«بالحب» قال الدكتور محمّد مرسي، الرئيس المصري المنتخب حديثاً، حين سئل عمّا سيفعله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة في بلده. لا تشذّ إجابة السيّد مرسي عن الفهم الإسلاموي للمسألة الاقتصاديّة وعلاقات الثروة والسلطة في بلد انفجر سياسيّاً بسبب أزمة اجتماعيّة متفاقمة. «الحب» هنا هو الاختزال المفاهيمي لدى الإسلاميّين لجملة مُثُلْ تدور حول «مساعدة الفقراء»، «الإحسان»، و«العمل الخيري». لا يستقيم تحقيق هذه المُثل، من وجهة نظرهم، عبر تبني سياسة اقتصاديّة مُحدّدة تنحاز إلى الطبقات الفقيرة عبر حزمة واسعة من تقديمات الضمان الاجتماعي، ولا عبر برنامج ضريبي يعكس عمليّة توزيع الدخل نحو المهمّشين والفقراء، بل من خلال الأسلمة ذاتها كديناميّة لخلق «مجتمع الحب».


بعبارة أخرى، تمثّل الأسلمة استراتيجيّة خلق مجتمع مثالي مؤمن بقيم العدالة والتعاون والخير. ويتصوّر الإسلاميّون أن بناء مثل هذا المجتمع سيؤدّي بالضرورة إلى قيام كل فرد بواجبه في ضوء فهم هذه القيم، فيعطف الغني على الفقير، ويقدّم رجال الأعمال المساعدة العينيّة للمُعدمين، ويُقيم المشايخ الأثرياء موائد الطعام للمساكين، وبذلك تتحقّق العدالة الاجتماعيّة بشكل حبّي.
إن «العمل الخيري» هو المُرادف الإسلاموي لفكرة «المسؤوليّة الاجتماعيّة» التي صكّها الفكر الليبرالي لتلطيف الآثار الناجمة عن الاستغلال الرأسمالي للعمّال والموارد المختلفة. وبالتالي فهو لا يقدّم حلّاً، بأي معنى من المعاني، لمُشكلات البطالة والفقر وانخفاض الإنتاجيّة، فضلاً عن المشكلات المتّصلة بالتنمية البشريّة مثل تآكل خدمات قطاعي التعليم والصحّة وانحدارها، اللذين يُشكّل الاستثمار فيهما جوهر نماذج التنمية الاقتصاديّة الحديثة. المشكلات الاقتصاديّة هي مشكلات بنيويّة، ضاربة في عمق نمط الإنتاج القائم في المجتمع والطبيعة الهيكليّة للاقتصاد، وشكل البيئة القانونيّة والسياسيّة التي تعكس مصالح طبقات مُحدّدة في هذا المجتمع. على هذا الأساس، يتطلّب حلّ هذه المشكلات بناء نموذج تنمية كامل يُحدد بوضوح، وبشكل عقلاني، السياسات التي ينبغي أن تُتّخذ لتجاوزها، بعيداً عن التسطيح المُتضَمّن في فكرة «العمل الخيري» التي لا تمس جذور الخلل الاقتصادي القائم في أيّ نظام.
بالمعنى السياسي، ينطوي تبني نموذج تنمية محدّد ورسم سياسات اقتصاديّة على انحيازات اجتماعيّة أولاً وأخيراً. والسياسة تُجبر الفاعلين فيها، وخصوصاً أولئك الموجودين في سدّة السلطة، على حسم خياراتهم الاقتصاديّة، وبالتالي تحديد التحالفات الاجتماعيّة التي سيرتكزون لها في الحُكم. ولن يستطيع خطاب عام وغامض حول الحب أو التكافل أن يصمد في مواجهة استحقاقات المطالب الاقتصاديّة لفئات اجتماعيّة واسعة في بلد يمر بكل أشكال الغبن والاستغلال الاقتصاديّين الواقعين على فئات واسعة من الجمهور.
على هذه الخلفيّة، تُمثّل إجابة الرئيس مرسي عن أهم سؤال سياسي، وهو سؤال «العدالة الاجتماعيّة»، تأكيداً للفكرة القائلة إن الإخوان المسلمين، كقوّة إصلاحيّة مُحافظة، لا يمتلكون أي مشروع اجتماعي هادف لتقليص أو إزالة الفوارق الطبقيّة الهائلة الموجودة في المجتمع المصري، وتعديل آليّات توزيع الدخل المنحازة بنحو سافر لمصلحة الطبقات الأكثر غنى. بل إنّهم، على العكس، يمثّلون الاستمراريّة لبرنامج الليبراليّة الجديدة الذي طبع السياسة الاقتصاديّة في مصر منذ ما يزيد على عقدين، وأفضى إلى واحدة من أعمق الأزمات الاجتماعيّة التي تمر بها البلاد.
ولا يقتصر الأمر على التأكيد اللفظي، وإنما يعكس نفسه في الخطوات التي اتخذها الإخوان المسلمون منذ اندلاع شرارة الانتفاضة الشعبيّة في كانون الثاني2011 في هذا المجال، التي ارتفعت وتيرتها مع وصول مرشّحهم لكرسي الرئاسة. لقد نظموا عدداً كبيراً من اللقاءات مع أصحاب رؤوس الأموال المصريين، بمن فيهم أولئك المرتبطون بالنظام السابق، لطمأنتهم إلى أن شيئاً لن يتغيّر بشأن مصالحهم وضمان توفير المناخ الملائم لاستمرار تدفّق استثماراتهم ومنحها المزايا المختلفة لتشجيعها. بالإضافة إلى تبنّي وجهة نظر المجلس العسكري طوال المرحلة الانتقالية تجاه الاحتجاجات المطلبيّة المختلفة، ووصمها بأنّها «فئويّة» تؤدي إلى تعطّل عجلة الإنتاج. وفي الأسبوعين الأخيرين، عندما بدأ عمّال مصانع النسيج في المحلّة إضرابهم لرفع الأجور وتحسين ظروف العمل، كان الاتّهام الإخواني جاهزاً لهم عبر جريدة الحريّة والعدالة بأنّ إضرابهم صنيعة «فلول» النظام السابق لتعطيل مشروع الرئيس الجديد ووضع العراقيل أمامه.
هناك اليوم في مصر حركة اجتماعيّة متصاعدة، تتركّز بالدرجة الأولى في أوساط العاملين في القطاع العام. لكن اللافت هو تصاعد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعيّة ذات الطابع الأهلي. أي من تلك الفئات الشعبيّة التي تعيش على تماس مع فشل مؤسّسة الدولة في تقديم الخدمات الأساسيّة من كهرباء وماء ونظافة. فطبقاً للمركز المصري للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، سُجّل في النصف الثاني من تمّوز 271 حدثاً احتجاجيّاً، وجاءت فئة «الأهالي» ثانية في تنفيذ هذه الاحتجاجات بعد موظفي القطاع العام. بالنسبة إلى كثيرين، من بينهم مسؤولو الإخوان، تمثّل هذه الحركة الاحتجاجيّة المتصاعدة مؤامرة خفيّة لتهديد الاقتصاد الوطني وتعطيل عمل الرئيس. لكن قراءة متأنيّة للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة عشيّة الثورة، تؤكّد أن هذه الحركة هي استمرار لعمليّة متواصلة وطويلة من أشكال الاحتجاج الاجتماعي في أوساط الطلبة والعمّال وفي أحزمة الفقر المدينيّة والأرياف.
لقد أفضت السياسات النيوليبراليّة التي اكتسبت زخماً جديداً مع وصول حكومة نظيف إلى الحكم عام 2004، إلى سقوط قطاعات متزايدة من الطبقة الوسطى في شرك الأزمة المعيشيّة مع تآكل قدراتها الشرائيّة بفعل التضخم. أمّا الطبقات المُعدمة، فقد فقدت كل معاني الحياة الكريمة في أحزمة الفقر البائسة حول المدن وفي الأرياف. وقد أدى الخراب المعمّم في هياكل الدولة المصريّة إلى توسّع نفوذ نخبة الأعمال الجديدة واستثمارها لفشل بنية الدولة المصريّة لتعضيد سلطويّتها وبالتالي دخول النظام طوره الإوليغارشي الأخير، الذي تميّز بالقبضة الأمنية الشديدة البطش، تعبيراً عن تراجع المظلة الاجتماعيّة للدولة وانسحابها الكامل من المجال العام. وعلى هذا الأساس، يُمكن فهم انفجار 25 كانون الثاني كتلاقي لمركّب الأزمة الاجتماعيّة مع مركّب البطش الأمني، اللذين خلقا كل أسباب النزول إلى الشارع والاحتجاج. تجاهل الجذر الاجتماعي لحركة الاحتجاج في مصر سيعمّق من هذه الأزمة.
* كاتب فلسطيني