادي للحركة الوطنية يتمثل في زعامة صباحي، ضربة موجعة للإخوان الأردنيين الذين جابهوا المفاجأة المصرية بالصمت المطبق. وبدلاً من الاحتفال بفوز المرشح الإخواني، محمد مرسي، إلى جولة الإعادة مع مرشح النظام، أحمد شفيق، بدأوا باستخدام لهجة توافقيّة، مدارين حرجهم من الصورة الجديدة لمصر منشقة بين قوى النَظْمة المسيطرة ـــ وقد ظهر بوضوح أنّ الإخوان جزء منها ـــ وبين قوى التغيير الديموقراطية المتعددة الأطياف ويقودها ناصريّ.
اختصرت الدينامية السياسية للمشهد المصري الكثير من النقاشات حول النهج الإخواني؛ فالمقارنة ـــ التي أصبحت اليوم ذات معنى ـــ بين برنامجي صباحي ومرسي، أوضحت الفارق النوعي بين النزعة الإخوانية المحافظة (من حيث قبولها بالنموذج الاقتصادي الاجتماعي النيوليبرالي) والانتهازية (من حيث استعدادها لعقد الصفقات مع قوى النظام والغرب الإمبريالي وإسرائيل)، وبين النزعة الوطنية الشعبية الطامحة إلى صيغة تنموية وطنية مقيدة بالديموقراطية الاجتماعية، كما إلى بناء مصر مستقلة.
من الأداء المتدني المستوى والانتهازي للبرلمان الإخواني/ السلفي، إلى الإلحاح على المشاركة في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية ـــ بما يكرّس، في الواقع، النظام القديم ـــ إلى المناورات المكشوفة إزاء الموجة الثورية الجديدة في مصر، ورفض مطلبها تشكيل مجلس رئاسي مدني، تشكلت صورة للإخوان المصريين ألقت بظلالها القاتمة على نظرائهم الأردنيين. وفي تقديري أنّ هذه الصورة سيكون لها تأثير جدي على نتائج الانتخابات التشريعية الأردنية المنتظرة في خريف العام الجاري.



الأمير حسن في دور جديد



يُقال في عمان إنّ السفير الأميركي أبدى انزعاجه الشديد بسبب تصدّر وليّ العهد الأسبق، عمّ الملك عبد الله الثاني، الأمير حسن، استقبال الحفل السنوي بعيد الاستقلال في 25 أيار، كتفاً إلى كتف مع ابن أخيه الراحل الملك حسين. لا أحد يعرف كيف تسرّب تقرير السفير الأميركي الغاضب إلى واشنطن، لكنّه كان مناسبة لمقال غامض يتحدث عن «معركة وجود» يخوضها الملك في مواجهة ضغوط أميركية وخليجية معادية، تستهدف الإفادة من الانشقاق السياسي الحالي بين النظام وقاعدته التقليدية المتمردة من العشائر وحراكها المتعدد الأطر والعناوين، والمتمحور حول برنامج وطني اجتماعي.
ويشير المقال الموقع باسم حركي هو «بيتر سنو» إلى أنّ زيارات الملك الأخيرة لعدد من العشائر لم يكن لها هدف محلي، وإنما كانت رسالة إلى الخارج مفادها أنّ العلاقة بين الطرفين لا تزال قائمة، وأنّ الاعتراض يتم داخل النظام وليس ضده.
من دون تقديم تنازلات أساسية، يحاول الملك بالفعل وتحت تأثير الضغوط الخارجية والداخلية، إعادة بناء جبهة نظامه. وفي هذا السياق، تصالح الملك مع عمه الأمير حسن، وأوكل إليه دوراً خاصاً في ضمان وحدة العائلة المالكة من جهة، وإحياء العلاقة مع الأوساط العشائرية التي بدأ الأمير يجول عليها فعلاً، من جهة أخرى.
كان الأمير حسن، طوال العقود الثلاثة الأخيرة من حكم الملك حسين، الذي توفي في 1999، أكثر من ولي للعهد؛ كان شريكاً فعلياً في الحكم، وخصوصاً في الشؤون الداخلية. وكان من المنتظر أن يكون الملك التالي، لكن تم إقصاؤه بصورة دراماتيكية عن ولاية العهد قبيل وفاة الملك حسين، وتسمية عبد الله الثاني، ولياً للعهد وملكاً في غضون أيام. مذ ذاك، حوصر الأمير، وتم إبعاده عن أي دور سياسي، حتى أنقذه الربيع الأردني من العزلة. في البداية، تحرك في خلال لقاءات مع شخصيات معارضة تحت عنوان الإصلاحات الدستورية، قبل أن يستقطبه الملك للإفادة من رصيده لدى الأردنيين، وعلاقاته التقليدية المتشعبة مع قياداته. الظهور التلفزيوني الأول للأمير كان مخيّباً للآمال؛ فخلاله، ارتكب خطأ جسيماً جداً حين قارن، باستعلاء، بين آباء الهاشميين وآباء الأردنيين، ما أشعل حرباً كلامية ضده وضدهم. فالأمير، الغائب عن الميدان ما يزيد على العقد، لم يكن مدرّباً للحديث مع جمهور تجتاحه موجة راديكالية من الشعور الحساس بالذات والاعتزاز الوطني المستقل عن العائلة المالكة والنظام معاً.
قد يكون الأمير تعلّم درساً في فن مخاطبة الأردنيين الجدد، ساعياً في جولاته إلى إعادة نسج علاقة أصابها العطب، لكن من الواضح أنّ أطروحته السياسية الرئيسية ـــ كما يوضحها مقاله المسهب المنشور بمناسبة عيد الاستقلال ـــ ما تزال تنتمي إلى منطق الثمانينيات. إذ يمكن للمراقب أن يجزم بأنّ الأمير لم يستطع بعد أن يلاحظ عمق التغييرات التي شهدها المجتمع الأردني منذ إقصائه عن الحكم في 1999.
على سبيل المثال، فإنّ الكلام المثالي المسهب في تحفيز الأردنيين على التعاضد الأخوي، كان له بعض من معنى قبل ربع قرن حين كان الأردن بلداً تقليدياً بلا ملامح طبقية. لكننا اليوم نعيش في مجتمع طبقي، يسيطر 2 في المئة من أبنائه على 60 في المئة من الثروات والفرص، بينما أصبح لدينا ثلاثة ملايين من المفقَرين، بينهم 870 ألفاً من الذين تنطبق عليهم المعايير الدولية كجوعى، بمعنى أنّهم لا يحصلون على السعرات الحرارية والفيتامينات الكافية اليومية.
في الأردن اليوم عشرات من أصحاب المليارات ومئات من أصحاب مئات الملايين وآلاف من أصحاب الملايين وبورجوازية متنامية تلعب دور الوكيل للمصالح والاستثمارات الأجنبية. ونستطيع القول مطمئنين إنّ هذه الثروات الضخمة قد تم بناؤها على حساب الدولة الأردنية ـــ بالخصخصة والفساد ـــ وعلى حساب المحافظات والأغلبية الشعبية التي تم إفقارها وتهميشها، وقفل أبواب الفرص أمام أبنائها.
يغرق الأردن اليوم في مأزق مالي مستعص من المديونية العامة والعجز والفشل الاقتصادي. وهما مأزق وفشل ناجمان عن سياسات لم يُستَشَر الشعب الأردني فيها، بل إن قواه الحية طالما نددت بها وعارضتها. أفلا يستوجب الحس بالمسؤولية من أمير يحسب نفسه على الحساسية الثقافية النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ والإقرار بفشل النهج النيوليبرالي ومحاكمة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، قبل الطلب من الفئات الشعبية تحمّل المزيد من الأعباء والقبول بالتعاون؟
لكن، إلى ذلك كله، يقف المرء مندهشاً أمام نقطتين ذكرهما الأمير في مقاله، وتتعارضان، كلياً، مع وعي الأردنيين الجديد بوطنهم وشخصيتهم الوطنية.
النقطة الأولى هي الحديث عن الدولة الأردنية باعتبارها نتيجة لعوامل غير أردنية. وهذه العوامل موجودة بالطبع، وقلما توجد دولة حديثة لم تلعب العوامل الخارجية دوراً في قيامها. لكن الدولة الأردنية ـــ كما الدول الوطنية الأخرى ـــ لها نواتها الداخلية وشرعيتها الوطنية الخاصة بشعبها ومجتمعها وحركتها الوطنية. وهي حقيقة بديهية حُرمَت الدولة الأردنية من الاعتراف بها جراء الإلحاح الهاشميّ على كونها نتيجة فرعية للثورة العربية الكبرى، أو جراء الإلحاح الاستشراقي (المتبنى من قبل الدعاية الفلسطينوية) على كونها صنيعة الإنجليز، وأنّها «كيان عازل»، الخ. والصحوة الأردنية اليوم ترفض الخضوع لهذه الأفكار، وترى في الدولة الأردنية محصلة لإرادة ونضال الشعب الأردني منذ المؤتمر التأسيسي في أم قيس في 1920.
النقطة الثانية تتعلق بالعودة إلى مفهوم «الأصول والمنابت». وهو مفهوم يفترض أن الوطنية الأردنية هي وطنية جماعات من البدو والمهاجرين. وكان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، قد بلوره صراحة حين تحدث في البرلمان الأردني، في 1994، عن الأردن باعتباره كالولايات المتحدة «مجتمع مهاجرين». وهذا مناف للمعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ميزت البلد في إطار الشام، ويصطدم بالشرعية التاريخية للوطنية الأردنية المعبّرة عن مجتمع وسيادة وعلاقات وجغرافيا اجتماعية كانت قد تبلورت قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية.
الوطنية الأردنية ليست طاردة ولا متعصبة؛ فهي أدمجت المهاجرين الراغبين في بناها الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولكن تحت سيادتها، وفي إطار هويتها. لا منابت ولا أصول ولا هويات في الأردن، وإنما هوية وطنية واحدة ليس أمام أي مهاجر ـــ بغض النظر عن ظروف هجرته ـــ سوى الانضواء غير المشروط فيها، ووفقاً لمتطلبات الشرعية الوطنية التاريخية للتنمية والديموقراطية الاجتماعية والمواجهة مع الكيان الصهيوني ومشاريعه التوسعية. بالخلاصة، تجربة الأمير حسن تعود إلى رؤى وعلاقات فائتة. وهذا هو السبب في أنه سيفشل في إعادة بناء الجسور مع الأردنيين الجدد.



إسرائيل تستعد للاحتمالات على الجبهة الأردنيّة

للمرة الأولى منذ التوقيع على معاهدة السلام الأردنية ــ الإسرائيلية في 1994، تجري فرقتان من الجيش الإسرائيلي («الفولاذ» و«ياعيل») تدريبات على عبور نهر الأردن، تهدف إلى التصدي، في حالات طارئة، لقوات متقدمة من شرقيّ النهر للقيام بعملية عسكرية غربيّه أو الاشتباك مع قوات متموضعة شرقيّه.
التدريبات ــ التي كشفت عنها تصريحات إسرائيلية ومصادر أردنية ــ ليست مصمّمة لمجابهة مجموعات مسلحة، ولكن للتغلّب على قوات عسكرية نظامية، إذ اشتملت، أساساً، على تدريب مكثف على منظومة صاروخية مضادة للدبابات، وعلى عبور النهر في ظروف مواجهة عسكرية، بما في ذلك التدريب على استخدام القوارب المطاطية ونصب الجسور المتحركة ونقل المدرعات في ظروف قتالية كلاسيكية.
ولا يشمل التمرين الإسرائيلي تدريباً على تجاوز منطقة الغور لاختراق المرتفعات الجبلية الأردنية، علماً بأنّ الشريط الغوري ضيّق عموماً، ولا ينفسح في أكثر جهاته اتساعاً وعلى ضفتيّ النهر، بأزيد من خمسة عشر كيلومتراً. وشهدت بلدة الكرامة في الغور الأوسط، في 1968، معركة بالغة الضراوة، تمكنت خلالها قوات أردنية من صدّ هجوم واسع بالدبابات التي عبرت النهر شرقاً، وانتهت بوقوع خسائر فادحة في صفوف المنسحبين الإسرائيليين.
وكان الملك عبد الله الثاني قد أشار، غير مرة، إلى أنّ الجيش الأردني سيمنع بالقوة عملية تهجير قسرية يقوم بها الإسرائيليون لفلسطينيي الضفة الغربية باتجاه الأردن. وحسب خبراء، تتطلب عملية كهذه، من الجانب الإسرائيلي، تأمين منطقة عازلة شرقيّ النهر، بينما يتطلب منعها من الجانب الأردني عملية معاكسة، أي إقامة منطقة عازلة غربيّ النهر. والعمليتان المحتملتان إذاً محدودتان من حيث المدى والأهداف. وإذا كان لا يمكن فهم التمرين الإسرائيلي المعلن عنه إلا في هذا السياق، فإنّ احتمالاته ومضامينه تضع مهمة إعادة بناء السياسة الدفاعية الأردنية على بساط البحث.
يعدّ الجيش الأردني واحداً من أفضل الجيوش العربية من حيث التدريب والانضباط والقدرة القتالية، مع أنّه ليس أفضلها تسليحاً، إلا أنّه يحدّث أسلحته بانتظام ويصنّع بعضاً من المعدات العسكرية الحديثة في مشاغله.
لكن السياسة الدفاعية للأردن لا تستلزم، لحسن الحظ، ترسانة باهظة الثمن ليس ممكناً، على كل حال، تمويلها؛ بل هي تقوم على أساس التفوّق الجيوستراتيجي. ذلك أنّ قلب الأردن يتكوّن من سلسلة من المرتفعات الجبلية التي تشرف على الأغوار والأراضي الفلسطينية، ويمكن من مغاورها الطبيعية المحصّنة ضد القصف الجوي، إصابة أي موقع في فلسطين المحتلة بالمدفعية التقليدية أو بالصواريخ. وهو ما كان عماد حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش الأردني مع إسرائيل بين عامي 1967 و1970.
تنحدر المرتفعات الأردنية باتجاه الشريط الغوري الضيق انحداراً حاداً من الجروف الشديدة الوعورة التي تجعل تقدّم الدبابات المعادية مستحيلاً لدى توافر الحد الأدنى من شبكة مقاومة بالصواريخ المضادة للدبابات. وليس عن عبث سُمّيت الطريق العريضة التي جرى شقها بين عمان والبحر الميت «طريق السلام».
إنّها في الحقيقة طريق الحرب الإسرائيلية التي موّلها الأميركيون من بين طرق عدّة تحاول التغلّب على الجروف الحادة، تحت مسميات تنموية وسياحية. لكن مع ذلك، فإنّ طرق «السلام» تلك يمكن سدّها بسهولة أمام الدبابات أو المشاة في إطار خطة مقاومة.
كان رئيس الوزراء الأردني الشهير، وصفي التل، يرفض بعناد تنفيذ أيّ استثمارات في الشريط الغوري الأردني باعتباره ميدان القتال الأساسي للدفاع عن الأردن في مواجهة عدوان إسرائيلي. إنّ هذا الشريط يتحوّل إلى مصيدة للغزاة ومقبرة للآليات حالما تكون هناك قوة نيران دفاعية مفعّلة وفق تدرّج المرتفعات المطلّة.
بطبيعة الحال، يمكن التفوّق الجوي الإسرائيلي الكاسح أن يؤذي المدنيين والمنشآت في عمان والمدن الأردنية، لكن تأثيره على سير العمليات المحشورة في الشريط الغوري سيكون ضعيفاً للغاية، بينما يمكن التوصل إلى معادلة تل أبيب مقابل عمان، من خلال منظومة صاروخية تعوّض قوة الطائرات.
السياسة الدفاعية الفعّالة في الأردن لا تحتاج إلى الكثير من الأموال والمعدات، ولكن إلى الإرادة السياسية المستقلة والقدرة الاستخبارية، والتوّصل إلى بناء حركة مقاومة شعبية منضبطة ومتحالفة مع الجيش الوطني.