أهو مجرّد الهلع من فوز مرشّح الإخوان المسلمين، محمد مرسي، برئاسة مصر أم هو الوصول إلى اللحظة الحرجة في الأزمة المالية المتفاقمة أم هي كلمة السر في الشأن السوري تلقّاها الملك عبد الله الثاني في زيارته «الخاصة» للندن؟

ما الذي حدث وجعل عمان تهرع إلى مسلسل من الإيماءات واللقاءات والإجراءات الهادفة إلى إعادة تموضعها في «الجبهة القَطرية»، نحو التفاهم مع الإخوان المسلمين وتيّار المحاصصة داخلياً، ومع حماس فلسطينياً، ومع القوى المعادية لسورية إقليمياً؟
استفاد «الإخوان» من فوز مرسي لإطلاق حملة دعائية ضخمة لتوسيع رقعة نفوذهم وتصوير نتيجة الانتخابات المصرية بمعزل عن ملابساتها الواقعية كأنها إيذان بقضاء الله وقدره بانتصار «الإخوان» في كل البلدان العربية والإسلامية. المراقب العام للإخوان، همام سعيد، اعتبر رئاسة مرسي «نصراً للإسلام والمسلمين». ورئيس حزب «الإخوان»، حزب جبهة العمل الإسلامي، حمزة منصور، اعتبرها «من صنع الله»، ووجدها مناسبة لتلاوة بيان من خمس نقاط، هي: (1) التشديد على تعديل قانون الانتخابات وذلك ضمن تصوّر يتضمن زيادة حصة الإخوان والتجمعات ذات الأصول الفلسطينية ــ،(2) التنديد بالسياسات الاقتصادية الرسمية بشعارات مضطربة لا تتعارض، جذرياً، مع تلك السياسات، (3) التلويح بالمعاني السياسية المحلية لفوز مرسي بالرئاسة المصرية. وكان منصور صرح بـ«أنّ شعب الأردن (لاحظوا أنّه لا يستخدم تعبير الشعب الأردني) قادر على أن يصنع فجراً جديداً يليق بالأردن وشعبه كما فعل المصريون»، (4) المطالبة بتدخل «من قبل الأمة» يشمل ذلك، بالطبع، تركيا والسعودية والأردن لحسم المعركة ضد نظام الرئيس بشار الأسد، (5) إدانة السلطة الفلسطينية وسياساتها بملاحظات مرنة، ولكنها تعكس مزاجاً متحفّظاً على مصالحة لم تعد تعبّر عن مصالح حماس المستقوية اليوم بنتيجة الانتخابات المصرية.
الاثنين في 25 حزيران 2012، نظّم «الإخوان» في مقرهم العام استقبالاً مفتوحاً احتفاءً بفوز مرسي. وكانت المفاجأة أنّ قاضي القضاة، أحمد هليل، الرمز الإسلامي الملكي المعروف بجفائه السابق للإخوان، حضر وتصدّر الحفل، وتغنّى، هو الآخر، بفوز مرسي في تصريحات لا تقل بهجة عن تصريحات سعيد ومنصور. كانت تلك إشارة أولى من القصر تنبئ باعترافه بالمستجدات السياسية الإقليمية والمحلية التي يرى أنّها تستتبع فوز المرشح الإخواني برئاسة مصر. لقد كان ذلك الفوز، بالنظر إلى «تطمينات» وردت بكثافة إلى المسؤولين الأردنيين بعدم حصوله، مفاجأة اهتز لها مطبخ القرار، ما يعني أنّ الرياح الأميركية حسمت مسارها نحو أشرعة «الإخوان».
جمع الملك أركان الدولة، رؤساء الحكومة والأعيان والنوّاب، أولئك الذين كانوا، للتوّ، قد مرروا قانون الانتخابات المرفوض إخوانياً، وطلب مراجعته باتجاه زيادة مقاعد الدائرة الوطنية ذات النظام النسبي من 17 مقعداً إلى 27 مقعداً، وتسرّب أنّ حديثه تضمن إشارات عن عدم رضاه عن نسبة تمثيل الأردنيين من أصل فلسطيني في البرلمان. وفي الاتجاه نفسه، كان مجلس الوزراء قد قرر إعفاء هؤلاء من مراجعة دائرة المتابعة والتفتيش، التابعة لوزارة الداخلية، والموكل إليها أمر تطبيق تعليمات فك الارتباط مع الضفة الغربية. وتقضي هذه التعليمات بسحب الجنسية الأردنية من المواطن الأردني الذي يتخلّى طوعاً عن حقه في الإقامة في الضفة الغربية أو عن هويته المقدسية. وهو إجراء تقليدي الهدف منه إجبار الأردنيين من أصل فلسطيني على التمسك بحقوقهم في الضفة الغربية والقدس. إلا أن هذا الإجراء الذي كان يُنظَر إليه في السابق على أنّه مطلب وطني فلسطيني أصبح اليوم، موضع نقد عنيف من قبل تجمع يضم تيار المحاصصة الليبرالي والإخوان المسلمين.
لكن مسلسل التبدلات في الموقف الرسمي الأردني نحو «الإخوان»، بدأ، بالفعل، قبل فوز مرسي بالرئاسة المصرية. ففي زحمة الاحتفاء بذلك الفوز، كُشف النقاب عن لقاءات مكثّفة جرت بين مسؤولين أردنيين وقيادات أساسية من الإخوان المسلمين السوريين، على رأسهم المراقب العام رياض خالد الشقفة، ونائبه محمد فاروق طيفور، وعلي البيانوني وآخرون.
ولم تتسرّب معلومات عن التفاهمات الحاصلة بين الطرفين في اللقاءات الشديدة السرية التي شارك في بعضها قادة من إخوان الأردن، لكن من الواضح أن عمان التي سارعت إلى إنهاء حوالى عقد من القطيعة مع إخوان سوريا، سوف تقدّم لهم، في ما تراه ربع الساعة الأخير قبل سقوط الرئيس الأسد، ما هو أكثر من المنصة القريبة من دمشق، وما هو أكثر من اللوجستيات، وأعني التفاهم السياسي على المرحلة التالية لبناء النظام السوري الجديد والعلاقات اللاحقة بين البلدين. في البند الأول يريد إخوان سوريا من الأردن الدعم اللازم، المتعدد الوجوه، ليكونوا محور السلطة المقبلة في دمشق. وهذا خيار يراه المسؤولون الأردنيون الأفضل لتلافي الفوضى ومعالجة توطّن القاعدة لدى الجار السوري. وفي البند الثاني، تريد عمان ترتيب العلاقات الثنائية والحصول على جزء من كعكعة النفوذ في العملية السياسية المتوقعة بعد الأسد.
المشهد التالي للتقرّب الرسمي الأردني من المحور الإخواني كان علنياً، بل وأُريدَ له أن يكون علنياً واحتفالياً. فجأة، فُتحتْ أبواب القصر الملكي أمام رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل. وجرى استقبال هذا «المواطن الأردني» على مستوى رئاسي.
حدد الملك عبد الله الثاني، في حديثه المعلَن رسمياً لمشعل، ما بدا أنه الإطار السياسي المتفق عليه دولياً لعلاقة مديدة بين الطرفين، كالآتي: «(1) تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وتمتينها، نحو (2) إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، من خلال المفاوضات التي يجب أن تستند إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.» ويعني ذلك أن عمان مستعدة للتحالف مع حماس كطرف في المصالحة الفلسطينية، وفي حدود مبادرة السلام العربية.
ولم يناقش مشعل هذا الإطار المتفق عليه كسياق حدّ أعلى، بل ردّ بما يوضّح مواقف حماس من الشأن الداخلي الأردني، في نقطتين، هما: (1) الإشادة «بالجهود الإصلاحية التي يقودها الملك في مختلف المجالات»، و«بتعامله المستنير مع الربيع العربي»، (2) التأكيد على أن «حماس ترفض رفضاً قاطعاً مشاريع الوطن البديل».
ويعني ذلك أن حماس لا تدعم موقف الإخوان المسلمين الأردنيين القائل بتعثّر العملية الإصلاحية في البلاد، وأنها لا تنوي التموضع كقوة داخلية، ما يُنظَر إليه كخطر يشق وحدة الأردن ويسمح بنجاح مخططات الوطن البديل.
على كل حال، الاستقبال الملكي الرسمي لمشعل والوفد المرافق له، وبحضور وفد رسمي أردني، نزل برداً وسلاماً على قلوب قادة إخوان الأردن، الحاليين، المنتمين، بمجملهم، إلى الخط الحمساوي. وبينما لم تتسرّب معلومات عن اللقاء الأمني المقفل بين مشعل ومرافقيه ومدير الاستخبارات الأردنية فيصل الشوبكي، في اليوم نفسه ( 28 حزيران 2012)، فقد لوحظ أن شعارات التجمعات الإخوانية في اليوم التالي، الجمعة، هبط سقفها السياسي بصورة ملحوظة. ومن المفروغ منه أن تؤدي لقاءات مشعل بالقيادات الإخوانية الأردنية إلى تغيير سريع في مطالبهم المتشددة حيال تعديلات النظام الانتخابي والتعديلات الدستورية التي كانوا يشترطون حصولها للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة. وكانت هذه المواقف قد شهدت، في الأيام الأخيرة، اضطراباً وغموضاً وتأتأة، قد تعكس تفاهمات في سبيلها إلى الظهور.
ذروة دراما الحب المفاجئ بين عمان وحماس كانت في مقبرة سحاب بالقرب من العاصمة الأردنية، حين وارى مشعل ورفاقه في تجمع جماهيري، جثمان المسؤول العسكري لحماس كمال غناجة الذي اغتاله الموساد في محل إقامته بدمشق، ونقل إلى الأردن، عبر الحدود البرية، برفقة « كوادر من الحركة». أمّ الصلاة المراقب العام، همام سعيد، وتوعّد مشعل الإسرائيليين بالانتقام للشهيد.
إن قداسة اللحظة، مشفوعةً بالتجمّع الإخواني، وبالحضور السياسي لمشعل ومرافقيه، تشكّل مشهداً تأسيسياً للمرحلة المقبلة في البلاد، يمكن رسم خطوطها المتوقعة، كالآتي:
أولاً، التوسّع التنظيمي الكثيف لحماس وجناحها الإخواني في صفوف أبناء المخيمات. وكان تقدير أمني متداول لمدير استخبارات سابق قد توقع أن الاعتراف السياسي بحماس في الأردن سيؤدي إلى انضمام ما بين 15 و20 ألفاً من شباب المخيمات إلى منظمات حمساوية إخوانية.
ثانياً، التماهي السياسي والتنظيمي الواقعي بين حماس وإخوان الأردن من الخط الحمساوي المسيطر اليوم على الجماعة والحزب. وهو ما سيؤلف كتلة جماهيرية سياسية ذات أغلبية من الأردنيين من أصل فلسطيني، من شأنها أن تؤدي دوراً متصاعد الأهمية والتأثير في السياسة الأردنية، ابتداءً من الانتخابات، مروراً بتأليف الحكومات، وانتهاءً بالملف الأمني، ما يذكّر بالحضور الاستثنائي لفتح في الأردن بين 1968 و1970.
ثالثاً، قد تمثّل هذه الكتلة، على المدى القصير، رافعة للنظام الأردني، من حيث تدعيم قوة هذا النظام، ميدانياً، في مواجهة المعارضة الشرق أردنية المتصاعدة الحدّة، وخفض سقف المطالب الديموقراطية، والضغط على مطالب الراديكالية الاجتماعية في المحافظات، (وعلى رأسها مطالب استئصال الفساد ومراجعة الخصخصة واعتماد سياسات التنمية الشعبية وإعادة توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية إلخ). لكن تلك الكتلة التي تتوافر على عوامل النموّ، ستتحوّل، على مدى أبعد، إلى قوة ضاغطة باتجاه توسيع وتعميق الحضور الفلسطيني الصريح في الدولة والسياسة الأردنيتين، وتطوير صيغة إسلامية ليبرالية واقعية من صيغ الوطن البديل.
نحن، إذاً، أمام لحظة تأسيسية لسياق سوف يقود، في حال تكرّس وتعمّق، إلى تفجير التناقضات الداخلية في البلاد، وإغراقها في صراعات أهلية وفوضى سياسية. وقد يجري القفز إلى هذه النتيجة المتشائمة في وقت مبكر إذا ما سقط النظام السوري أو تفكّكت الدولة السورية إلى حالة فوضوية من المنتظر أن تنشأ عنها هجرتان نحو الأردن تكسران ما بقي من استقراره الداخلي، هما هجرة فلسطينيي سوريا، التي ستغيّر المعادلة الديموغرافية جذرياً لمصلحة الصيغة الجاري تكوينها للوطن البديل، وهجرة السلاح والتنظيمات الإرهابية التي ستتقاطع مع حالات اليأس والغضب لدى الفئات المهمّشة. يعي الملك، ومعه نخبة الحكم وقادة المؤسسات البيروقراطية، الخطوط العامة لهذه المخاطر والسيناريوات. وقد كان هناك ما يشبه التوافق على الحذر الشديد من الوقوع في شباكها. لكن هناك عوامل مضادة، أظنها أدّت أدواراً متداخلة في الذهاب نحو ما يمكن اعتباره السيناريو الانتحاري. منها:
أولاً، الشعارات المتنامية الحدّة والميول الوطنية الشعبية المفتوحة الاحتمالات للحراك الشرق أردني، ما ينذر بمخاطر تبلور وطنية شرق أردنية منفصلة عن الهاشميين وذات منحى راديكالي، اجتماعياً وسياسياً. وبما أن عناصر القوة لدى القصر من مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية، تنتمي، من حيث تكوينها البشري والوجداني وولائها الرئيسي وعصبيتها الفاعلة، إلى تلك الوطنية بالذات، بأكثر مما ترتبط بآليات السلطة، تبدو المغامرة الإخوانية الحمساوية الفلسطينوية، على ما يكتنفها من مخاطر، الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إلى القصر في المدى المنظور، وخصوصاً أنها لا تتطلّب منه تقديم تنازلات اجتماعية عميقة لجهة التراجع عن النهج النيوليبرالي ومصالح الفئات الكمبرادورية التي تبيّن أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تركيبة النظام والطبقة الحاكمة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها تناقض حادّ بين مصالح القصر ومصالح الدولة الأردنية؛ ففي التبرير الأساسي الذي قدّمه الملك حسين لاشتراكه في حرب 1967، رغم ما كان لديه من معطيات أكيدة مسبقة عن نتيجة الحرب، أنه بالحرب قد يخسر الضفة الغربية التي يمكن استعادتها بالمفاوضات، على أن يتلافى الحرب ويصطدم بالناصرية ويخسر شعبيته وعرشه على الضفتين!
اليوم، ربما وصلنا إلى مفاضلة جديدة بين العرش والوطن البديل. وكما كانت خسارة الضفة الغربية في الـ67 لمصلحة الإسرائيليين، مكللة بأمجاد المشاركة في جبهة واحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر، فإن خسارة الضفة الشرقية، بعد حوالى نصف قرن، لمصلحة النخب الفلسطينية، لن تكون أقلّ مجداً تحت غطاء الموجة الإسلامية.
ثانياً، الوهن الذي أصاب أوساط البيروقراطية الأردنية، فجأة، جرّاء تشاؤمها من قدرة نظام الرئيس بشار الأسد على الصمود. وتتحدث هذه الأوساط، اليوم، عن تقلّص مساحات السيطرة الحكومية السورية على الأرض والانشقاقات والعمليات الإرهابية التي تتصاعد حتى في قلب دمشق، بل وحتى عن الاستعراض الذي قام به رئيس «المجلس الوطني السوري» السابق، برهان غليون، في زيارته المصوّرة داخل سوريا، كمؤشرات على انهيار محتمل للنظام السوري. وعلى رغم النفي الروسي الصريح للأنباء الغربية عن تفاهم روسي أميركي على مرحلة انتقالية من دون الرئيس الأسد، فإن البيروقراطية الأردنية، التي لم تستوعب بعد عمق التغيّرات الاستراتيجية الحاصلة في النظام الدولي، تفسر الغموض الناتج من تضارب التصريحات الغربية والروسية، بالاتجاه المتشائم.
ثالثاً، الأزمة الخانقة التي ترزح تحتها المالية العامة جرّاء عقد كامل من النهب والمشاريع الفاشلة وعمليات الخصخصة المشبوهة والهدر، لم يعد بالإمكان تداركها إلا بحل اجتماعي عميق وشرق أردني أو بحل سياسي جذري في إطار المشروع القَطري للوطن البديل الإسلامي.
رابعاً، الضغوط الدولية لإجراء إصلاحات سياسية في البلاد، تضع القصر أمام خيارين، التحول الديموقراطي أو التراضي مع الإخوان المسلمين على صيغة تكفل الشراكة الثنائية في إطار استمرار الحكم المطلق. ومما جعل الصيغة الثانية فعالة أن إخوان الأردن يرتبطون، سياسياً وتنظيمياً، بحماس الخارج التي فقدت، بخروجها من دمشق، حضورها السياسي الفلسطيني لحساب حماس الداخل، فلم يعد لها من مكان إلا التفاهم مع النظام الأردني على صفقة تسمح لها باسترداد حضورها من خلال الأردن، وتمنح النظام الأردني، في المقابل، فرصة ممتازة لاستخدام حماس في ترتيب أوراقه الداخلية.




جُمَع الحراك الأردني: نهجان

تشهد العاصمة الأردنية، عمان، ومعظم المدن والبلدات الكبيرة في البلاد، منذ مطلع 2011، مسيرات واعتصامات منتظمة كل يوم جمعة. وفي الأسابيع الأخيرة، شهدت مواقع مختلفة مسيرات ليلية في أيام أخرى من الأسبوع. وذلك عدا عن الإضرابات والاعتصامات القطاعية المتعلقة بمطالب عمالية ومهنية وجهوية.
ومن الملاحظ أن هذا الحراك الشعبي المثابر والآخذ بالانتشار إلى مناطق أبعد وبلدات أصغر، لا يلفت أنظار الإعلام العربي والدولي، اللهم إلا تلك الفعاليات التي ينظمها الإخوان المسلمون، وخصوصاً في عمان.
ولا يوجد تفسير مهني لهذه التغطية المنحازة، ذلك أن مسيرات «الإخوان» ليست، في العادة، الأكبر أو الأجرأ، ولكن ربما كان السبب هو الصعود الإقليمي للحركة الإخوانية، ما يدفع الإعلاميين نحو منح الأولوية لتقصّي نشاطاتها.
تتميّز الفعاليات الجماهيرية الإخوانية في الأردن بأنها تركز في الشأن الداخلي على ملف الإصلاح السياسي، خصوصاً لجهة التعديلات الدستورية التي تحدّ من صلاحيات الملك والنظام الانتخابي الذي يسمح بتمثيل أكبر للإخوان بخاصة وللأردنيين من أصل فلسطيني بعامة. أما فعالياتهم الأخرى، فتركز، في الدرجة الأولى، على أنشطة معادية للنظام السوري، وانتقلت، في الأسبوع الأخير، للتركيز على الاحتفاء بفوز المرشح الإخواني، محمد مرسي، برئاسة مصر.
يوم الجمعة الماضي (في 29 حزيران 2012) شهد وسط البلد في عمان مسيرتين، الأولى، قومية ـ يسارية تحت شعار «تغيير النهج الاقتصادي الاجتماعي» (النيوليبرالي)، والثانية إخوانية تحت شعار «وتنتصر إرادة الشعوب» اهتمت بالتهليل لفوز مرسي.
لكن الصورة في المحافظات تختلف كلياً، حيث يغلب الطابع الشعبي على الفعاليات، ويتركز الاهتمام على ملفات الفساد والتنديد بالفاسدين، ورفض الإفقار والتهميش، وتتّسم شعارات المحافظات بالحدّة والوعيد، وتتناول الفئات الحاكمة، بما فيها الملك والملكة، بالاسم.
في جمعة مرسي العمّانية ذاتها، كان المتظاهرون في مدينة الكرك الجنوبية ينددون بسياسات التقشف وزيادة الأسعار، ويربطون بينها وبين الفساد. ومن هتافات الكرك: «مطالبنا شرعية ـ خبز وكرامة وحرية» و«مين قلك بالذلة نعيش ـ وكيف نسكت ع التهميش»، و«... ... ... ـ اسرقنا وطعمي الحيتان»، و«اسرق كل الشركات ـ انت وباقي العصابات». والشركات المعنية، هنا، هي شركات القطاع العام المخصخصة.
وفي ذيبان، جنوبي عمان، عقد الحراك الشعبي محاكمة رمزية للمتهم الرئيسي في ملف خصخصة شركة الفوسفات والتربح من إدارتها، وليد الكردي الذي لم تطله أي إجراءات بسبب صلة القرابة بينه وبين العائلة المالكة. ومن هتافات ذيبان: «ثورة ثورة من ذيبان ـ على قصورك يا عمان».



بني صخر وتراث التحوّلات نحو المعارضة



أواصل، هذا الثلاثاء أيضاً، حفريّاتي في المجال السوسيو ـــ ثقافي لشرق الأردن، في ما يلي مقاربة لأهم تجمّع «بدوي» في البلاد، كانت له أدوار بارزة في تاريخها. في نهايات العهد العثماني، حال الصخور (بني صخر) دون توسّع إمارة البلقاء الفلاحية لتفرض هيمنتها على كامل حدود شرق الأردن، مما سمح، لدى وقوع البلد تحت الانتداب البريطاني (1920)، بنشوء الإمارة الهاشمية التي اعتمدت على عصبية بني صخر، لتعضيدها ضد المعارضة البلقاوية المسلحة (1923)، وتالياً ضد المعارضة الوطنية الناشئة في العشرينيات والثلاثينيات، ثم ضد المحاولات الانقلابية للضباط الأحرار من أبناء الفلاحين في الخمسينيات. في المقابل، أدى الصخور دوراً وطنياً أساسياً في صد غزوات الوهابيين في العشرينيات، راسمين حدود شرق الأردن مع السعودية، بالسلاح.
موقع ديرة بني صخر، كبرى القبائل الأردنية، بالقرب من عمان العاصمة، منحهم قوة مضاعفة في التأثير السياسي والمكاسب الاقتصادية. وبالنسبة إلى المراقب المتعمق في الشؤون الأردنية، فإن انتقال قسم من شباب بني صخر، اعتباراً من 2011، إلى صفوف المعارضة، يعدّ حدثاً نوعياً في تاريخ هذه القبيلة المعدودة جوهرة التاج في عصبية النظام الأردني.
خلال بضعة عقود، عرفت عشائر بني صخر أربعة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فمن بدو يعتمدون على تربية الإبل في مراع تمتد من الطبيق على الحدود السعودية، جنوباً، إلى المزيريب جنوبي سوريا شمالاً، إلى أنصاف بدو يعتمدون على تربية الأغنام في ديرتهم وحولها، إلى مزارعين يعتمدون على المرابعين ولاحقاً على العمالة والآليات الحديثة، إلى الاندماج في الحياة المدنية بالاعتماد على الوظيفة والجندية، وأخيراً على القطاع العقاري، حين تحولت أراضيهم إلى امتداد للعاصمة المتضخمة التي لا تني تستهلك المزيد من الأراضي الزراعية والمراعي. في عام 1876 شاهد الرحالة «مرل»، ثلاثة قطعان من الإبل تعود إلى بني صخر، ترعى في سهل مادبا (جنوبي عمان)، وقدّر عديد كل منها بالآلاف. في ذلك الوقت، لم يكن الصخور يمارسون تربية الأغنام إلا كنشاط ثانوي، أما الزراعة، بكل أشكالها، فقد كانت، بالنسبة إليهم، خياراً غير وارد، رغم أن ديرتهم، جنوبي وجنوبي غربي عمان وحوالي مادبا، تضم عشرات آلاف الدونمات الصالحة لتربية الأغنام والزراعة البعلية. وهو ما كان عماد اقتصاد جيرانهم من العشائر نصف البدوية المستقرة في البلقاء.
حليب النياق هو المنتج الغذائي الرئيسي للإبل. ورغم احتوائه على عناصر غذائية متكاملة من الدهنيات والفيتامينات التي تغني عن الخضار والفاكهة والمضادات الحيوية، فهو لا يخزّن على شكل جميد أو سمن، بل يُستهلَك أولاً بأوّل. ومن ميزات حليب النياق أن نسبة الماء في تركيبته تتبدل طردياً مع حرارة الجو والجفاف. ففي قلب الصحراء، حيث تشح المياه ويرتفع القيظ، تزداد نسبة الماء في حليب النياق، مما يسمح لصغارها وللإنسان، بالحياة في ظروف قاسية جداً. ومع حليب النياق، يأخذ البدوي حصته الغذائية، ويعالج نقصها بالقليل من التمر وخبز العويص الثخين المشوي بالجمر، والمسمى العربود. والبدوي صياد. والصيد عملية أساسية في اقتصاده الغذائي، تكفل له التزوّد باللحم النادر. فالإبل وسيلة حياة، وليس للذبح إلا في المناسبات المتباعدة. وأفضل طريقة لإعداد لحم الإبل هي الصاجية، حيث يُقلى لحم الإبل بدهن سنامه. وتمكّن هذه الطريقة، البدوي، من الاحتفاظ باللحم لاستهلاكه لاحقاً.
ومن هذه الناحية، فإن تربية الإبل، ليست خياراً إنتاجياً. وبالنظر إلى أن البدو لا ينتجون الألبان ولا يزرعون، تبدو مائدتهم فقيرة للغاية. وربما، في النجعات البعيدة شتاءً، سيكون على البدوي أن يكتفي بحليب النياق الغني بالمكونات الغذائية والمائية، كطعام وشراب معاً، لكن الإبل كانت له ميزة سياسية تمكّن البدو من الحصول على احتياجاتهم الغذائية والمنزلية، أكثر مما يستطيع أنصاف البدو والفلاحين. وربما عرفوا منتجات غذائية متنوعة من إنتاج الريف والمدن معاً، مستخدمين قوتهم لانتزاع الفائض الفلاحي، أو للحصول من الدولة العثمانية، على النقود التي تمكّنهم من شراء بضائع الأسواق في المدن. نستطيع القول إن البداوة كانت، هنا، استراتيجية سياسية مصممة أنتجت خياراً اقتصادياً، لا العكس. فالقدرة على الترحّل في قلب الصحراء، وتوفير طاقة العمل في تنظيم قتالي مجهّز ومستعدّ، منحا الصخور، ميزة الاستقلالية إزاء أية سيطرة حكومية. وهو وضع عالجته الدولة العثمانية من خلال دفع صرّة الحج للصخور، الذين كانوا يسيطرون على منطقة استراتيجية على طريق الحاج الشامي، ويفرضون نفوذهم على مناطق فلاحية غنية. وقد اتبع العثمانيون مع بني صخر، سياسات عنيفة أحياناً واسترضائية غالباً، لكنها فعالة. فإضافةً إلى صرّة تأمين طريق الحج، كلفوا الصخور بمهمات نقل الذخائر والمؤن من المزيريب حتى القطرانة لقاء بدل نقدي. وهكذا، كان يتوافر للصخور من المال والنفوذ ما يمكّنهم من الحصول على السلع الغذائية نصف البدوية والفلاحية من الحبوب ومشتقات ألبان الأغنام والزيت ومستلزمات غذائية أخرى، لكن حليب النياق، ظل، بالطبع، مادة غذائية رئيسية لمعظمهم، كما أن لحمها، كما لحم الطرائد، ظلا مصدر البروتين لدى غالبيتهم.
للإبل، إذن، وظيفة سياسية رئيسية؛ إذ، عند الضرورة، يمنح الجمل، بقدرته الطبيعية على احتمال الجوع والعطش والحر، أصحابه، هامش مناورة واسعاً، بالانتقال إلى قلب الصحراء، كذلك، فإن قطعان الإبل التي تحتاج إلى مراع متسعة باستمرار، تحمل البدو على الترحال، سعياً وراء الكلأ والماء، إلى نجعات بعيدة. وهو ما يمنحهم مدى أوسع للنفوذ السياسي، من خلال النجاح في الصدامات مع بدو آخرين، أو مع العشائر نصف البدوية أو القرى الفلاحية.
ولعل التنظيم الإداري المرن للأفخاذ العشائرية المنسرحة والقادرة، عند اللزوم، على التجمع في قوة واحدة، منح بني صخر، القدرة على التفاوض مع الدولة العثمانية والحصول منها على مكتسبات مالية، والقدرة على فرض النفوذ والحصول على عوائده العينية والنقدية من العشائر نصف البدوية المستقرة والفلاحين والقوافل التجارية. لكن البداوة، مثلما هي خيار سياسي، فإن استمرارها منوط بالظروف السياسية المواتية. ولم تترك إجراءات العثمانيين الإدارية المتنامية الفعالية في شرق الأردن منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، مجالاً لاستمرار بداوة الصخور. ومن اللافت أن الصدر الأعظم كمال باشا، قد أعطى الإجراءات الخاصة بتوطين البدو، أهمية خاصة في إطار خطته لإنشاء ولاية عمان، عام 1878، ومنها «تشجيع العربان على ترك حياة البداوة، وحثهم على التوطن والاستقرار، وإرغام من يرفض ذلك منهم، وتثبيط هممهم عن تربية الإبل، فإن عدد إبلهم يفوق الحد ويزيد عن الحاجة. والأفضل أن يقتنوا الخيل والضأن والبقر» وكذلك «استخدام بعض المشايخ المقيمين في جهاز الدولة».
وفي عام 1879، أنشأ العثمانيون وحدة إدارية في قلب ديرة بني صخر، مقرها الجيزة، وهي إحدى المحطات المهمة على طريق الحاج. وجرى تعيين الشيخ سطام الفايز، مديراً للناحية، ومن مهماته «مراقبة حركات القبائل، وشق الطرق، وتطوير الزراعة، وتكثير حيوانات الزراعة». لكن الدولة العثمانية، ظلت تدفع لبني صخر، صرة الحجّ وأجور نقل المؤن والذخائر بواسطة الجمال حتى ثورة الكرك 1910.
في الأثناء، شجع العثمانيون إقامة قرى زراعية مستقرة محاذية لمناطق البدو في مادبا وعمان واليادودة. وقد لفتت نجاحاتها الزراعية، أولاً، اهتمام العشائر نصف البدوية، التي طورت زراعاتها بسرعة، ثم لفت النهوض الزراعي ونتائجه الملموسة، أنظار شيوخ الصخور، الذين بدأوا تجارب زراعية بالاعتماد على مرابعية من فلاحي البلقاء وفلسطين.
وعند اكتمال الخط الحديدي الحجازي، في 1908، ضاق هامش المناورة البدوية أمام بني صخر، وانحسرت رقعة المراعي لصالح الأراضي المستزرعة، وهو ما حدا بهم إلى الانتقال من تربية الإبل إلى تربية الأغنام، والاندماج في اقتصاد العشائر نصف البدوية في البلقاء. وقد شغّل شيوخ الصخور، الرعاة من خارج المنطقة وداخلها، للاهتمام بتربية الأغنام، بينما مارس صغار ملاكي الحلال، الرعي، بأنفسهم. لكن، حتى صغار حائزي الأراضي الزراعية، قلدوا شيوخهم في زراعتها عن طريق المرابعة أو المثالثة، بالاتفاق مع فلاحي المنطقة أو بالاعتماد على فلاحين من فلسطين. وتعكس هذه الظاهرة، عمق التجذّر الثقافي للبداوة التي تنفر من الأعمال الزراعية، في نفوسهم.
لدى نشوء الإمارة، عام 1921، وتحديد الحدود السياسية وبسط سلطة الدولة، تسارع اتجاه الصخور نحو الاستقرار نصف البدوي، وتراجعت تربية الإبل إلى حدود الاحتياجات الضرورية للنقل والأعمال الزراعية. وفي نهاية الثلاثينيات، حدثت موجة أخرى واسعة من استزراع الأراضي امتدت حتى الموقر شرقاً. وحينها كان الشيخ حديثه الخريشة يمتلك شلايا بالآلاف من الأغنام و100 بعير فقط.
في الخمسينيات والستينيات، حدثت موجة زراعية ثالثة وأخيرة، ذلك أن الملكيات الشاسعة من الأراضي، أغرت شيوخ الصخور باستخدام الآليات الزراعية الحديثة والعمالة المأجورة، مما أنتج فائضاً في الحبوب، لم تستطع الأسواق المحلية، استيعابه. ومنذ مطلع السبعينيات تضافرت سياسات استيراد الحبوب الرخيصة والتسليع العقاري للأراضي الزراعية المحاذية لعمان، على تراجع الزراعة ومواتها، والولوج إلى مرحلة جديدة من حياة بني صخر، اعتمدت كلياً على الوظيفة والجندية والنشاط العقاري. ومنذ أواسط الثمانينيات، بدأت الأحوال المعيشية تسوء بالنسبة إلى جمهور الصخور، بينما أخذت مساحات ملكياتهم بالتقلّص. وبالنظر إلى تراجع دور الدولة الاقتصادي الاجتماعي تحت ضغوط موجة الخصخصة في العقد الأول من القرن الحالي، عرف الصخور نشوء الفئات المفقرة. وبالنسبة إلى شيوخهم والفئات المتوسطة منهم، فإن ما تعرضوا له، موضوعياً، من تهميش سياسي، بدأ يدفع العناصر المسيسة منهم نحو المعارضة.