ليس جديداً أن تلد الأحداث قوى جديدة، قد تبدو طارئة على الحياة السياسية، ولم تظهر مؤشرات أو دلائل سابقة لها. فلطالما برزت خلال التطوّرات والانتفاضات على مدى التاريخ قوى جديدة ولدت من ضمن الواقع، وفرضتها ظروف الأحداث وتطوراتها.

وعلى هذا المنوال، بدأت تظهر على الساحة السورية قوى جديدة، وطارئة على الحياة والسياسة، فالصراع جارٍ منذ نحو سنة ونصف، ولا بد أن يستولد الواقع وتطوراته، وعمق الأحداث وتفاعلاتها، قوى جديدة وتجمعات لم يتح لها الظهور والتشكّل في أزمة الهدوء، ولم تكن ظروفها مواتية لاتخاذ خطوات تدفعها لتتشكّل كقوى سياسية منظمة. حالات كهذه ظهرت بكثرة في سوريا، من واقعها، والظروف المحيطة بها، كمثل حاجتها للحماية الأمنية، أو توفير وسائل الحياة المختلفة، أو تنظيم واقع تجمعات بشرية معيّنة في مساحات معينة، حيث انكفأت السلطة، أو الرغبة في المشاركة بالأحداث تبنّياً لوجهة نظر معيّنة تريد أن تروّج لها بالانخراط في الصراع بشكل من الأشكال.
قد تأخذ قوى مستجدة كهذه مكاناً بين المتصارعين على المواقع. غير أنّ المجالس الوطنية والتنسيقية وغيرها أتاحت لهم الفضائيات ركوب الثورة واقتيادها إلى مجهول غير منضبط الوجهة والمصير، ودخلت لعبة الأمم الأكبر بكثير من قدرات التجمعات المحلية على التأثير بها أو التفاعل معها، وتاهت في متاهاتها ولم يعد لها دور فاعل على الصعد المحلية الموضعية، ما فرض نشوء قوى ميدانية _ من خارج البازار، عملت بعيداً عن الأضواء والصخب الإعلامي.
حركة الرديف الثوري، اسم جديد مشتقّ من الواقع المستجدّ والمتغيّر، يدخل الأحداث. تسمية تشبه الوقائع، إذ ليس مستغرباً بل من الطبيعي أن تفرز الأزمة قوى جديدة. فالواقع السوري يعيش طفرة على مستوى القرى والمدن، وإنتاج فصائل عديدة، والاستعصاء قد يفرض حواراً جدياً بين معظم تلك القوى من أجل البحث عن كيفية الخروج من عنق الزجاجة، وتجنّب المزيد من الدماء، وإنقاذ ما بقي، وهذا أضحى أمراً ملحّاً.
انطلاقاً من هذه الرؤية برزت مجموعات، ومنها حركة الرديف، هي وليدة الأحداث، ولو كان الاسم «البديل» لكنّا قد فهمنا أنّ هذا الفصيل المستحدث يعمل على إقصاء الآخرين ويتطلّب الأمر البحث عن برنامجه وبنيته، إنما الرديف لمَن؟ ليس هو إلاً تعبيراً عن دخول خجول، وربما تعبير عن الالتحاق الطارئ، أو قد يكون هكذا بدأ الحراك، وربما أيضاً رغبة في الاصطفاف إلى جانب المجموعات المماثلة من دون الادعاء أنّه بديل منها، فالرديف يعني الاحتياط. إنّ التسمية تبدو دعوة ضمنية للتآلف والحوار والتنظيم والتنسيق الفعلي المفقود بين قوى المعارضة السورية، أقلّه بحسب ما أبرزته الأحداث والتطورات حتى الآن، أو بحسب ما وصل إلينا.
فما كان يعوّل على قيادات المعارضة التي بدت حركتها «صبيانية» غير ناضجة، قد سقط، لذا من آداب المساهم أن يبدأ بـ«الرديف»، أي الاحتياط، وليس ذاك نضجاً أدبياً أو أخلاقياً، بقدر ما هو نضج ضمني كامن في عمق وعي بعض الأطراف لضرورات المرحلة بالتلاقي والتنسيق، وليس بإلغاء الآخر ورفضه. فالحراك المثير للجدل بين الثورة، وتصنيعها خارجياً، طغى عليه التجميع الهجين المولود بحالة قيصرية، في ظل معاناة الناس اليومية. إذ إنّ «المجلس الوطني»، الراغب بإسقاط النظام السوري لمصالح ورغبات خارجية، سقطت عنه ورقة التوت، وأضحى تائهاً في الصالونات. هؤلاء المتغرّبون عن الواقع السوري أنهوا مرحلة التجريب بفشل ذريع وغالي الأكلاف، أما «الرديف» كحركة عفوية، فانطلقت من واقع مفروض، وظروف استثنائية، وتعاطف إنساني، تحاول تجاوز تجربة المعارضة الخارجية التي صادرت تضحيات النشطاء، وكذلك تجربة الإخوان، وكل سلوكيات وتحالفات المعارضة، من حزب العمل، والبعث الديموقراطي، والاتحاد الاشتراكي وآخرين.
إن مَن اخترع قوى وأحزاباً ليمشي مع موجة الثورات الملونة من فنادق الخمس نجوم، أضاع دماء السوريين، ودمّر البلد، من دون شعور بالحد الأدنى من المسؤولية. والوقائع تشير إلى أنّ الأوضاع باتت اليوم ملحة للبحث عن مخرج ينقذ البلاد والعباد من أزمة أضحت مستعصية، وتنذر بكارثة على الجميع، وتدفع بالبلاد إلى حروب طائفية ومذهبية، أثمانها أكبر بكثير، فالمسؤولية تتطلّب التماهي مع حركة الشارع، وإيجاد أفق لإخراج الناس من قتال عبثي، وموت مجاني، فالحراك تحوّل إلى أدوات بيد القوى الخارجية، وأضحى الاحتجاج صراع الآخرين في سوريا، وعلى سوريا، والطامة الكبرى هي محاولات المعارضة في الخارج إقناع الناس بالنصر القريب، ذلك السراب والوهم أصبح معلوماً لكافة الفصائل الميدانية، والتضحيات تتبخّر يومياً، وتذهب أدراج الرياح، والتفكّك والعجز يمنع نضوج استراتيجية واضحة تحقق آمال المنتفضين، وها هم اليوم وقود وحطب في لعبة الأمم والتسويات.
من هنا تحاول بعض القوى الفاعلة إيجاد مخرج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر بلورة رؤية منطقية قابلة للحياة، فإذا كان بطش النظام قد دفع بالناس إلى إشعال ثورة بدأها أطفال درعا، فالمعارضة الخارجية وضعت رقاب الثوار على المقصلة، ومهّدت كل السبل لذبحها، وبرعاية دولية، فلا عنتريات أردوغان ولا أموال قطر ولا تصريحات الفيصل ستنقذ هؤلاء.
من هنا أهمية إنتاج قوى جديدة أكثر مسؤولية، وليكن «الرديف» بالمعنى العام سبيلاً لجميع النشطاء، بمعنى دخول البديل بدلاً من الأصيل.
* كاتب لبناني