بدأ الحديث مؤخراً عن "Algorithms sociology"، بمعنى تأثير الألغوريثمات على المجتمع. لكن الأهم هو كيف ستَشرح الألغوريثمات مجتمعنا الراهن مستقبلاً. يمكن أن نسمّي ذلك "Algorithms historiography": ليس تاريخ الألغوريثمات، بل تاريخ البشرية بحسب الألغوريثمات. بات للتكنولوجيا خطابٌ حولنا هو اليوم في صلب عمل الشركات الكبرى وأنظمة التداول النقدي، وتدريجياً الأنظمة السياسية.
علوم الكومبيوتر هي مسار فلسفي رياضي أنغلو-أميركي حصراً، يُعطي الأولوية للأكثر تداولاً "Trending" على المختلِف. وعبارة "الذكاء الاصطناعي" (AI) الأدبية أصبحت ممكنةً بفضل الحاضرة الأميركية، والمخاوف التي تُثيرها هي أميركية بحت.
أحد أوجه مخاطر الألغوريثمات هي أنه خطاب (سياسي بالضرورة) حول البشر، لكنه خارج متناول الغالبية الساحقة من البشر. يَفوق ذلك مستويات جهل كاثوليك العصور الوسطى باللغة اللاتينية للكتاب المقدس. في الخطاب الاستعماري، على الأقل كانت لدى المستعمَرين القدرة على فهْم، ومن ثم رفْض، هذا الخطاب حولهم (أنهم متخلّفون ويحتاجون لرعاية حضارية...). أما مع الألغوريثمات فنحن غالباً لا نَعرف ولا نَفهم ما يُكتَب عنا، وهو خطاب يحدّد يومياً كيفية تعاطي المؤسسة المركزية مع كل فردٍ على حدة. يزداد الوضع تعقيداً حين نَعلم أن غوغل (التي هي أضخم وعاء للتجربة البشرية الراهنة) لا تَملك التحكم الكامل في عمل الـ"DeepMind"، أي أن البرمجيات يمكنها أن تضع تصوُّراً عن مجتمعنا دون أن يكون لدى الشركة المشغّلة القدرة على فهم دقيق، بل إجمالي، حول أسباب تكوّن هذا التصوُّر. هذه البرمجيات ستكون مسؤولة عما ستَعرفه الأجيال المقبلة عن عصرنا الراهن، وستلخِّص وعي البشرية بنفسها في حقبة ما.

■ ■ ■

إن نوع المعلومات التي يَطلبها اللاحقون عن حقبتنا هو غير نوع المعلومات التي يَجهد الراهنون لأرشفتها معتقدين أنها ستكون مهمةً لاحقاً. التأريخ الاقتصادوي أبرز الأمثلة. التأويل الماركسي الأوسع انتشاراً للثورة الفرنسية 1789، على أنها برجوازية صاعدة أزاحت سلطة الأرستقراطية، بدأ في النصف الأول من القرن العشرين، أي بعد أكثر من مئة عام على الثورة نفسها، وفشلت محاولات وضْع تأويل مختلف قيد التداول الفعّال.

الجفاف الذي ضَرب منطقة الفرات ليس سبباً رئيسياً للحرب السورية

إحدى ميزات التحليل الآلي للنصوص أنه قادرٌ على تشكيل تصوُّر عام، خلاصات واستنتاجات قد لا تكون مدونةً. أكثر من أي وقت مضى سيتحوّل المستبطَن في الخطاب، المتداول غير الإعلامي، إلى بندٍ في متن القانون الأرثوذكسي حول تاريخ حقبةٍ ما، تَصعب مخالفته أو تغييره. لا يتعلق المستبطَن بالسرد الآخر المقموع والمختلِف، ولا بالحقول المهمَّشة، بل بالسرديات من الدرجة الثانية والثالثة التي تتبناها المجموعة. رغم أنه يمكن للألغوريثمات الكشف عن "التصدعات السردية" في رواية المنتصِر، إلا أنها تعمّمها معها باعتبارها وقائع.
قيمة تأريخ الراهن أنه سيكون مادة السجال بين قوى جديدة لاحقاً. مثلاً، هناك أسطورة ترسّخت على مدى السنين وتَفرض فعاليتها في النقاش السياسي اليوم، تُفيد بأن الحصار العثماني لفيينا فشِل بسبب حملات الصفويين في الشرق. كذلك الأمر، فإن إنسانية الأم تيريزا ستكون لاحقاً موضوعاً تؤكد فيه الكنيسة الكاثوليكية التزامها بقضايا المهمَّشين في حال وقعت مواجهات مع طرف آخر إنجيلي أو غيره، رغم التقارير التي كُتبت عن أنها كانت تسعى إلى تأبيد آلام مرضاها ليكونوا أقرب إلى الإله. وفي لبنان، هناك انطباع عام يقول إن السبعينيات كانت مرحلة حياة سياسية أفضل، أو أن رياض سلامة هو الذي يَحمي القطاع المصرفي اللبناني واستقرار الليرة، وهي انطباعات منتشرة بحيث أن أحداً لا يدقّق فيها، لكنها لا تَصمد أمام النقد التاريخي.
اليوم، تمكّن الإعلام والجامعات "الغربية" من فرض تصوُّر أن ما يَجري في الشرق الأوسط المعاصر هو صراعٌ بين السعودية وإيران، وليس صراعاً بين إيران والولايات المتحدة/ إسرائيل. لقد تمكّنوا أيضاً من جعل السعودية وإيران متشابهتَين من ناحية تطبيق الدين؛ السعودية التي هي مجرد دولة تابعة بالكامل للقرار الأميركي "puppet state". حتى محور الممانعة ساهم في تكريس هذا التصوُّر. بغضّ النظر عن تأثير ذلك على سير المعارك حالياً، سيكون ذلك مادةً "معرفية" لمعارك مستقبلية.

■ ■ ■

تَطلب الحاضرة الشامية من حاكمها بشكل مَرَضي أن يُظهِر مستوى من الدهاء؛ يكاد يكون ذلك وسواساً قهرياً جماعياً. قد يعود ذلك إلى الإرث التجاري وتقاطع طرق الإمبراطوريات، إلا أنه بالتأكيد يَعود إلى ما قبل معاوية. وإنْ كان الدهاء التكتيكي مطلوباً، إلا أن المشهد السياسي أكثر تعقيداً.
لم يكن كارل ماركس داهية، وهو الذي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي يَحكم المخيلة الاقتصادية السياسية للعالم. كان هارولد بلوم يَعتبر أن الأدباء ما بعد وليام شيكسبير يعانون من عقدة قتل الأب، قتل شيكسبير؛ والأمر نفسه يمكن قوله اليوم عن الاقتصاد السياسي ما بعد ماركس؛ ماركس الأب. يَعرف الجميع ماو تسي تونغ الذي أَسّس الصين الشيوعية، لكن في الخارج قلة تعرف مَنْ بدأ الإصلاح الاقتصادي برصانة ومن دون بهلوانيات سياسية (دينغ شياوبنغ).
هناك فريق داخل الحكومة السورية يروّج بأن بشار الأسد ليس محنكاً سياسياً كما والده، وأن حافظ الأسد كان من الدهاء بما يَكفي لمنْع الحرب من الوقوع. الحرب السورية 2011 وأزمة لبنان 2005 دَفعا باتجاه هذا الخطاب المستبطَن. في الواقع، فإنه في الحالتَين المذكورتَين، كان إرث حافظ الأسد وتحالفاته الخاطئة في الخلفية: التحالف مع العشائر السنية في سوريا، ومع الحريرية السياسية في لبنان.
قاد بشار الأسد سوريا في عالمٍ أشدّ تعقيداً، عالم ما بعد 11 أيلول أحادي القطبية؛ كان ذلك بعد سنة فقط من وصوله إلى الحكم. بالنسبة للأسد الأب كان السوفيات ملاذاً أخيراً حين تشتدّ المصاعب. في المقابل، لم تكن هناك أية قوة عظمى إلى جانب بشار الأسد حين أتى الأميركيون أنفسهم (وليس الإسرائيليون) إلى العراق وهدّدوا دمشق علناً. لم يَكتفِ الأسد الابن بعدم الانصياع، بل حارب الأميركيين على حدوده أمنياً وعسكرياً، من دون أي ظهير دولي، وهو ما يوازي إنْ لم يتفوّق على جرأة الأسد الأب في حرب 1973.
لو كانت هناك مؤامرة دولية جدية على سوريا عام 1982، لما تمكّن حافظ الأسد من إخماد تمرّد الإخوان المسلمين في حماه. البراغماتية هي أسهل الطرق في حال لم يكن مطلوباً تفجير منطقتك: إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي لديها قواعد عسكرية لكل القوى الكبرى، بشرط أن يتمّ توظيف السكان المحليين لحاجيات القواعد.

حلب: تمكين البرجوازية سياسياً

وإذا كان حافظ الأسد يُوصَف بالقدرة على المناورة، فإن بشار أرسى المناورة الأصعب: التحالف الصلب مع إيران من جهة ومن جهة ثانية حرْف النظام من التحالف مع العشائر السنية إلى التحالف مع البرجوازية السنية. أتاح ذلك الانفتاح على العالم من دون الارتهان للبنك الدولي. في العقل العربي، قد لا يبدو تحويل قواعد النظام باتجاه اقتصادي مغرياً لجعل بشار الأسد يُوصَف بالدهاء. الملك الأردني عبد الله، رغم ظروف حكمه المريحة، لم يتمكّن من نقْل القرار السياسي من الإطار العشائري إلى الاقتصادي.
بغضّ النظر عن النقاش الأيديولوجي حول لبرلة الاقتصاد السوري، فإن مَنْ بدأ عملية اللبرلة هو حافظ الأسد، لكن بشار هو الذي وسّعها. الصراع هنا ليس بين ليبرالي واشتراكي، بل بين اقتصاد السوق الاجتماعي والعشائرية. علينا أن نتذكّر أنه في سوريا الفقيرة بالموارد، لم يتوقف خلال الحرب الدعم الحكومي للمواد الرئيسية حتى ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش.
يَسهل عرْض رسومات بيانية عن الفساد في سوريا وثروة رامي مخلوف، لكن نظام التقاء الاستثمار بالسياسة الذي وَضعه بشار الأسد حافظ على الاستقرار الإيجابي في سوريا واستقلال القرار السياسي، بخلاف ما أفرزته الحريرية في لبنان. ما يَنقص بشار هو ترشيد هذا النظام بحيث لا يَظهر باعتباره فساداً. جوهر الفساد هو نفسه موجود في الولايات المتحدة الأميركية، لكنه ممأسَس هناك ويُعاد تدويره إعلامياً. فما يُسمى اللوبيات هي مؤسسات فساد موصوفة، وكذلك التهرُّب من الضرائب من خلال التبرُّع بها لمؤسسات خيرية، والتي باتت صناعة مستقلة بذاتها.
مدينة حلب ببرجوازيتها الناشئة سياسياً هي مفتاح الحلّ. وما سيَصنع الوحدة الداخلية ليست الأيديولوجيا بل طبقة برجوازية عابرة للطوائف والإثنيات. أَدرك بشار الأسد ذلك منذ وصوله إلى الرئاسة، ووَضَع ثقله في حلب بدل الشرق.
الجفاف الذي ضَرب منطقة الفرات، منطقة العشائر والقبائل، وما رافقه من نزوح إلى المدينة، ليس سبباً رئيسياً للحرب السورية كما يَحلو للإعلام الغربي الاستنتاج، بل انزياحُ تحالف الحكومة السورية من العشائر إلى البرجوازية. على العكس، لو كان النظام قائماً على العشائر، لأصبح أفرادها جنودَ النظام في السيطرة على المدن بعد نزوحهم من مناطق الجفاف. من الملفت أن المدن الأساسية لم تَسقط بيد أيّ من الفصائل المسلحة، وهذا عاملٌ أساسي في الحفاظ على سوريا حتى اللحظة. يعود فضْل ذلك إلى سياسات بشار الأسد بالتحديد. لو تمكّنوا من السيطرة على حلب لأُعلنت مباشرة حكومة موازية. يَصعب على سكان البوادي أن يتقبّلوا شخصية بشار الأسد. لا علاقة لذلك بالعلم، فقد وُفِّر لهم منذ حافظ الأسد، بل بالشخصية الأبوية التي يفضّلونها. تمكّن بشار الأسد من فكّ العلاقة بين الإخوان المسلمين والبرجوازية السنية في سوريا، وحين أتت الحرب المفروضة على سوريا وَجد الإخوان المسلمون أنفسهم دون دعم محلي؛ فسكان الأرياف يَدعمون التنظيمات الأكثر تطرفاً. قمْع الإخوان المسلمين أمنياً، بمختلف مكوناتهم، لم يكن ليؤتي ثماراً؛ المهم هو تجفيف المنابع الاجتماعية الاقتصادية لهم. هل كان حافظ الأسد يَعتقد أنه ببنائه لمعاهد القرآن الكريم وآلاف المساجد وإعلانه الإسلام ديناً رسمياً للدولة وذهابه إلى الحج سيُنافِس بذلك السعودية في الساحة الدينية؟ كانت تلك مناورة جيدة لو اقتَرنت باستراتيجية جدية. إنها أخطاء إيران نفسها في ما يُسمى التقريب بين المذاهب والوحدة الإسلامية.

2006: جيش جديد وفق رؤية سليمان-مغنية

لكن تعديل بُنى الاقتصاد والسياسة لتتلاءم مع العالم، لم يعنِ سوريا مخترَقة: بعد حرب تموز بدأ بشار الأسد عمليةً إصلاحية في الجيش السوري للاستفادة من دروس الحرب، على اعتبار أن الدول الصغرى تبقى تحت رحمة الدول الكبرى إنْ لم تَكتشف معادلاتها الدفاعية الخاصة. كان ذلك بإدارة مستشاره الأمني العميد محمد سليمان الذي اغتالته إسرائيل بعد أن استشعرت خطر هذا المشروع. هناك اتجاه يَعزو اغتيال عماد مغنية إلى التعاون الذي بدأ مع العميد سليمان لتطوير صيغة حربية بنسخة سورية. اغتيال الرجلَين كان بفارق أشهر. مزيد من الانفتاح الاقتصادي على العالم واكبه مزيد من تحديث الجيش لمواجهة إسرائيل وأي خطر خارجي.
مما لا شك فيه أن حافظ الأسد أدهى القادة العرب في القرن العشرين، لا ينافسه في ذلك إلا ياسر عرفات. لا يمكن مقارنته بصدام حسين أو معمر القذافي أو حسني مبارك، ناهيك عن أمراء الخليج. لكنه أَورث بشار دولةً غير قابلة للحياة في القرن الواحد والعشرين، حيث النظام مختلفٌ كلياً. الأمر لا يتعلق بسوريا فقط؛ حتى دول الاتحاد الأوروبي لم تستوعب التحولات التي طَرأت على مفهوم الحدود التقليدي، ولذلك تتخبّط في أزمة اللاجئين.
يُكتَب لحافظ الأسد أنه بَدأ دبلوماسية الشاشة الفضية التي أَدخلت سوريا إلى العالم العربي وصولاً إلى التفوُّق على الإنتاجات المصرية التي هَيمنت لعقود. إنه جزء من الصراع المصري السوري على الفضاء العربي. في المقابل، فإن بشار الأسد بَدأ عهد القنوات الإعلامية الخاصة التي كانت أكثر مصداقية لدى الجمهور من القنوات الرسمية. هذه الوسائل الإعلامية بالتصاقها برجال الأعمال كانت جزءاً من إعادة ترتيب عام للنظام السياسي في سوريا.
تقاطُع الاقتصادي والإعلامي كان جزءاً من مرحلة التفاهم مع تركيا. أرادت أنقرة سوريا بوابةً لها إلى العالم العربي، ممراً لبضائعها (التي تمّ تصنيع جزء منها داخل سوريا حتى تلك المخصصة للبيع داخل تركيا، خاصة في حلب حيث الاستثمارات التركية الأكبر)، وأيضاً لإنتاجاتها الإعلامية، حيث ارتَبطت الأعمال التركية باللهجة السورية في العالم العربي. بفكّ تفاهمها مع سوريا، خَسرت تركيا ممرها الصناعي - التجاري العربي، ولم تَربح في الوقت نفسه مدخلاً إلى الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن التوتر الأمني في عاصمتها وعلى حدودها وأزمة اللاجئين. وبخسارتها الأفدح بمصر تكون تركيا قد قضت على استراتيجيتها للعمق الاستراتيجي الإسلامي من دون بديل.
في المقابل، فَشِل محور إيران- سوريا - حزب الله في الاستفادة من فترة التفاهم مع الثنائي تركيا - قطر في تحقيق اختراق في العالم الإسلامي. ذلك أنه محور مستنزَف في مواجهة إسرائيل عسكرياً، وليس فكرياً حتى. بالتالي من الخطأ اتهام إعلام المقاومة بالتقصير في كل مناسبة؛ المشكلة هي غياب العدة الخطابية في مجمل نظامنا السياسي.

■ ■ ■

حين يكون المطلوب الدولي من منطقةٍ ما هو الاستقرار أو الازدهار، فإن الجمهور (ولاحقاً التأريخ) يَنسب الفضل في ذلك إلى حاكم البلاد في تلك الفترة. هكذا يصبح الأمير زايد هو مَنْ بنى دبي وليس قرارٌ أميركي، أو أن الأمير حمد أَسّس الجزيرة بقرار ذاتي.
قيمة تأريخ الراهن أنه سيكون مادة السجال بين قوى جديدة لاحقاً

خلال الحرب العالمية الثانية حَضّرت ألمانيا "عملية تاننباوم" لاجتياح سويسرا، ولكن سويسرا لم تكن ذات جدوى رئيسية بالنسبة إلى هتلر الذي عبّر عن احتقاره للشعب السويسري (سويسرا كانت موجودة في الخرائط كمحافظة ألمانية)؛ ورغم إسقاط سويسرا العديد من الطائرات الألمانية التي اخترقت أجواءها لم تحتلّ ألمانيا سويسرا، لكنها احتلت النروج المحايدة لموقعها الاستراتيجي في الحرب مع بريطانيا وتأمين مناجم الحديد في السويد. بالتالي حيادية سويسرا ليست نتيجةً لحنكة سياسييها.
سوريا مستهدفة ليس لأنها ضد أهل السنة كما يقول إعلام النفط وليس لأنها داعمة للمقاومة وإيران كما يقول إعلام الممانعة، بل لأن المنطقة يُراد لها أن تَبدأ حقبة من الفوضى (مثال ليبيا). فلم يكن حسني مبارك، رئيس مصر المحاذية لإسرائيل، معادياً لأهل السنة ولا داعماً للمقاومة؛ وكذلك القذافي وبن علي. صدام حسين ربّته المخابرات الأميركية (وهي علاقة لم تُكتَب بما فيه الكفاية) منذ كان في الكويت وقتلته في النهاية، ليس لأنه تمرّد عليها، بل لأن مخططها الجديد للمنطقة يَقتضي عدم وجوده، لا بل يَقتضي إذلاله.
الولايات المتحدة لم تعد تَطلب موقفاً معيناً من نظام ما، بل هي تريد لمنطقةٍ ما أن تَدخل في أجواء محددة؛ بالتالي إذا تسلم الحكم في هذه المنطقة عميلٌ لها أو معادٍ لا فرق، المهم أن يكون وفق أجواء معينة تُراد لهذه المنطقة: فوضى، استقرار غير منتِج، ازدهار، حياد... في الاقتصاد أيضاً، لم تعد الولايات المتحدة مهتمة بما تُصنّعه الدول، المهم أن يَستخدموا في ذلك الدولار، وأي تهديد للدولار هو تهديد للأمن القومي الأميركي.

■ ■ ■

لبنان هو أُمْنِية أي نظام سوري، مهما كان شكل هذا النظام. في لبنان لم يكن هناك أي أثر لما يُعرَف بدهاء حافظ الأسد. أدّت تحالفاته إلى الانفجار لاحقاً، رغم أن الجيش السوري لم يَرتكب ما لم ترتكبه الميليشيات اللبنانية، ورغم أن الاتفاقات الاقتصادية كانت بمعظمها لصالح لبنان. طبعاً، الانطباع الذي تركه الجيش السوري هو ناقلات الجند المهترئة، الجنود في ثيابهم الرثة، والضباط الذين يُذلّون الضباط الأقل رتبةً على الملأ؛ وكان الناس يقارنون ذلك بالجيش اللبناني. مَنْ لا يهتمّ بإعلامه الحربي إلى جانب الحرب الميدانية لا يمكن وصفه بالدهاء؛ لم نكن لنَشهد "الربيع" العربي لولا قناة "الجزيرة". عَكَس بشار الأسد ذلك، وظَهَر باعتباره الرئيس العربي الأكثر تقدُّماً، رغم استفظاع الحرس القديم لذلك.
ليس الحديث هنا عن فساد غازي كنعان أو عبد الحليم خدام، بل عن تشابك المصالح مع الحريرية ومنْح وليد جنبلاط حجماً يَفوق واقعَه. وكلاء حافظ الأسد هم مَنْ غَدروا بسوريا لاحقاً. فعلياً، المعادلة التي أَدخلت سوريا إلى لبنان، هي نفسها التي أَخرجتها.
حافظ الأسد لم يكن قادراً على تفكيك الجهاز المفاهيمي للحركات المعادية له؛ مثال ذلك مواجهته مع اليسار والمارونية السياسية في لبنان. كان رجل أمن، يفكّك خصومه أمنياً، أي مرحلياً.
حصار الجيش السوري لزحلة 1981 ظَهَر كصمود للكتائب، فيما الواقع أن حافظ الأسد كان يريد أموالاً من السعودية، وقصْف حلفاء السعودية كان الطريقة الأفضل لإجبارها على دفع المال. تكتيك ذكي ولا شكّ، لكن على المدى البعيد عنى ذلك زعامةً مضاعفة لبشير الجميل، وتذويب البُعد السوري التاريخي والكاثوليكي الديني والترانزيتي الاقتصادي في هوية زحلة، بدلاً من وضْع تصوُّر مستقلّ للمدينة، خصوصاً أن البقاع كان منطقة التواجد الرئيسي للقوات السورية ومتصلة مباشرة بالحرب مع إسرائيل.
فَصَل حافظ الأسد بوضوح بين علاقته بإيران وعلاقته بحزب الله. مقابل التحالف مع إيران، كان يسعى إلى تهميش حزب الله. قد تكون علاقة حافظ الأسد الخاصة بحركة أمل هي مصدر التوتر مع حزب الله، لكن علاقته برفيق الحريري كانت أفضل من علاقته بالحزب. وحين أَثمرت عمليات المقاومة تحرير الجنوب عام 2000، لم يُرِد حافظ الأسد الانسحاب الإسرائيلي، معتبراً أن ذلك سيَعني ضرورة انسحاب الجيش السوري. بكل المعايير لا يمكن عدّ ذلك تفكيراً استراتيجياً.
لولا العلاقة المتينة مع حزب الله مع مجيء بشار الأسد لما حصل انتصار تموز 2006، ومشروع سليمان-مغنية الذي تلاه. لو استمرت سياسة حافظ الأسد، لما قوي حزب الله، ولما تمكّن لاحقاً من التدخل جنباً إلى جنب مع الجيش السوري لحماية سوريا. حجم المؤامرة يتطلّب حلفاء حقيقيين. وحين أَيقنت روسيا أن هذا الحلف قادرٌ على الصمود (كما أَيقن حافظ الأسد بأن المقاومة قادرة على الصمود في عدوان نيسان 1996) بادرت إلى دعم هذا المحور وانقلبت المعادلات.

■ ■ ■

بينما كان الحرس القديم مشغولاً باستمالة السعودية، كان الاختراق الأمني جارياً؛ وهم بالضبط مَنْ انشقّ عن الحكومة السورية مع بدايات الأزمة. الأمر لا يتعلق بفقدان بشار للهيبة الأمنية التي يحبّذها سكان البوادي، بل بالحرس القديم الذين كانوا يتباهون أمام السعودية بأنهم يَمنعون إيران من التواجد في سوريا.
التحالف مع إيران أفضل من التحالف مع روسيا. التحالف مع قوة عظمى له محاذير لأنه يَنتهي بتهميش تدريجي للمتحالِف الصغير، بينما التحالف مع قوة متوسطة أجدى وأكثر فائدة لاستقلالك. يمكنك أن تَنتقد إيران حين تَطرح دستوراً يَحفظ حقوق الأقليات، لكنك لن تجرؤ على انتقاد روسيا حين تَطرح الفدرالية، أو حين تصرّح الكنيسة الروسية بأن حربها في سوريا هي حربٌ مقدسة، وتُرسل أول كنيسة طائرة مع الجنود وكهنة مظليين، أو حين يُعلنون عدم تمسّكهم ببشار الأسد رئيساً.
في حين كانت إيران تَدخل الحرب في سوريا، كان التحالف مع بشار الأسد يغيّر في عقل إيران السياسي. لا يَحصل ذلك حين التحالف مع قوة عظمى، حيث يكون التأثير أحادي الاتجاه. مفهوم الحلفاء تغيّر في إيران، وتغيّرت النظرة إلى المسمى حركات إسلامية. تتجه مرحلة شريعتي/ لاريجاني الأيديولوجية إلى الاندثار. شريعتي مَثّل رؤية إيران للعالم، ولاريجاني بنظرية أم القرى مَثّل رؤية إيران للعالم الإسلامي. إيران لم تَستوعب بعد معنى أن حلفاءها هم من غير مَنْ تسمّيهم بالإسلاميين. لأسباب عديدة فإن حزب الله أسرع من إيران في تلقُّف هذه التحولات.
هناك ذهن تبسيطي يقسّم الحركات السياسية بين إسلامي وعلماني، يَختصر كل التعقيد الأنثربولوجي في المنطقة إلى حركات تَشرب الكحوليات وأخرى تَمنعها.
أي حركة قوامها رومانسية تاريخية ونوستالجيا ماضوية محكومة بالفشل. استعادة إيطاليا للعلوم والفنون الكلاسيكية الرومانية اليونانية لم تَستفد من نتائجه إيطاليا بل الممالك الجرمانية، الذين كان يسمّيهم جورجيو فساري (واضع عبارة "النهضة") القوط الشماليين ذوي الفن البربري الذي تقوم النهضة على تطهير إيطاليا منه.
العروبة كما السلفية مشروع ماضوي، وهما يَنهلان في أدبياتهما الرومانسية من نفس الحقبة الزمنية، أحدهما يسمّيها إسلامية والآخر يسميها عربية. حتى أناشيد العروبة هي استعادةٌ ماضوية للأمويين والعباسيين، أي بالضبط الماضي الذي يتغنّى به السلفيون. القومية السورية لديها هاجس تاريخي ولكن ليس ماضٍ مجيد تتوق إلى استرجاعه. الشيعية السياسية ليست حالةً ماضوية، فليس هناك تاريخ من العظمة الإمبراطورية في ذهنهم بل مشروع مستقبلي، وإنْ كان يَحمل مخاطر أن تتحوّل إنجازاتها الحالية إلى ماضوية لاحقاً. الحزب الشيوعي الروسي مهدَّد بأن يصبح ماضوياً، حيث تَرتبط الشيوعية بالمجد القومي الروسي، كما ارتبط الإسلام بالمجد القومي العربي. إضافة إلى المعيار الزمني يمكن تصنيف القوى السياسية بين إقصائي واستيعابي، اجتماعي وامتيازي.
هل حزب الله حزب إسلامي؟ التصنيف الأدائي والبيئوي الشرائحي أدقّ من ذلك الأيديولوجي. حين تجد الفرد يَنتمي إلى حزب الله بنفس الطقوس والحماسة والتكوين اللغوي لانتمائه السابق إلى الحزب الشيوعي، انظر إلى الشخص باعتباره هوية اجتماعية دينامية، أي أنها في تحوُّل رغم بقاء العنوان الأيديولوجي نفسه. لهذا السبب بالضبط لا يصل النقاش الأيديولوجي إلى نتيجة في الحوارات السياسية: الدايالوغ مستحيل، نحن محكومون بالمونولوغ. إلام تُحيل الكلمة؟ إلى الكلمة نفسها، ستيفان مالارمييه.

■ ■ ■

عشرُ سنوات مرت على تأسيس ويكيليكس. يمكن التساؤل اليوم عما حقّقه إخراج الحقيقة إلى العلن. يَعتبر التقليد أنغلو-أميركي أن فعالية الحقيقة تُكتسَب بتعريضها للضوء، وليس بأشكلتها أو وضْع نظامٍ لتداولها: من لايتون ستراتشي، الذي اعتَبر أن الحقبة الفيكتورية لن يتمّ تأريخها "لأننا نَعرف عنها الكثير" (مشيراً بذلك إلى ولادة الصحف)، إلى نعوم تشومسكي الذي دعا إلى تقديم حقائق بدل أيديولوجيات، مروراً بكلود شانون الذي وَضَع نظرية المعلومات، أساس علوم البرمجيات الراهنة. لهذا السبب لم تكن ولادة الكومبيوتر ممكنةً في ألمانيا.
كَشفت وثائق ويكيليكس مؤخراً عن تورُّط غوغل في أنشطة معادية للحكومة السورية؛ غوغل التي وَصفها جوليان أسانج بأنها "نسخة مخصخصة لوكالة الأمن القومي". أكثر من داعش والنصرة وغيرهم، علينا أن نفكّك الجهاز التأويلي الكامن في قلب هذه الآلة العملاقة التي ستؤرّخنا وتعرّفنا إلى ذواتنا. في النهاية، الحرب في سوريا هي ألغوريثم.
* باحث لبناني