«لم يبق سيف لم يجد غمداً له في لحمنا»

محمود درويش (الهدهد)
«بلال الأوسط» هو الاسم الذي عَرَفَ به أهل البرج الشمالي قائد القطاع الأوسط في قوات الثورة الفلسطينية، الضابط الشجاع كما وصفوه، الذي قاد المقاومة الشعبية الباسلة في مواجهة طلائع قوات الغزو الصهيوني على أبواب مخيم البرج الشمالي، بالقرب من مدينة صور الجنوبية في حزيران 1982. بلال، الذي لا نعرف عنه شيئاً سوى بسالته وشجاعته التي لا يزال يذكرها أهل المخيم، هو واحد من أولئك الجنود المجهولين الذين قاوموا الغزو الصهيوني ببسالة نادرة ولم يعرف الناس حتى اسمه الحقيقي. ففي مثل هذه الأيام قبل ثلاثين عاماً، رفض القائد بلال الانسحاب من الجنوب، كما فعل غيره، وقاد مجموعة من خيرة أبناء البرج الشمالي كان من بينهم المقاوم كمال مشيرفة، الذي نجا من الموت المحقق الذي طال أطفاله الخمسة الشهداء فدوى (8 أعوام)، فادي (6 أعوام)، فاتن (4 أعوام)، والتوأم فراس وإيهاب (ستة أشهر) وأصاب زوجته مريم بجروح خطيرة. ففي اليوم السابع من حزيران 1982، افتتحت قوات الجيش الصهيوني غزوها بقصف كل ملاجئ المخيم التي اختبأ فيها الأطفال والنساء والشيوخ هرباً من جحيم الحرب، فاحترق ملجأ نادي الحولة بمن فيه، وكذلك اشتعلت مغارة علي رميض/أبو خنجر وملجأ روضة النجدة الاجتماعية ومغارة حي المغاربة. وفي ملجأ نادي الحولة، حيث احتمى الأطفال مع أمهاتهم حين تم قصف الملجأ وإحراقه على من فيه، يذكر السيد كمال مشيرفة أنّه حين حاول انتشال ومساعدة إحدى الضحايا وأمسك بيدها «اقتلعت من الإبط». فالشهداء لم يُقْتَلوا فقط في البرج الشمالي، بل تم إحراقهم وتذويب أجسادهم بالسلاح المحرم دولياً والمفضل، كما يبدو، لدى الجيش الصهيوني الهمجي لاستهداف المدنيين العزّل والأطفال، كما شاهد العالم ذلك بالبث المباشر أثناء مجزرة غزة في 2008. لكن العالم لم يَرَ، وربما لم يسمع عن الأجساد الصغيرة الطرية لأطفال البرج الشمالي أو شيوخها ونسائها تتقطع وتشتعل بفعل القصف الصهيوني الهمجي، وهو ما دفع أهلهم الى دفنهم في مكان استشهادهم لتعذر نقل الجثث المقطعة والمحروقة الى المقبرة. المشهد ذاته يمكن رؤيته في مخيم شاتيلا قرب بيروت، حيث دفن الضحايا في الطابق الأرضي لمسجد المخيم، وبيت آل معروف الملاصق بعدما امتلأ المسجد، لتعذر نقلهم الى المقبرة الرئيسية فيما سمي بحرب الشهر (1985) وحرب الستة أشهر (1986). يوثق المؤرخون الدارسون للصراع العربي ــ الصهيوني تقريباً ثلاث عشرة مجزرة ارتكبتها العصابات الصهيونية وكيانها ضد المدنيين الفلسطينيين العزل. لكن هذا التوثيق لا يشمل العشرات من المجازر البشعة والهمجية التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين والعرب والتي تقارب المائة على الأقل، حسب الرواية الفلسطينية. مجازر بقيت بلا توثيق أو بلا اعتراف بها كمجزرة بسبب الظروف التي أحاطت بها. ففي حيفا، مثلاً، ارتكبت العصابات الصهيونية ما بين 1938 ــ 1948 تقريباً عشر عمليات قتل جماعي كان عدد ضحايا معظمها العشرات من المدنيين ويصلح وبحق أن يستخدم توصيف المجزرة في كل منها (مثلاً، استشهاد أربعين فلسطينياً في مجزرة قطار حيفا ــ يافا التي ارتكبتها عصابة شتيرن في 31 آذار 1948). لكن ما اصطلح على اعتباره مجزرة يُغَطي فقط قليلاً من عمليات القتل الجماعي وما يمكن تسميته بالمجازر الكبرى فقط ــ إمّا بسبب عدد الضحايا الكبير الذي يصل أحياناً الآلاف، أو بسبب ارتكاب هذه المجازر تحديداً في غير أوقات الحرب (مثل مجزرة صبرا وشاتيلا، دير ياسين، كفر قاسم، الطنطورة، الدوايمة، الخليل). ووفق هذا المنهج يتم تناسي الكثير من المجازر البشعة وخصوصاً تلك التي حدثت في زمن الحرب وحسابها ضمن خسائرها، رغم كون ضحاياها مدنيين عزلاً، ورغم كون أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، ورغم استهدافهم مباشرة وبهدف القتل. وفي بعض الأحيان يتم تناسي هذه المجازر لأنّ ظروف وقوعها، في زمن الحرب وبعيداً عن عدسات الإعلام، تفرض دفن الضحايا تحت القصف وعلى عجل، وأحياناً في موقع الجريمة ذاته لتعذر نقل جثامين الضحايا بفعل بشاعة القتل أو بفعل القصف المتواصل كما حدث في البرج الشمالي، فتبقى محفوظة في ذاكرة أهالي الضحايا فقط بدون توثيق تفصيلي (في حالة مجزرة البرج الشمالي قام الباحث الفلسطيني جابر سليمان بعمل توثيقي مهم للمجزرة، وربما يكون الوحيد، نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية ويتضمن شهادات حية لأهالي الضحايا، «15 عاماً على حزيران/يونيو 1982: شهادات عن معركة برج الشمالي ومجازر القصف الإسرائيلي.» عدد 22، خريف 1997، ص:67-97. كما ذكر تفاصيلها الحية السيد كمال مشيرفة في كتيبه «المجزرة المنسية»).
وفي مخيم البرج الشمالي، لا يمكن للمرء إلا أن يقف مشدوهاً أمام القائمة الطويلة لأسماء شهداء المجزرة التي ارتكبها الكيان الصهيوني في عصر السابع من حزيران 1982 ضد أطفال المخيم ونسائه وشيوخه. ففيما تجاوز بعضهم السابعة والسبعين (الشهيدة فضة المحمود التي سقطت في قصف مغارة علي رميض/أبو خنجر) أو الخامسة والسبعين من العمر (الشهيدة ذيبة الحاج ذياب والشهداء أحمد الحاج ذياب، حسن الذيب، ومحمود العراقي الذين سقطوا في قصف ملجأ نادي الحولة) فإنّ أغلبهم كانوا من الأطفال وبعضهم لم يتجاوز الشهر الواحد من العمر مثل الشهيدة نسرين محمد عبد الله التي استشهدت مع والدتها عيدة اليوسف (26 عاما) وشقيقها نضال (6 أعوام) وشقيقتيها يمنة (اربعة أعوام) وسوسن (عامان). المرعب في تفاصيل المجزرة أنّ هذه العائلة ليست سوى نموذج لما سيراه الزائر لنصب شهداء ملجأ نادي الحولة في المخيم، حيث سقط خمسة وتسعون شهيداً، ومغارة علي رميض/أبو خنجر حيث سقط واحد وعشرون شهيداً، وملجأ روضة النجدة الاجتماعية حيث سقط اثنا عشر شهيداً (منهم خمسة شهداء مجهولي الهوية لم تعرف هوايتهم حتى اليوم)، ومغارة حي المغاربة حيث سقط ثلاثة شهداء، عدا عشرين مفقوداً خلال الاجتياح يعتبرهم أهل المخيم في عداد شهداء.
القوائم كلها تشير إلى أُسَر أبيدت كلياً أو جزئياً. فأُسرة الشهيد كريم عيسى محمد (45 عاماً) وزوجته الشهيدة عزيزة عبد الزين (40 عاماً) وأطفالهم الشهداء اسماعيل (13 عاماً) وعلي (11 عاماً) وعيسى (10 أعوام) و رحمة (9 أعوام) ابيدت بالكامل، كذلك ابيدت عائلة الشهيد أحمد الحاج ذياب (75عاماً) وزوجته فطوم (65 عاماً) وبناتهم الشهيدات عيشة (28 عاماً)، سعدة (22 عاماً)، خضرة (20 عاماً)، زهرة (16 عاماً) وابنهم الشهيد عبده (23 عاماً). وكان هذا ذات المصير المفجع الذي أصاب اُسرة الشهيد محمد حسن ذيب (37 عاماً) وزوجته الشهيدة صبحا حمد أحمد (32 عاماً) وأطفالهم الشهداء ماهر (9 سنوات)، أحمد (8 أعوام)، مها (7 أعوام)، سهى (6 أعوام)، وحسن (5 أعوام)، واُسرة الشهيد محمد مرعي زيد (54 عاماً) وزوجته الشهيدة منيفة سلامة زيد (52 عاماً) وأطفالهم الشهداء وفاء (12 عاماً)، حنان (10 أعوام)، وعبد الله (8 أعوام)، وكذلك اسرة الشهيد جمعة خليل نهيلي (43 عاماً) وبناته الشهيدات حليمة (25 عاماً) ومنى (22 عاماً). وفي حالة أخرى مشابهة حيث استشهدت الأم لبنانية يوسف صغير (34 عاماً) وأطفالها ناديا (10 أعوام)، نعيم (9 أعوام)، اسماعيل (8 أعوام)، وكوثر (غير محددة العمر) استشهد الوالد ابراهيم المصري (غير محدد العمر) أثناء الحرب لتكتمل تصفية الاسرة كلها.
هناك، في ما كان سابقاً ملجأ نادي الحولة وأصبح مقبرة للشهداء، أيضاً يقبع أطفال المناضل كمال مشيرفة الخمسة. وهذا كان المصير نفسه الذي أصاب اسرة الشهيدة عذبة عطية اليوسف (35 عاماً) التي استشهدت في المجزرة مع أطفالها الثمانية الشهداء خالد فايز يونس (12 عاماً)، أوصاف (12 عاماً)، وليد (8 أعوام)، منى (6 أعوام)، دلال (5 أعوام)، سهيل (4 أعوام)، مازن (3 أعوام)، وطارق (عامان).
لكن في زحمة الانشغال بالحصار الهمجي على بيروت وبسبب الصدمة الكبيرة التي أحدثتها بشاعة مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة لاحقاً، بقيت هذه المجزرة ضد هذا المخيم الصغير منسية كما سماها والد الشهداء الخمسة المقاوم كمال مشيرفة في كُتَيِّبه عن المجزرة. لكن إسكات دم الضحايا ونسيانها بعد كل الرعب الذي مثلته المجزرة هي جريمة اخرى بحقهم، ومن حقهم على الأحياء، على الأقل، تذكير العالم بمأساتهم المرعبة وبمدى الإجرام الصهيوني بحق أطفال لم يكبروا كفاية لاستيعاب معنى فكرة الموت والدمار الذي حملته معها الحملة الصهيونية على بلادنا. لهذا وجدت مناسباً وواجباً ذكر أسمائهم بدل مجرد إرفاق قائمة كما تجري العادة. وبرغم العدد الكبير للضحايا الذي تجاوز في مجزرة ملجأ الحولة والمغارتين وروضة النهضة في يوم واحد في مخيم البرج الشمالي المائة والخمسين ضحية (بمن فيهم عشرون مفقوداً وخمسة شهداء مجهولي الهوية)، فإنّ تفاصيل المجزرة المرعبة هي ما تعطي معنى وحشياً إضافياً ودلالة بشعة لكلمة المجزرة. فقوائم أسماء الشهداء هي عبارة عن مجموعات من الأسماء تنتهي كل منها بالاسم الأخير ذاته (اسم العائلة) دلالة على إبادة عائلات كاملة في بعض الحالات أو شبه كاملة في حالات اخرى: عائلة عبد الله (9 شهداء: اسرتان، الشهيدة مريم أحمد اليوسف وطفلاها والشهيدة عيدة اليوسف واطفالها الاربعة)، مشيرفة (5 شهداء من اسرة واحدة: جميع بنات وأبناء المناضل كمال مشيرفة)، مصطفى (10 شهداء من اسرتين)، يونس (ثمانية أطفال ووالدتهم)، صغير (3 شهداء)، المصري (4 شهداء)، ذياب (7 شهداء)، الذيب (7 أفراد من اسرتين)، ذيب (8 شهداء من اسرتين)، محمد (6 شهداء، اسرة كاملة)، يونس (9 شهداء: الام وأطفالها الثمانية)، الحسين (6 شهداء: الام واطفالها الخمسة)، الرميض (8 شهداء من اسرتين)، زيد (5 شهداء: اسرة واحدة).
لكن أهل مخيم برج الشمالي الذين ينحدر أغلبهم من الناعمة، السمبرية، الزوق، المنصورة، لوبيا، وديشوم في فلسطين، كما عَرَّفوا البلدات الأصلية لشهدائهم إصراراً منهم على حقهم بالعودة رغم كل الموت والدمار، يتذكرون وبفخر كبير مقاومة المخيم البطولية المنسية والمهمشة هي الاخرى للغزو الصهيوني في 1982. عيونهم المثقلة بأهوال المجزرة التي أصابتهم جميعاً تلمع وهم يتحدثون عن الدبابات الثمانية التي استطاع أفراد المقاومة الشعبية الأبطال تدميرها على أبواب المخيم وعن الضابط (برتبة عقيد) والجندي الصهيونيين اللذين استطاع المقاومون أسرهما (الضابط قتل لاحقاً والجندي تم إنقاذه ــ أنظر التفاصيل في دراسة جابر سليمان)، رغم بساطة السلاح وفقر الحال وغياب القيادة. وفي البرج الشمالي أيضاً، تلتقي ببعض الأبطال الذين تصدوا وحدهم لأول موجات الغزو الصهيوني للبنان في أوائل حزيران 1982، ويمكنك لاول مرة أن تضع وجهاً إنسانياً على البطولة الاسطورية للمقاومة في حرب 1982. في البرج الشمالي، مثل كل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، سيكون أول ما يلفت نظر الزائر لهذا المخيم المهمش هو الإصرار المنقطع النظير على الحياة وعلى العودة الى فلسطين، برغم كل المعاناة والتهميش والنسيان لهؤلاء الفلسطينيين الذين يمثلون أكثر ما في شعبهم من أصالة (كما يشير التزامهم وإصرارهم على كتابة البلدة التي ينحدر منها الشهداء في فلسطين مقابل أسمائهم)، وبطولة (كما تشهد على ذلك مقاومتهم الفذة للغزو الصهيوني في 1982)، إصراراً على الحياة (كما يشهد على ذلك نشاطهم الوطني المستمر وعدم تسليمهم باليأس). في ذكرى المجزرة، كما في الأعياد، يذكر جابر سليمان، أنّ أهالي الضحايا يأتون الى نصب الشهداء «فيضعون أغصان الآس ويحرقون البخور ويضيئون الشموع ويجددون أحزانهم الدفينة ثم يمضون». يمضون، نعم، لكن لا ينسون ولا يغفرون. فلا يملك أحد في هذه الأرض حق غفران دم الأطفال الرضع.
في مثل هذه الأيام أيضاً، قبل 36 عاماً، كان أطفالنا المحاصرون في تل الزعتر يموتون يومياً من العطش والجوع والقصف. بعد أربعة وستين عاماً على اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها لا يزال هذا الشعب يرى الموت والاضطهاد والإذلال في كل مكان حتى «لم يبق سيف لم يجد غمداً له في لحمنا،» كما قال درويش. وبعد 64 عاماً على تشريدنا في كل بقاع الأرض لا يزال وسيبقى «القمح مُرُّ في حقول الآخرين والماء مالح». بعد أربعة وستين عاماً على اللجوء لا تزال وستبقى معركتنا مع عدونا الذي اغتصب وطننا. أما اخوتنا العرب فأقل ما عليهم فعله هو أن يرفعوا أيديهم وظلمهم عن مخيماتنا، وأقل ما عليهم فعله هو أن لا يشركوا في دمنا.
* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ــ بارك سايد