ما نشهده حالياً من تفجر حول قضية «المياومين» في مؤسسة كهرباء لبنان، هو صورة مصغرة عن تفاعلات شتى، لها مصدران داخلي وخارجي، وبشكل شبه متعادل. يحيل المصدر الداخلي بداية على الخلل الكامن في النظام السياسي ـــ الاقتصادي القائم، والذي يتفاقم بسبب معاندته للتطور في الحقول والمجالات كافة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إنّ انخراط أطراف السلطة في تحاصص المؤسسات والموازنة والأمن قد جعل الفئويات هي الأساس، فيما يتراجع الشأن العام بشكل مخيف، فتنمو الدويلات على حساب الدولة التي باتت مؤسساتها في حالة شبه كاملة من الشلل أو العجز أو الانقسام أو التمذهب أو الفساد أو التفلت والنهب...


وفي مجرى ذلك، يجري التمادي في انتهاك الدستور والقوانين، كما لم يحدث في أي مرحلة من المراحل السابقة. قانون «المتعاقدين» هو حلقة وليس أكثر، في سلسلة فاجرة من التعديات والانتهاكات التي تتصاعد وتتزايد دون حدود أو ضوابط. فعلى مسافة أقل من سنة من الانتخابات النيابية، تستشري شهوة الحصول على مكاسب بأي ثمن وبكل الوسائل، بما في ذلك شرعنة تسخير مؤسسات، وعلى حساب انتظام عملها وإنتاجيتها، بكل أشكال الحشو والتوظيف الفئوي. هذا في وقت يتواصل فيه تجاهل دور مجلس الخدمة المدنية ودور مؤسسات الرقابة التي باتت تقاريرها لا تتعدى أهمية مقال نقدي في إحدى الوسائل الإعلامية.
ويلعب التوازن الدقيق بين فريقي الاستقطاب، أي 8 و14 آذار، دوراً إضافياً في التدهور الراهن. كما يلعب دوراً سلبياً مماثلاً التنافر القائم ضمن كلّ من هذين الفريقين، وخصوصاً فريق الأكثرية الحاكمة. فضمن «التحالف» الحكومي الراهن تتصاعد النزاعات والتباينات، بشكل مطّرد، وحيال مواضيع متنوعة الشمولية والأهمية، يغذيها بشكل خطير أيضاً تأثير الصراعات في المنطقة، وخصوصاً الأزمة المستفحلة في سوريا.
والأزمة السورية في جانبيها اللبناني والإقليمي عامل شديد التأثير في الوضع اللبناني وفي صياغة توازناته وتحالفاته. إنّ دور سوريا في لبنان قد استمر كبيراً رغم انسحابها منه في نيسان 2005. لكن الأمر يختلف الآن، إذ تغرق الشقيقة الأقرب في أتون صراع مديد يأكل من وحدتها وأمنها ودورها ونفوذها العربي والإقليمي عموماً، واللبناني خصوصاً.
وإذا ما أضفنا الى ذلك مجموعة المتغيّرات القائمة والمتوقعة، نتيجة الصراعات والانتفاضات العربية: سقوط أنظمة وحكام، صعود اتجاهات سياسية إسلامية، حالات من عدم الاستقرار، نزاعات مذهبية وقومية وإثنية، صراعات دولية حول التسلح والنووي والممرات والنفط والحدود... كل ذلك يضغط على الوضع اللبناني ويضاعف من توتراته، وخصوصاً أنّ القوى السياسية اللبنانية تقيم علاقة تبعية بالغة العمق والخطورة بالقوى الإقليمية في بعدين متكاملين سياسي ومذهبي.
وتتقاطع في انفعالات زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون مجمل انعكاسات العوامل الداخلية والخارجية المذكورة. يراقب عون، بقلق، تطوّرات الوضع السوري. هو يستشعر مزيداً من الضعف في مواقعه السياسية والانتخابية. تصطدم أوهامه الإصلاحية بحلفائه قبل خصومه. الإصلاح يصبح نوعاً من الارتداد الى الحالة الطائفية. لم يكن «التفاهم» الذي عقده مع حزب الله في أوائل 2006 بريئاً من رغبته في دور له في المعادلة الطائفية، يكرس أرجحية أو حتى استئثاراً. لا يلغي ذلك أهمية ما أقدم عليه من خطوات شجاعة في مجال الانقلاب على الموقف «الانعزالي» التقليدي من المقاومة ومن العدو الصهيوني، ومن الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها العرب... كان هذا الموقف الشجاع محتضناً ومحمياً من قبل «محور الممانعة». ونسبياً، هو لم يعد كذلك الآن.
عون يستشعر الخيبة في الحكم ومن الحكم أكثر من سواه. الارتداد الى الموقع الطائفي ليس الحل، وخصوصاً مع من يتربصون به شراً مهما كانت مواقفه. الأحرى أن يراجع حساباته: الإصلاح لا يمكن أن يكون عبر تعديل بعض التوازنات والمواقع. الإصلاح ينبغي أن يذهب الى عمق الخلل في النظام السياسي ـــ الطائفي نفسه. الآليات موجودة في الدستور، والمساواة هي قارب الإنقاذ للجميع وللوطن عموماً. من هذا المنطلق، يمكن أيضاً إصلاح العلاقات الداخلية والخارجية.
ما ذكر في اليومين الماضيين من إشارات لا يبعث على الارتياح: على العماد عون أن يتوجه الى اللبنانيين جميعاً، لا الى المسيحيين فقط. يجب القول إنّ الجميع في مأزق. لا شيء يعوّض غياب الدولة الموحدة والقوية والعادلة والتي يتساوى فيها المواطنون بالكامل دون تميّز أو زيادات.
إنّ التوجه الى العماد عون هو بسبب شعاراته الإصلاحية وحداثة تنظيمه ومشروعه القابل أكثر من سواه للانفتاح على التجدد والتغيير. لكن، أين هي قوى التغيير؟ متى تنهض الى دورها المفقود؟ كيف يكون ذلك، ومتى تبدأ؟ متى نبدأ؟
* كاتب وسياسي لبناني