يبدو أنّ العسكر قرروا إنهاء الثورة والثورة المضادة معاً. هكذا، قبل اعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بساعات، رنت التليفونات المحمولة لنجوم الصحافة والتلفزيون: «أخبار مؤكدة: شفيق في القصر...». هذا ما حملته المكالمات المعتادة بين الطرف المهم ونجوم الإعلام المؤثر في جمهوره، والمتباهي باطلاعه على الأسرار، والمنتفخ بقدراته على النظر من خلف الجدران الصلبة ليعرف المعلومة وينفرد بالخبر ويكشف المستور.


الطرف المهم لا يكذب. لا يمكن أن يكذب حسب خبرة نجوم تلمع شهرتهم وفق اقترابهم من مناطق الدفء عند أجهزة مهمتها السيطرة على الإعلام بعد تحرره من ملكية الدولة. والمنفعة هنا متبادلة: النجم يلمع بينما الأجهزة تحكم سيطرتها الناعمة على الخط الواصل بين الإعلام والجمهور. التلفزيون هو علبة السيطرة على الجماهير بمعناها الواسع، ولا بد ان تكون هذه العلبة تحت قبضة الدولة، سواء في عصر الشمولية الخشنة في سنوات تأميم الاعلام العلني، او عندما بدأت الشمولية الخشنة بفك القبضة وتحول التأميم الى عملية سرية.
كل نجم رن تلفونه قبل النتيجة نقل الخبر إلى وسيلته الاعلامية السريعة: انتظروا الرئيس شفيق، او الحرس الجمهوري تحرك باتجاه بيت الفريق... الى آخر
هذه الأخبار التي أُعلنت على استحياء عند البعض، أو بفجور كامل عند البعض الآخر، لكن في كل الحالات ترجمت تلك الأخبار الى تحركات وخطط للتغطية، فتوجهت الكاميرات الى حيث يسكن الشفيق. لماذا فعل الطرف المهم هذا بشبكته الاعلامية؟ السؤال الأهم ربما هو لماذا صدق نجوم الاعلام (واحدهم وعد بالوقوف عارياً في ميدان التحرير اذا لم ينجح شفيق)...؟ هل كانت الاطراف المهمة تنوي حرق عناصرها او شبكتها في الاعلام، أم انّها كانت تورطها لكي تفقد قدرة التلوّن او التحوّل باتجاه الرئيس القادم. أم انّ الخبر كان جزءاً من خطة شاملة من خطط الحرب النفسية، تريد ان توحي بأن المرسي انتزع مكانه بالقوة، وأنّه كان سيحرق مصر لو لم يصل الى الكرسي؟
الخطة غريبة وتحمل مؤشرات حول طبيعة حركة اجهزة الدولة العميقة في الفترة القادمة. النتيجة، وكما ظهرت، تغسل سمعة المجلس العسكري وتؤكد حياده، وأنّ الشفيق لم يكن مرشحه، كما ترسخ في الصورة العامة. تلك خطوة في ترميم سمعة المؤسسة العسكرية بعد مشوار طويل تحطمت فيه أسطورتها، وترسخت فكرة قيادتها للثورة المضادة. كذلك فإنّ نشر الأخبار بهذه الطريقة اليقينية، يشير الى نزاهة وحيادية مؤسسات الدولة تجاه الرئيس القادم، وهو ما يحجب عنه التبرير بصراع مؤسسات الدولة ضده، كما أنّ نشر الأمل بوصول شفيق كان هدفه تجميع المجموعات المرعوبة من وصول الإخوان، وليست كلها من الفرق التابعة للعصابة، ولا من عناصر الثورة المضادة. هذا التجميع لم يكن عنوانه شفيق، بل دعم جيش مصر في مواجهة صناع الحرائق ومثيري الحرب الأهلية، كما قالت دعايات بدت قديمة ومستهلكة وعجيبة، لكنّها دعايات فعالة عند قطاعات تجمعت في نقطة مركزها المعنوي: الدفاع عن العسكر في مواجهة من يريد فرض انتصاره بالقوة. هذه هي الصورة التي ستجعل الشبكة المعاونة للعسكر تعمل مكشوفة وعارية من القدرة على اللعب بين طرفين، وستجعل الحرب القادمة ذات طابع غير مسبوق في تاريخ مصر. حرب تشتعل بعد حركة تنقلات في الألواح السياسية.
شفيق كان مرشح العصابة والثورة المضادة نعم، لكن الثورة لم يكن لديها مرشح، ولم تجد إلا مرسي لتصطف خلفه لإبعاد الشفيق. مرسي ليس مرشح الثورة بأفقها المفتوح، لكنّه ابن جماعة اختارت المشوار القصير واكتفت بالإصلاح، ومغانم الوصول اولاً الى طاولة التفاوض مع سلطة الامر الواقع. وهذا ما احدث الشرخ الكبير في وعي قوى تكوّن وعيها بالثورة، لكنّها تقع دائماً في فخ الاختيار المر: الاخوان/الفلول، العصابة/القبيلة، الدولة/الجماعة.
ثنائية شفيق /مرسي كانت الأخيرة والأخطر، فاذا انتقدت مرسي فأنت تخفي تأييدك لشفيق، والعكس صحيح. وهما اشتركا في تعقيد الاختيار او إدخاله في منطقة الخداع: شفيق اعلن نفسه المحارب الاول من اجل الدولة المدنية، معتمداً على خرافة انّ نظام مبارك هو موديل الحكم المدني، خالطاً بين الاستبداد والمدنية، وبين الاستقرار والقمع البوليسي. كذلك اعلن مرسي نفسه مرشحاً للثورة، متغافلاً عن الوقوف في وجه استكمال مشوارها ورغبة احتكارها، والتخلي عن الثوار في مواقع تعززت فيه قواعد عسكرة الدولة، واستقوى فيها العسكر على الثورة نفسها. هكذا فإنّه ورغم الفرحة الكبيرة من هزيمة شفيق باعتباره وريث سلالة مبارك، الا انّ التعامل مع الـ12 مليون الذين انتخبوه على أنّهم اعداء الثورة او عبيد الاستبداد، او مجرمون في انتظار عودة العصابة، سيكون خطيئة سياسية كبرى، وكما وقع الاخوان في خطيئة الصدام بين شرعية البرلمان وشرعية الميدان، فإنّ نبذ كتلة شفيق هو وقوع في فخ جديد، تبدو فيه الثورة مجرد هستيريا شعبوية لا ترى الفارق بين من سيطرت عليه مشاعر الرعب والخوف من غزوة الإخوان، ومن كان يخطط لانتصار الثورة المضادة.
في كتلة شفيق هناك من كان يجب ان يحتفل معنا بوصول أول رئيس من خارج الطبقة العسكرية، او بكسر احتكار منصب الرئاسة على هذه الطبقة او من يمثلها. جزء من كتلة شفيق اصيب بعمى سياسي مؤقت واسبابه معروفة وعلنية، إذ إنّ الذعر الذي أحدثه الاخوان ومن تحالف معهم من السلفيين وغزوتهم خلال شهور البرلمان، لم يكن رد فعلها اقل من الذهاب الى العدو. ماذا تريد من مسيحي عاش سنوات العزلة السياسية عندما يجد غزاة البرلمان يطالبون بدولة يصبح فيها ضيفاً وربما يجبرونه على دفع جزية؟ وماذا تريد من امرأة لا يتعامل معها الغزاة أنفسهم الا بمنطق الكائن الجنسي الذي لا حل معه الا بإعادته الى عزلة الكهوف الإجبارية؟ وماذا تريد من عائلة مصرية مسلمة ومتدينة اكثر من التزامها بالدين كما تراه، وهي تواجه بمقولة إنّ تديّنها ليس كافياً، وايمانها يحتاج إلى صك من كبار المشايخ؟ هؤلاء جميعاً أصابهم الذعر الكبير وأفقدوا الإخوان في الجولة الاولى اكثر من ٦٠٪ من أصواتهم المضمونة، بينما في الإعادة عاد بعض منهم وبقي البعض الاخر في معسكر شفيق. الثورة لن تنتصر إذن بالاصطفاف خلف من وصل الى السلطة، لكن بوعي جديد وروح جديدة تقبل التعدد وتقاتل من اجل الحريات وتحترم الحرية الشخصية. الاصطفاف كما علمه العسكر للمجتمع المصري هو الوقوف في صفوف متساوية خلف قيادة ما. والثورة لم تنتصر بالاصطفاف، لكن بالالتقاء في دائرة / ميدان مركزها لا يمنح سلطة لأحد، ويجمع كل الاطياف بدون علامات تمييز. الاصطفاف كلمة مستعارة من القاموس «الكاكي» الذي ذاب في الوعي حتى ظنناه قاموس المدنية الوحيد. والتعامل معها على أنّها الموديل المثالي للثورة خداع كبير. الثورة المصرية انتصرت بتساوي الجميع وستكمل انتصارها بالتخلص من بقع الوعي الكاكي في السياسة. بقع ترى الحرية الشخصية ترفاً، والفردية عيباً، ومصلحة الوطن لا تعني مصلحة كل فرد. بقع لا يزال أصحابها يتحسسون مسدسهم إذا دافع شخص عن حريته او هواجسه تجاه المساس بهذه الحرية. هكذا، تبدو أسئلة الثوري اليوم معقدة: من ضد من؟ الإيقاع السريع سيجعلك ترى عدوك مرتين وحليفك مرتين، ولن تفرّق بينهما أحياناً... وتتنقل من معسكر الى معسكر... ومن مجال الى مجال حتى يتكوّن مجال الثورة من اسئلة وقلق لا من أجوبة واستقرار.




انتهاء المرحلة الانتقالية الأولى من دون حسم

الجميع في انتظار قرار اللجنة. واللجنة تتثاءب، وترواغ الزمن... تفحص الصندوق تلو الصندوق... تفتش بحثاً عن شيء مفقود، او منسيّ، من ادوات اللعب في ارادة الشعب. هم مهرة، يؤدون وظيفتهم بمهارة. الجمهور لا يعرف نوع وظيفتهم، هم صدى لارادة السلطة، منفذو القدر الذي تتصور السلطة انّها تنفذه. هم اليد التي تتحقق بها مصالح الدولة العليا. هذه هي كلمة السر التي تسكت الجميع، وتجعلهم يتحوّلون من ثوار متمردين، اصواتهم عالية الى مخدرين بالسحر الكامن في الكلمة التي لا اعرف متى اخترعت، لكنني احاول متابعة تأثيرها منذ ان اصبحت الوطنية بلون الكاكي، وبإيقاعات مسلسلات الجاسوسية، ونبرات صوت اغاني صوت العرب. هذه كانت زهوة وطنية الكاكي، وقمة نبلها الرشيد، لكن النيل رحل والزهوة بهتت والكاكي كما هو يستخدم ككلمة سر ليدخل الجميع الحظيرة. اللجنة تتمهل، بينما الغرف المغلقة لا تخفي أصوات الضرب على الطاولات ولا همهمات التفاوض على تقسيم الكعكة. هل اتفقوا؟ لا نعلم. متى يتفقون؟ لا نعلم.
انّهم يريدون ان تعود السلطة الى الغرف المغلقة. ويدرك الشعب ان ذهابه المتكرر الى الصناديق لا يعني انّ ارادته نافذة، وانّها التى تحدد من سيكون الرئيس. العسكر يتفقون مع الاخوان على انّ الشعب لا يعرف مصلحته. لا يحق له ان يختار لأن من السهل خداعه.
دخل العسكر والاخوان الانتخابات بخبرات سابقة وممنهجة في الخداع، وتصحيح ارادة الشعب لكي تصب في المصلحة العليا كما يراها كل طرف. لكن المناخ السياسي تغيّر رغم كل ما فعله العسكر والاخوان. تهشمت قدرات كلّ من العسكر والاخوان في غلق المجال السياسي بلعبة السلطة للجنرال والمعارضة للشيخ.
المجال السياسي اتسع لتدخل قوة الثورة بروحها الجسورة وجسدها الضعيف في التكوين. الثورة ورغم كل الخبطات العنيفة من الطرفين نجحت في تغيير المجال السياسي، وقوانين اللعبة، لكنها لم تنجح (حتى هذه اللحظة) في تنظيم نفسها. المجال السياسي اتسع على صراع الديناصورات، واضطر كل ديناصور الى التمسح بالروح الجديدة. الاخوان غيّروا خطابهم في الجولة الثانية. والعسكر في اعلانهم المكمل ربطوا الدستور بروح ثورة خططوا بكل ما يملكون لإجهاضها. حتى الفلول بشفيقهم قامت دعايتهم على استرداد الثورة من خاطفيها (كانوا يقصدون الاخوان).
لم يملك احد الجرأة على تقديم خطاب واضح، لا العسكر في محاولتهم اعادة دولة «النواة الصلبة»، ولا الفلول باعادة بناء حضانات العصابة لايتام وثكالى مبارك، ولا الاخوان في دولة الخلافة والفتح الاسلامي. في جولة الإعادة ارتدى الجميع ملابس الثورة وتعاركوا عليها، ولأن كتلة الثورة بدون تنظيم تنازعتها الاختيارات بفعل الخوف او الاختيار المر، او المقاطعة والصمت. هكذا تنتهي المرحلة الانتقالية الاولى والعسكر فاشلون في رفع ايتام وثكالى مبارك الى السلطة، والاخوان فاشلون في غزوة الخلافة. وهما معاً يتفاوضان على طبيعة مرحلة الانتقال الثانية. ستعلن اللجنة بعد موجات متتالية من التثاؤب نتيجة التفاوض، لتدخل مصر التاريخ في مرحلتها الانتقالية الاولى بثلاثة اختراعات:
1ــ انقلاب عسكري على مراحل.
2ــ انتخابات تظهر نتيجتها بالصدام التفاوضي.
3ــ ثورة تقدم رافعتها لسلطة غير ثورية.
ومصر فعلاً تغيّرت: الرئيس لم يعد مهماً، لكن الجمهور الذي اتى به، والغرف المغلقة تتفاوض على ايقاع الشارع، ولا احد قادراً على الحسم... حتى الآن.



المسجون اصبح ساكناً للقصر




الرئيس في القصر: يتجول، ويدخل آخر مكتب جلس عليه مبارك. الحرس الجمهوري وقف على باب بيته (ايجار جديد). جارك اصبح رئيساً. هذا ما يمكن ان يصف به سكان مصر من الطبقة البرجوازية في طبعتها الخليط بين الريفية المتمدنة/المحافظة/الميالة الى البيروقراطية، وان كانت تكنوقراط. مرسي ابن هذا الخليط، الذي يفتح للشخص العادي طريقاً في مصر. انتصار طبقي في جانب ما، لشرائح مهمشة بعيداً عن الطبقة العسكرية، او الاستقراطية الكاكي التي ورثت ارستقراطية زرقاء. هو انتصار سياسي أيضاً، لأنّ الجماعة المحظورة اصبحت في السلطة، والمسجون اصبح ساكناً للقصر، وهذا تحوّل يشير الى احدى النهايات المتوقعة لـ«خلطة 23 يوليو» التي بدأت ايضاً بالاخوان المسلمين. ماذا سيقول مبارك عن هذه النهاية؟ كيف سيراها؟ التمساح النائم في المستشفى لا يكتفي بموت واحد ،يعيش اكلينيكياً بينما نظامه مثله يخرج من موت الى موت، مثل وحوش افلام الخيال العلمي.في الحرب العالمية الثانية، راهن الملك فاروق على الهر الألماني. لم يكن معجباً بهتلر، لكنّه كان يريد التخلص من الأسد الإنكليزي العجوز، الرابض على نفسه. ولم يكن قد ظهر في الأفق بعد النسر الأميركي بجناحيه الأنيقين: الحرية والقوة الاقتصادية. الرعب الحقيقي لفاروق كان من الشيوعية. في سيرته التي نشرتها صحيفة «تابلويد» إنكليزية هي «امباير نيوز »، كتب الملك فاروق تصوره للسيناريو الذي سيتم بعد رحيله: «ترزح مصر الآن تحت وطأة ديكتاتورية وسوف يتشبث نجيب بالسلطة كاملة، ولن يسمح بأي حرية. ولذا سوف تتفجر القلاقل والتظاهرات وسوف تهاجم ممتلكات الأجانب. وحينئذ سوف تتحرك الحراب البريطانية والأميركية، وسوف يطرب الشيوعيون أشد الطرب، وسوف تتحوّل مصر إلى كوريا أخرى، وسوف يتحسرون على الملك الذي كان الركيزة الوحيدة ضد الشيوعية في الشرق الأوسط».
فاروق في سيرته يقدم تفسيراً عجيباً من واقع هذا الهوس بالشيوعية. يقول: «وقبل أن يأتي الروس إلى بلادي لم يكن الإخوان المسلمون خطراً بأي حال، كانوا مجرد متعصبين دينيين فقراء، وما إن جاء الكرملين حتى امتلأت جيوبهم بالمال وأصبح في إمكانهم أن يخرجوا من الجحور وأن ينشئوا جرائد وان يزرعوا جواسيسهم في المواقع الرئيسية، وأخيراً نجحوا في القيام بالانقلاب». والعجيب أنّه يرى أنّ :«... الاخوان المسلمين اغتصبوا السلطة التي كانوا يتحرقون اليها ولكن سوف يبدأ توزيعها على الشيوعيين، وبدأ ذلك واختار نجيب لوزارة الإعلام رجلاً يدعى فتحي رضوان، وهو من رواد السجون وشيوعي شديد الخطر، وأصبح المتحدث الرسمي باسم نجيب وتعرفه السفارة الأميركية جيداً... وسوف يزحف الشيوعيون في المرحلة القادمة على السلطات وتدعو جريدتهم المعارضة إلى إلغاء النظام الملكي، وتصدر لشيوعية المعروفة درية شفيق، مجلة «بنت النيل» للاهداف نفسها. واذا سئلت من هم الرجال الذين يقفون وراء نجيب؟ لأجبت بأنهم أعضاء المكتب السياسي السري للإخوان المسلمين وتقوم بتمويلهم السفارة الروسية في القاهرة». هل كان الملك لا يعرف المسافة السياسية بين الشيوعيين والإخوان المسلمين؟! هو يعرف فقط أنّهما بالغريزة أعداء عرشه. بل إنّه يضع كل الأعداء في قائمة واحدة، حتى فتحي رضوان المعروف بأنّه عضو بارز في الحزب الوطني، المحافظ النزعة، ودرية شفيق داعية حقوق المرأة. كلاهما شيوعي ما داما يعارضان الملك.
ولذا فإنّه يرى أيضاً أنّ: «... الانقلاب المحكم التدبير الذي كلفني عرشي لم يدبره أو يخططه نجيب على ضوء شمعة في خيمة في المعسكر، بل دبرته وخططت له بكل تفاصيله، مجموعة من الخبراء العسكريين الأجانب. وإذا سئلت لماذا قررت السفارة الروسية إطاحة عرشي؟ لأجبت لأنّهم يخططون لأن تصبح مصر كوريا الثانية. وأن يمد لهم بساطاً أحمر وينحني لهم المصريون والبريطانيون والأميركيون وهم يستولون على الشرق الاوسط ثم اوروبا، والذين يخشون الحرب القادمة يجب ألا يبقى لديهم أي وهم بأنّ الحرب قادمة... بل إنّها قائمة الآن، وأذكر أنّني توسلت ذات يوم للسفير البريطاني لكي لا يعترف بروسيا، لكنّه قال لي: «لعلك لا تعلم أنّهم حلفاؤنا.. وهذه هي النتيجة !!». هذه السيرة كتبت بعد وقت قليل من إطاحة فاروق الذي حاول هنا أن يحصل على بطاقة جديدة يعود بها للعب الدور المهم للإنكليز والأميركيين. إنّه يريد فرصة ويقدم نفسه. ولا يريد أن يخرج من الملعب هكذا وحيداً. يموت في بار إيطالي بجانب عشيقته، لتبقى سيرته مطرزة بالمغامرات مع النساء، من الفاتنة الغامضة كاميليا إلى سامية جمال، مروراً بالأميرة فاطمة طوسون التي طاردها ورفضته وتزوجت في البرازيل... وبينهن كثيرات من زائرات السرير الملكي الذي كان صاحبه يعاني أزمة هرمونات. أزمة يبدو معها طفلاً معذباً عنيفاً لا يمتلك إلا القدرة على الاستعراض!
انسحب الملك في استعراضه الأخير، وسط دهشته الداخلية. وبدا الأفق فارغاً: وراثة العرش لا تقدم مرشحاً مثالياً. القوى السياسية وصلت إلى حالة الشيخوخة. والقوى الوحيدة ممنوعة من العلن. والحل كان القفز من خارج الملعب... الآن دخل الاخوان الملعب، فماذا سيفعلون؟