نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية ليست المؤشّر الوحيد على تجميد المشاركة السياسية في هذا البلد، فقد سبقتها مؤشّرات كثيرة كانت تتراكم باستمرار وتعمّق عبر تراكمها مأزق الحكم الذي لم يعد يعبّر عن خيارات الأكثرية الشعبية إلا في حدود ضيقة. هذه المرّة لم تمنحه الأكثرية ثقتها وفضّلت الانكفاء وعدم المشاركة في البند الثالث من خريطة الطريق، بعدما كانت مشاركتها الكثيفة في البندين الأولين (الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية) هي الورقة التي منحته شرعية الوجود والادعاء بتمثيل غالبية المصريين.


دلالات الانكفاء

الانكفاء هنا بدا تعبيراً عن أزمة ثقة بين عموم المصريين والحكم الذي لم يعدم وسيلة لحضّهم على المشاركة. هذه الأزمة جرى التعبير عنها في أكثر من مناسبة، وكان يفترض بالنظام أن يلتقط هذه المؤشرات ويسعى في ضوئها إلى استعادة ثقة الأكثرية بدل المضي في تعميق الأزمة السياسية عبر «إلغاء المعارضة» ومنعها من التعبير عن نفسها ضمن أطر مقبولة. البيئة التي استفتت على الدستور وانتخبت السيسي رئيساً كانت تتابع هذا المشهد ورغم أنها ليست معجبة بأداء المعارضة إلا أنها كانت تفضل بقاءها ضمن المشهد السياسي، على الأقلّ لإضفاء طابع تعددي على المشاركة الانتخابية. صحيح أنه وجود رمزي في ظلّ «التوجه العام» إلى توحيد الأصوات المؤيدة للدولة في «حربها ضدّ الإرهاب» (قائمة «في حب مصر» التي اكتسحت الانتخابات في مرحلتها الأولى) لكنه يمنح رغم رمزيته شرعية إضافية للحكم ولا يسمح للإخوان بمعاودة التعويل على عنصر الاستقطاب داخل المجتمع. الآن وفي ظلّ استبعاد المعارضة من المشهد تماماً ودخول فئة واحدة محتكرة للتمثيل الشعبي إلى البرلمان فإنّ الاستقطاب سيعود بقوّة وسيمنح الإخوان فرصة لملء الفراغ الموجود في المشهد السياسي. وهو بالضبط ما تخشى منه الفئات المؤيدة للحكم الحالي، حيث تعتبر أنّ الحشد لمصلحة الجماعة سيكون أسهل هذه المرة لوجود «مبرّر سياسي» يتيح لها معاودة العمل مع المجموعات التي غيّبها الحكم أو قمعها. وقد حصلت اختراقات من هذا النوع في الآونة الأخيرة خصوصاً على مستوى القواعد التي وحّدها قمع السلطة واستبعادها للعمل الطلابي الفاعل داخل الجامعات، فضلاً عن الكمّ الهائل من الاعتقالات الذي طال معظم المجموعات السياسية ولم يميز بينها لا سياسياً ولا اجتماعياً. كلّ ذلك أضفى شرعية على نشاط القواعد الإخوانية وسهّل عليها «معاودة العمل» ضمن الأطر التي كانت تنشط فيها قبل انتهاء حكم الجماعة. وفي حال بقيت السلطة مصرّة على إنهاء العمل بالأطر التقليدية للمعارضة القريبة منها فإن القواعد الاخوانية التي «استعادت نشاطها» ستكون هي البديل، ولن تستطيع هذه المرة دعاية النظام النيل منها لأن المجال السياسي لم يعد يتسع لغير الحكم والمجموعات التكفيرية التي تحاربه.


اغتراب المجتمع سياسياً

في ظروف كهذه يجد المجتمع المصري نفسه بين فكّي كماشة، فمن جهة هنالك الحكم الذي أيّده بشدة واستفتى على وجوب استمراره مرّتين ولكن من دون نتائج تُذكر حتى الآن، ومن جهة أخرى مجموعات الإسلام السياسي التي ثار ضدّها أكثر من مرّة، وفي كلّ مرة من هذه المرات كانت «تعود أقوى من السابق» بفعل غباء السلطة وتصميمها على إغلاق المجال العام أو جعله حكراً على القوى التي تواليها بشدّة. هنا لا يعود المجتمع ممثلاً في أيّ من الأطر السياسية للدولة وتصبح القنوات بينه وبين هذه الأخيرة مسدودة، على الرغم من انه يتفق معها في موقفها من جماعات الإسلام السياسي. غربته بهذا المعنى تغدو مضاعفة، فابتعاده عن الدولة لا يترافق مع تقارب من أيّ نوع مع المجموعات التي تناصبها العداء، وخصوصاً الإسلامية منها. أما المعارضة التي يعبر عنها اليسار فلا تبدو في ظلّ تحلّلها الحالي وعجزها عن قراءة المتغيرات قريبة منه، وهو ما يرشّحه للدخول في حالة كمون شبيهة بتلك التي كانت موجودة أيام نظام مبارك. وهذا يعني أنّ الممارسة السياسية في المرحلة المقبلة ستكون خالية من أيّ مضمون، وستقتصر على النخبة التي وصلت إلى البرلمان بأصوات «الأقلية» الشعبية. التشريعات هنا لن تكون في مصلحة المجتمع طالما انه اختار العزوف وعدم إعطاء الشرعية للأعضاء المُنتخبين في البرلمان، وإذا خرجت من هذا المجلس تشريعات معيّنة، فستكون لمصلحة الأقلية ولن تستفيد منها الأكثرية الشعبية التي قاطعت الانتخابات. وهذا في السياسة يعتبر نزعاً للشرعية وتأكيداً على الطابع غير الديمقراطي الذي ستكون عليه هذه السلطة. الأكثرية هنا لا تتحمّل مسؤولية «عدم الاختيار»، إذ إنّ مشاركتها كانت مشروطة بتوفير المناخ السياسي الملائم للعملية الانتخابية، وعندما لم يتوافر هذا المناخ فضلت التنحّي جانباً وترك السلطة تتحمّل وحدها مسؤولية الفراغ الحاصل في العملية السياسية. وهذا فعل احتجاجي قبل أن يكون سياسياً، ما يدل على استمرار الحالة التي بدأها المصريون في عام 2011 مع ثورة يناير، وإن لم يأخذ الاحتجاج هذه المرّة طابعاً جماهيرياً كما في السابق.


الاحتجاج السلبي

عندما كان يعزف المجتمع في السابق عن المشاركة في العملية السياسية كانت القوى والمجموعات الاحتجاجية المتمّرسة في التنظيم هي التي تستفيد من هذا العزوف، وتنقله من حالة الكمون إلى حالة الفعالية والاشتباك مع السلطة. أما الآن وفي ظلّ إضعاف تلك القوى من جانب الحكم، فإنّ المجتمع مضطرّ للمواجهة وحده، والمقصود بالمواجهة هنا ليس الاشتباك مع السلطة بل محاولة الضغط عليها من موقع الحليف لإجبارها على التراجع عن خيارات دعم الأقلّية النافذة من أمنيين ورجال أعمال وعائلات تقليدية و...الخ. فهؤلاء بالإضافة إلى بعض الأحزاب التي تمتلك المال السياسي («المصريون الأحرار» مثلاً) هم الذين نالوا حصّة الأسد في الجولة الأولى من الانتخابات، وتمثيلهم داخل البرلمان سيكون لمصلحة «الأقلية التي انتخبتهم»، وليس لمصلحة الشعب عموماً. ولذلك فإنّ السلطة عندما تحميهم تكون عملياً قد وفّرت غطاءً شرعياً لصيانة الامتيازات التي قامت ثورة يناير من أجل انتزاعها وإعادتها إلى الشعب. هذا الغطاء هو ما تحاول الأكثرية التي عزفت عن التصويت رفعه عبر إشعار السلطة بأنها ميّزت بين المرشحين ولم توفّر لهم فرصاً متساوية للوصول إلى المجلس، وهي بذلك تمارس الاحتجاج السياسي من دون امتلاك أدواته بالضرورة، ومن دون توفّر السياق الذي يسمح بوصول هذا الاحتجاج إلى خواتيمه. في 2011 كان السياق هو الثورة التي أمّنت القاعدة الاجتماعية لتلقّف المطالب وإنفاذها عبر الأدوات التي تستخدم عادة للاشتباك مع السلطة، أما الآن فلا الثورة موجودة ولا أدواتها، فضلاً عن اختلاف التركيب الطبقي للبيئة التي تمارس الاحتجاج، فمن يحتجّ حالياً ليس المهمّشون الذين قادوا ثورة يناير وإنما البيئة الاجتماعية التي انتخبت السيسي رئيساً واستفتت بالإيجاب على الدستور الذي «وضعه للبلاد». هذه البيئة ليست في وارد إسقاط السلطة، فهي تعلم بحكم تموضعها الاجتماعي أهمية وجود الدولة في المرحلة الحالية، وتدرك مدى التعقيدات التي تنطوي عليها فكرة إسقاطها في ظلّ عدم وجود بديل سوى الإسلاميين. ولذلك فهي تحتجّ من ضمن السياق القائم حالياً ولا تحاول استبداله بآخر، وعندما تسحب باحتجاجها الشرعية عن العملية الانتخابية لا تعطيها لقوىً أخرى، وخصوصاً الإسلامية منها. تموضعها الاجتماعي (كطبقة وسطى حريصة على الاستقرار) يمنعها من ذلك وكذا إدراكها بحكم هذا التموضع لحجم التحديات التي تواجهها مصر في المرحلة الحالية. بهذا المعنى هي «لا تريد بديلاً من حكم السيسي»، وكلّ ما تتمناه أن يفهم الرجل الذي أولته ثقتها مدى الضرر الذي لحق بشعبيته جراء التصاقه بنخبة رجال الأعمال والرأسماليين الذين أوصلهم إلى البرلمان عبر المحاباة وتسييد نزعة التملّق والتطبيل له.

خاتمة

في ظلّ هذا الواقع فإنّ حالة الاستنقاع ستطول ولن يجد المصريون قريباً مخرجاً منها طالما أن القاعدة الاجتماعية للحكم لا تريد تغييراً على شاكلة ما حصل في يناير. وإذا تحرّكت بعض القوى التي أُخرجت من المشهد الحالي للاحتجاج على الوضع القائم، فلن تجد قاعدة شعبية بسهولة، وستُضطر لمعاودة بناء تجربتها من الصفر، فالتجريف الآن لا يطال القوى السياسية فحسب وإنما المجتمع أيضاً. هذا الأخير لن يفرز في القريب العاجل قوىً شبيهة بتلك التي قادت ثورة يناير، وسيكتفي بالاحتجاج السلبي كما فعل في الانتخابات الحالية، ما يعني أنه في حالة كمون وانتظار لما سيأتي به المشهد السياسي بعد انتهاء الانتخابات. لغاية الآن هو لا يريد تغييراً جذرياً في الحكم، ولكن استمرار هذه الإرادة السلبية مرتبط بانحيازات الطبقة السياسية التي تتكوّن حالياً عبر انتخابات مجلس الشعب. إذا تفاقم إطباق الرأسماليين وأصحاب الرساميل ومعهم كلّ الوجوه القديمة على المجلس فقد تختلف الحسابات، وتعيد الطبقة الوسطى التي انتخبت السيسي واستفتت على «دستوره» التفكير بخياراتها. أول خطوة على هذا الطريق هو العزوف عن الاقتراع، ويبدو أن الرسالة قد وصلت. سننتظر الآن الخطوة الثانية، والتي ستكون مرتبطة بأداء المجلس وإصداره للتشريعات التي تمسّ حياة الناس.
* كاتب سوري