لم يعلن قيام المنطقة العازلة في الشمال اللبناني، ولم تحدد بداياتها ونهاياتها، ولا نقاط التفتيش واتجاهات المرو. لم يحدث في الشمال اللبناني ما جرى في جنوبه بإقامة الشريط الحدودي منذ أيام سعد الحداد، ولا أنطوان لحد، ولم تظهر جيوش كجيوشهما مدججة بالأسلحة تفتش المارة وتمنع وتسمح بالعبور حسب ما تريد، وتخطف وتعتقل مَن تشاء.

فهل يعني ذلك أنّ المطالبات بإقامة المنطقة العازلة كما فعل السيناتور الأميركي جون ماكين في زيارته الأخيرة لبنان، وغيره أيضاً، لم تلبّ من قبل السلطات ولا من قبل خصومها؟ هل كانت المطالبات مزحة، أم مطلباً عابراً حتى يتم التغاضي عنه بهذه السهولة؟
أسئلة كثيرة تطرح، قد لا نعثر على إجابة صريحة وواضحة عنها من طرف ما، أو مسؤول، في السلطة أو خارجها. لكن إذا حاولنا استطلاع الواقع ميدانياً، يمكننا التوصل إلى استنتاج يجيب عن التساؤلات بشكل كافٍ.
المنطقة العازلة المطلوبة في الشمال اللبناني تختلف عن الشريط الحدودي مع الأرض المحتلة. هدف الثانية حماية الدولة العبرية وجيشها من هجمات المقاومة أساساً. لكن هدف المنطقة العازلة شمالاً هو تأمين أرضية للمعارضة السورية تتحرك عبرها بارتياح وحرية في مواجهة النظام السوري، إنْ بالإمداد العسكري أو البشري أو سواه.
كان الغريب على الدوام استمرار تمرير السلاح والعناصر المعارضة للنظام السوري إلى الداخل السوري عبر الحدود اللبنانية الشمالية، دون تمكّن الجيشين اللبناني والسوري من وقف هذا الاختراق المفترض، إذا لم يكن عدم وجود رغبة في منعه لأسباب لا نستطيع الادعاء بمعرفتها أو تكهّنها.
مضت سنة ونصف السنة على اندلاع الأحداث السورية، واستمرت الحدود الشمالية في حراك ومواجهات مسلحة خفيفة أدّت إلى بعض الأثمان في الأرواح وأثمرت قصفاً على عدد من القرى الحدودية اللبنانية. وبدا كأنّ الجانب السوري يقوم بقصف القرى والبلدات اللبنانية دون سبب، لكن القصف شكل مادة استخدمتها القوى المعارضة للنظام لمزيد من التعبئة ضد الجيش النظامي.
إزاء القصف السوري المتجدد في الأسابيع القليلة الأخيرة لعدد من البلدات الشمالية، تصاعدت المطالبات للسلطة بالعمل على وقف تسلل المسلحين ومنع مخططهم، فاتخذت السلطة قراراً بنشر الجيش اللبناني على الحدود، مما يعني إقراراً بأنّه جرى سحبه قبلاً. قرار قد يبدو ملتبساً في ظاهره لكنّه يشي بما عوّدتنا السلطات اللبنانية عليه منذ الاستقلال تحت عنوان: «قوة لبنان في ضعفه». الشعار الذي يستتبع إرضاء كل الأطراف الإقليمية والدولية والسعي إلى عدم إزعاج أحد. وشعار النأي بالنفس الذي تبنّته الحكومة اللبنانية هو الوجه الآخر لسابقه تستخدمه السلطة لاسترضاء كافة الأطراف المتعارضة المواقف محلياً وإقليمياً.
عاد الانتشار المفترض للجيش. هو لم يكن انتشاراً بالمعنى الفعلي، أي التمركز وإقامة الحواجز الطيارة والثابتة والدوريات على طول الحدود ذهاباً وإياباً بما يعوق أية حركة غير «شرعية». تمركز الجيش في نقاط ثابتة ومتباعدة في منطقة جرداء وعرة مباحة لا تمنع تحرك مَن يريد كيفما أراد.
ولو كانت السلطات تريد إعادة انتشار الجيش بفاعلية تمنع حراكاً أيّاً كان نوعه، مسلحاً كان أو غير مسلح، لما رضخت لحراك الشارع وعمدت إلى سحبه عند أول هزّة، أي حادثة الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه. فالحراك على اتساعه لا يبرر خضوع السلطة بسرعة لمشيئة الشارع لو لم تكن هي تريد ذلك. ولا نقول ذلك من باب التجني والمزايدة على السلطات، لو لم تستتبع السلطة الرسمية، من فم الجيش، الموقف بالإعلان عن النأي بالساحة عن الصدام «لأنّنا لا نريد إراقة نقطة دم من أي واحد من أبناء عكار» بحسب موقف صدر عن الجيش اللبناني.
سيناريو الموقف أظهر كأنّ الجمهور يريد إزاحة الجيش عن الشارع، وطالبت قوى تقف خلف الحراك في المنطقة الحدودية بإزاحة الجيش ثم تراجعت، وراح الموقف يتخبط بين القبول بالجيش والرافض له من المعسكر عينه، فلم يكن أمام السلطات الرسمية إلا أن تظهر وكأنها تحفظ ماء وجهها بإبعاد الجيش عن الصدام منعاً لإراقة الدم.
لقد تمكنت الحركة التي أعقبت حادثة الشيخ عبد الواحد من إزاحة الجيش عن الشارع، وراح السجال بين ضرورة عودة الهيبة للدولة وإعادة نشر جيشها من جهة، مع المطالبة بإقامة المنطقة العازلة لتسهيل حركة المعارضة السورية. تجلى هذا السيناريو بزيارة السيناتور الأميركي جون ماكين لبنان في الأسبوع الأول من تموز 2012، إذ طالب علناً بالمنطقة العازلة. وبسحر ساحر، أطلقت المحكمة العسكرية سراح ثلاثة ضباط سرعان ما استجابت لإطلاقهم مجموعات من الشبان وأسرعت لقطع الطرق في عكار احتجاجاً مطالبةً بإعادتهم إلى السجن أو تحويل الملف إلى المجلس العدلي.
مَن يقرأ الموقف من أوله لآخره يلاحظ كيف استحضر شعار «النأي بالنفس» لاسترضاء الجميع: التحالف الموالي لماكين، قوى الرابع عشر من آذار، والتحالف الموالي لسوريا، و8 آذار.
سحب الجيش تحت ضغط الشارع وبررت السلطة انسحابه بالرغبة بعدم إراقة الدماء، فيما بدا حفاظاً على ماء الوجه من جهة، لكنّه استجابة ضمنية لمطلب ماكين.
وأعيد نشر الجيش بطريقة صورية، تمركز من خلالها من دون فاعلية، استرضاءً للموقف السوري.
ما هي النتيجة على صعيد قيام المنطقة العازلة في هذه الأجواء والمعطيات؟ بعد عدة استهدافات للجيش، وتواطؤ السلطات أكثر من مرة مع دعوات الشارع، وماكين، خرجت الساحة من أية سيطرة للسلطات الرسمية، حتى بوجود الجيش الرمزي. ومَن يجول في المناطق الحدودية، يدرك تماماً وبوضوح ودون أية التباسات أن الحدود سائبة، يستطيع مَن يشاء التحرك عليها كيفما شاء، ولا يمنع وجود بعض المراكز العسكرية المتباعدة الهامدة الدور، من منع أي شخص من التحرك، خصوصاً إذا كان الأشخاص موضوع الحراك كثر ويعدّون بالآلاف من لبنانيين وسوريين، بحسب ما يفيد الأهالي.
وبهذا المعنى، لم يعلن أحد رسمياً قيام منطقة عازلة، لكن المنطقة عازلة، بما تؤديه من وظيفة، وبما يقوم فيها من واقع خالٍ من أي سلطة تمنع الحراكات غير «المرغوب فيها». بهذا المعنى، باتت عكار وجارتها طرابلس منطقة عازلة وفق مطالبات التحالف الغربي وامتداداته المحلية.
* كاتب لبناني