عزيزي نتنياهو

ليس هناك أكثر إساءة واستهتاراً بالذاكرة اليهودية من نظريتك الغريبة جداً حول ظروف المحرقة وبواعثها، والتي خلصتَ فيها إلى أنّ الحاج أمين الحسيني هو من أقنع هتلر بإحراق ستة ملايين يهودي، وأنّ هتلر لم يكن ليقوم بمحرقته لو أنّه لم يتعرّض لرقى وتعاويذ المفتي الحسيني الشريرة.

بداية لا بدّ من تذكيرك بفتوى أكثر رصانة وهي فتوى اليهودي كارل ماركس الذي اكتشف مبكراً جداً أنّ خلاص اليهودي يكون بتحريره من يهوديته، وخلاصك أنت بالذات وخلاص «شعب إسرائيل» لا يشذّ عن هذه القاعدة. لكنّ الواضح من نظريتك الأخيرة أنّك لا زلت تمارس يهوديتك باحتراف حتى وصل بك الأمر إلى استغباء البشرية والقفز فوق كلّ المسلمات التاريخية والعلمية بخصوص المحرقة... إن وجدت فعلاً المحرقة.
وهي قضية خاضعة للنقاش، لا يمكن إنكارها كما لا يمكن إثباتها.
يا صديقي، كرئيس وزراء «محترف» لدولة إسرائيل المهددة اليوم بالانقراض، وأنت أحد أسبابه نتيجة سياستك الغبية ونتيجة حتمية لمشروع فاشل في الأصل قام على رواية «الهولوكوست»، كان ينبغي أن تعلم أنّ أسس الفكر النازي لم تكن لتنتظر أمين الحسيني بل كانت تتشكل لتشكّل وعياً جمعياً في المجتمع الألماني غزّاه مفكرون إجراميون وعباقرة متوحشون. ففي عام 1904 قام الطبيب الألماني ألفريد بلويتز بنشر فلسفته عن خلق مجتمع أكثر ذكاء وإنتاجية من دون أن يذكر أي شيء عن إبادة شعبك بالذات، وتلاه كارل بايندك وألفريد هوج في كتاب «الرخصة للقضاء على الأحياء الذين لا يستحقون الحياة». وهي منشورات كانت تعبّر بصراحة عن نبض المجتمع الألماني آنذاك المتأهب لصعود النازية والمستعد لممارسة أفظع جرائم العصر، ومنها المحرقة النازية المفترضة التي خطط لها باعتبارها الحلّ الأخير أدولف إيخمان والذي أعدمته دولتك عام 1962، ولم يرد حينها في نصوص المحاكمة أي ذكر للحاج أمين الحسيني كمرشد للفوهرر أدولف هتلر. بل ورد أن المحرقة طالت وبكثافة المثليين جنسياً والمعاقين جسدياً والمختلين عقلياً والبولونيين والغجر والسلاف عامة. وهنا يحق السؤال: أي مشكلة كانت للحاج أمين الحسيني مع البولونيين والغجر؟ أي غباء هو هذا يا عزيزي؟


إن كان هدفك إثارة رأي عام معيّن وتوجيهه فإنّ محاولتك بائسة


ما رأي رئيس الوزراء لو عدنا إلى النقطة صفر في محاولاتنا تبرئة الحسيني من الوسوسة لأدولف هتلر. وماذا سيضير لو أعدنا قراءة «الحكم المطلق» للأميركي فرانسز باركر يوكي وقد نشره في سنة 1962، وهو أحد محامي مراجعة محاكم نورمبرغ، وقد خلص إلى إنكار المحرقة. وماذا عن المؤرخين العالميين أمثال هاري أيلمر بارنيس وجيمس مارتن وويلس كارتو وبول راسينر، وهذا الأخير بالذات كان سجين المعتقلات النازية ولم يلحظ وجود أي محرقة. وهل هو صحيح يا عزيزي ما نشره آرثر بوتز تحت عنوان «أكذوبة القرن العشرين»، أنّ هذه الأكذوبة الكبرى لم يكن الهدف منها سوى إنشاء دولة إسرائيل؟ وماذا عن المؤرخ البريطاني الشهير ديفيد ايرفينغ وقد أمضى 3 سنوات في سجن نمساوي ولم يتراجع عن إنكاره المحرقة؟ هل تعلم يا صاحبي أنّ المحرقة المزعومة في أوشفتيز لم يدخلها محقق واحد إلّا بعد عشر سنوات من الاحتلال السوفياتي للمكان، وهي كانت كفيلة بتغيير معالم المعسكر... وأنّ الصور التي استخدمت في محاكم نورمبرغ عن محارق بشرية كانت تستخدم لحرق أجساد ضحايا الأوبئة كي لا تتفشى الأمراض، وأنّ أغراضها كانت صحية بحتة؟ ماذا لو كان كلّ هذا صحيحاً؟
عزيزي نتنياهو... إن كان هدفك هو إثارة رأي عام معيّن وتوجيهه في اتجاه لطالما أردته، فإنّ محاولتك بائسة وحزينة. فأحمدي نجاد وعبد العزيز الرنتيسي هما في آخر قائمة منكري المحرقة... وللصدق يا صاحبي، فإنّ إيران ما بعد نجاد تراجعت على لسان مسؤوليها عن إنكار المحرقة وأحالتها على الباحثين والمؤرخين، وهذا مؤلم بالنسبة لرئيس وزراء في ورطة ويحاول أن يقوم بدور «دون كيشوت» في مصارعة طواحين الهواء. فإذا كنت تريد استجداء العطف واستخدام سكاكين طعن المقهورين لإيقاظ الذاكرة عبر نسبة جرائم التاريخ، لو صحّت، لأجدادهم، فإنّه من الأجدى لك والأكثر عملانية أن تبادر إلى تنفيذ قرارات العدالة الدولية والالتزام الحرفي بمقررات الأمم المتحدة وشرعة حقوق ومعاهدات جنيف وذلك رحمة بذاكرة أجدادك المحترقين في أوشفيتز. وبما أنك لن تفعل ولأنّ الصهيونية ليست إلّا نازية جديدة ولأنك بشع بما يفوق حدود البشاعة ولأنّ العالم شرير يحب الجمال ويكره البشاعة، فلا تنتظر سكيناً أوحدَ بل عشرات من ملايين السكاكين فالغضب الساطع آتٍ... يؤسفني مصيرك يا عزيزي، مع تحياتي.
* كاتب لبناني