بإمكاننا القول اليوم إن النظام قد «انتصر» في دمشق. وهو «نصر» حقيقي فعلاً وليس له على الإطلاق طعم الهزيمة. فلو كان «نصراً» بطعم الهزيمة حقاً لما خرجت جموع المسلحين «مدحورة» من حي إلى حي ومن زاروب إلى زاروب. دمشق اليوم باتت مع هذا الحسم «نظيفة» فعلاً. «نظيفة» من مسلّحيها ومن ... فقرائها أيضا. وهذا هو الانجاز الحقيقي للنظام وجيشه! منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها مقتل القادة الأمنيين والعسكريين بدا واضحا أن الصراع قد أخذ وجهة جديدة. وجهة تنقل معركة تجريف الأطراف وسحقها عسكريا إلى المركز. لطالما كان النظام حذرا جدا في التعامل مع المركز. حاول جاهدا إبقاء ذراعيه (دمشق وحلب) بمنأى عن المعركة الفعلية، واضطر في سبيل ذلك إلى أن يتخلى عن أطراف عديدة (حمص، درعا، إدلب...الخ). هنالك معطى سوسيولوجي مهم في ذلك، ومقاربة هذا المعطى في أطواره المختلفة تكاد تعطي صورة حقيقية عن شكل العلاقة الممكنة بين السوريين.

عندما بدأ الصراع يأخذ شكلاً دمويا في حمص وفي ادلب، عرف السوريون المتماسّون مع تلك البقعة كيف يبدون تضامنهم مع أهلهم هناك. بدا لوهلة أن الانقسامات الفعلية على أسس طبقية وطائفية قد تراجعت قليلا لمصلحة انقسام آخر أملته شروط المعركة وجغرافيتها.
هكذا بات ممكنا الحديث في البدايات الوردية عن شريط طرفي يضم إلى حمص كلا من درعا وادلب وبانياس، في مقابل شريط آخر يجمع دمشق بحلب. كانت «العاصمتان» تعيشان إيقاعا مغايرا تماما للنسق الذي تعيشه الأطراف. لنقل إنها الرغبة في إبقاء التواصل مع تلك الأطراف في حدوده الدنيا، أي في حدود مرور أهل حمص وادلب بالمدينتين لقضاء الحاجة لا أكثر. لم تكن الرغبة في احتضان الهاربين من بطش النظام وجور المسلحين حقيقية كما يرطن البعض اليوم، وإذا وجدت فمن باب تظهير صورة شكلية عن التعاطف ليس إلا. حتى عندما أضحت قضية النزوح من الأطراف أكثر وضوحا وتراجيدية، بقيت العلاقة بين الطرفين محكومة بسقف الريبة والامتناع عن تجذير فكرة
التواصل.
لم يحصل قط أن ارتاب السوريون بعضهم ببعض مثلما يفعلون اليوم. ثمة مشكلة فعلية حقا لدى من يبالغون في إنكار هذه الظاهرة، وفي ردها إلى طبيعة النظام التجزيئية فحسب. ليس المرء بحاجة إلى من يخبره عن أسباب هذا الإنكار: فكرة الثورة عموماً تقتضي ذلك، وكذا الاشتغال فوقياً على تذويب الفروق الاجتماعية والمناطقية والطائفية بين السوريين (لا أحد يأتي من صناع الخطاب الأيديولوجي للثورة على ذكر الفروق الطبقية إلا سلامة وكيلة وعمار ديوب).
سأحاول أن أكون أكثر وضوحا وأقلّ تجرّدا في توضيح فكرتي عن أوهام النخب. قبل ثلاثة أشهر من الآن كنت أمشي في أزقة حي باب توما الدمشقي العريق. لم يكن قد مضى على وجودي في دمشق حينها سوى شهرين فحسب. وبالنسبة إلى شخص قادم من بيئة شبه مدمرة، بدوت مهتما قليلا بسماع آراء أناس لا يحسّون بمعاناتنا، ولا يعرفون عن بيئتنا شيئا إلا كونها مختبرا دمويا للميديا القذرة بشقيها النظامي والنفطي الكولونيالي. مرّت بجانبي فتاة تتحدث إلى صديقها وتسأله عن مشاهداته للاجئين «الحماصنة» في منطقة دير عطية حيث يدرس (أو يعمل). قالت له : «شو كيفون هدول الـrefugees عنكن؟». هي تقصد أن تقول: كيف هي أحوال اللاجئين عندكم في دير عطية؟ الرطانة بالإنكليزية هنا ليست المشكلة. كثيرون من سكان دمشق وحلب كانوا يشاطرون تلك الفتاة شعورها، من دون أن تكون لديهم القدرة على صياغة ذاك الشعور بالقدر ذاته من التعالي والخفّة الأخلاقية. عندما يمرّ المرء اليوم من تلك الأحياء ويلحظ كيف بدأ أهلها يشعرون بما شعر به سكان حمص وادلب وحماة من قبل، يكتشف كيف يمكن أن تكون الحال عليه لو لم تتوسع الفروق الطبقية بين السوريين إلى هذا الحد. الأرجح أن النظام لم يضع ذلك في اعتباره عندما قرّر أن يشمل هجومه الهمجي أحياء دمشق المترفة والمعدمة على حدّ سواء (المزّة و..الحجر الأسود!). يبدو أن اقتراب المسلحين من النواة الفعلية للنظام أكثر من اللزوم قد عجّل في رغبته في خلط الأوراق، وامتحان قدرة الموالين له على الاستمرار في موالاتهم رغم كل شيء. حتى الآن لا تزال الكتلة الصلبة من هؤلاء على موالاتها، وهو أمر يستحق التوقف عنده لأسباب عديدة، منها أن عنف النظام في دمشق وحلب كان سيحمل أشد الموالين تطرّفا على مراجعة موقعهم من الصراع، ومنها أيضا أن السردية التي قدمتها الميديا النفطية العميلة عن «الشعبية» التي يحوزها المسلحون بين سكان المدينتين كانت أكثر تماسكا بكثير من سردية النظام وإعلامه الغبي المشغول «بمناشدات الأهالي تخليصهم من المسلحين».
طبعا ثمّة قدر لا بأس به من الدجل والتدليس في كلتا الروايتين، فلا المسلحون باتوا يحوزون شعبية فعلية بين أهالي دمشق وحلب، ولا الأهالي باتوا مستعدين لابتلاع خطاب عاطفي رثّ عن الجيش يعرفون تماما مقدار خفّته ودناءته الأخلاقية. لقد أفلح السوريون هذه المرة في التفلّت من القبضة الإعلامية القذرة التي أرادت جرّهم إلى ملعبها المفضل: التلاعب بالهويات الجزئية وشحنها عاطفيا إلى حدود الانفجار. والفضل في ذلك لا يعود إلى وعي هؤلاء بقدر ما يعود إلى الهوية المدينية التي يصعب جرّها كيفما اتفق إلى مربع الهويات الجزئية. ما حدث في دمشق مثلاً هو أعقد بكثير من قدرة أيّ ميديا وظيفية على مقاربته. بخلاف كل ما قيل في الإعلام النفطي والنظامي (عادا ليلتقيا هذه المرة كما في الأيام الخوالي)، كانت المبادرة إلى «افتعال المعركة» في دمشق بيد النظام لا بيد خصومه .
طبعاً لم يسبق للنظام أن بادر منذ بداية الاشتباك الحقيقي مع المعارضة الكولونيالية إلى خلط الأوراق بهذه الطريقة، والى إقحام دمشق في الصراع على نحو يجعل منه هذه المرة صراعاً فعليا بين الطبقات (أو ما يشابهها) لا صراعاً تحتها. لا يحدث كثيرا أن يحسّ ابن أبو رمانة والمزّة بما يحسّ به ابن حمص وادلب ودير الزور، أو ابن التضامن والحجر الأسود والقدم. هذا معطى جديد يضاف إلى جملة المعطيات التي طرأت على الصراع، وباتت تأكل قليلا أو كثيرا من رصيده الطائفي. لا يزال البعد الطائفي الوظيفي حاضرا بقوة في متن الصراع، إلا أن الاهتزاز الذي أصاب الذراع البرجوازية للنظام بفعل الأحداث الأخيرة بات يصعّب أكثر فأكثر فكرة حبس الصراع داخل القمقم الطائفي. حتى الدلالات الطائفية البغيضة التي رافقت هجوم المسلحين على بعض أحياء دمشق الطرفية (في السيدة زينب، حيث مورس عنف طائفي مريع ضد اللاجئين العراقيين هناك لمجرّد أنهم شيعة) تبدو بلا أثر حقيقي إذا ما جرى وضعها في سياق الانزياحات الطبقية التي تبلورت أخيرا، لكن في المقابل يخطئ من يعتقد أن نزوح بعض سكان المزّة والمالكي سيسرّع من وتيرة تعاطفهم مع الحالة الشعبية المناهضة للنظام. هذا نزوع إرادوي ساذج ولا يصلح أن يكون حتى ذريعة لتغليب البعد الطبقي في الصراع على ما عداه. صحيح أن العنف الذي مورس على تلك الأحياء سيجعلها تتردّد في محض النظام كامل ولائها، كما كانت تفعل من قبل، لكن ذلك أمر والتنظير لاستدراج أهلها الأغنياء إلى تموضعات طبقية تجرّدهم من امتيازاتهم أمر آخر تماما.
سبق لكثير من أبناء الطبقة الوسطى (لا الأغنياء) في حمص مثلا أن تعرّضوا لموقف مماثل، وأتت ردود فعلهم معاكسة لتنظيرات كثير من المعارضين اليساريين. ما حصل حينها أن بيوت هؤلاء ومحالّهم نهبت و«أحرقت» من جانب «الحالة الشعبية» التي كان يراد جرّهم إليها جراً. لهذه الوضعية أيضاً تفسير طبقي يمكن وضعه في مواجهة نظيره الذي يقول إن أغنياء دمشق قد باتوا أكثر تعاطفاً مع فقرائها المسحوقين من جانب النظام وآلته العسكرية.
سيُكتب الكثير مستقبلا عن معركة دمشق، وعن موقعها في مجرى الصراع الحاصل اليوم. الأرجح أن من سيفعل ذلك من موقع اليسار واحد من اثنين: إما مبالغ في تقدير قيمتها من حيث بلورة الهوية الطبقية للصراع، أو مقلّل من شأن ذلك وممسرح له على نحو مثير للسخرية. كلا الاثنين عاجز عن إدراك تعقيدات الواقع، وعن اللحاق بديناميته المتصاعدة، وكلاهما أيضاً ساذج ومخلص للنموذج. لهؤلاء نقول: سوريا اليوم ليست نموذجاً، هي مختبر فحسب.
* كاتب سوري