سؤالٌ يتردّد على ألسنة الجزائريين: أين يخبّئ الوزير الأول أحمد أويحيى الكنزَ الوطني، أي احتياطاتِ صرف البنك المركزي وقيمتُها قرابةُ 200 مليار دولار، وأين يستثمرها «لصالح الاقتصاد الوطني»؟ كلّهم يعرفون أن هذا الكنزَ موجود، وأنّه ثمرةُ تحسّن مداخيل الجزائر الخارجية منذ مطلع العقد الماضي، لكن لا أحد يعرف مخبأَه سواه، هو ووزير ماليته، كريم جودي، وعدد قليل من مسؤولي الدولة وبيروقراطيتِها الاقتصادية.

لم يرث أحمد أويحيى هذا الكنزَ عن والديه، ولا أوصت له بِه خالة مجهولة ثرية، لكنّه حريص عليه حرصَه على حرّ ماله، وهو إن تصرّف به كأنّ مهمة إدارته أوكلت إليه بعقد غيرِ محدد المدة فلِما عُرف به من حبّ للتقشف والادّخار تحسّباً للمستقبل، وإن كتم هويةَ المصارف التي أودع فيها فلأنّها سرّ من أسرار الدولة الدفينة.
يتساءلون: لماذا لا يصغي إلى من بحّت أصواتُهم داعين إلى توظيف احتياطات الصرف بما يتيح «تنميةَ الاقتصاد» و«القضاءَ على البطالة المتفشية» في بلد بلغت مواردُه الخارجية 74 مليار دولار في 2011؟ لماذا لا يستثمرُ هذا المال بما يجعل الجزائرَ تستغلّ فرصةَ ثراءٍ لم تعرف له مثيلاً منذ فجر تاريخِها فينطلق اقتصادُها بعد طول ركود وتضمن لأجيالها الصاعدة قسطاً من رخائها الحالي؟ لماذا يودعُه البنوكَ بفوائد متواضعة (بل ويطمع صندوق النقد الدولي، أي نعم، في اقتراض جزء منه) بدل توجيهِه وجهةً استثمارية أخرى لتدعمَ عوائدُه الصناعة والزراعة، وتُسهم في تحريك عجلة السياحة الراكدة؟
لا يصغي أحمد أويحيى إلى هذه الأسئلة، فضميرُه أُصِمَّ عن الأسئلة «السياسوية»، كما أنّه أدرى بتقلّبات الاقتصاد من منتقديه السذّج المغامرين الشعبويين. «لا تأملْ تتجنبْ الإحباط»: هذا هو، على ما يبدو، مبدأُه في الحياة، يهتدي به في إدارة احتياطات الصرف، وكذلك في نهاية كل سنة بصياغة الميزانية العامة على أساس سعر متوسط لبرميل البترول أخفض من السعر العالمي، لتصبَّ فوائضُ الجباية النفطية في صندوق سحري آخر، «صندوق معادلة نفقات الدولة»، لا يعرفُ الشعبُ وممثّلُوه المفترَضون، ولا ينبغي أن يعرفوا، الشيءَ الكثير عن مواردِه وطريقة استخدامها منذ إنشائه في 2000.
ألا يفهمون أنّه، هو الوزير الأول، لا يريد أن يعيش هواجسَ نهايات السنة العسيرة التي عاشها في أواخر التسعينيات، حائراً في إرضاء طوابير الدائنين المتدافعة أمام بابه؟ ألا يعلمون أن العسرَ يلي كلّ يسر، وأن أسعار النفط ستهوي لا محالة مهما بلغ بردُ الشتاء الأورو ــ أميركي ونهمُ الصين الطاقوي؟ ألا يعرفون أن البقراتِ السمانَ تأكلُها دائماً بقراتٌ عجاف، بنصّ سورة يوسف في القرآن؟ لمَاذا المجازفةُ بما استأمنه الشعبُ عليه في «توظيفات» استثمارية قد يتأخَّر مردودُها، وقد لا يأتي؟ ليست المغامرةُ من شيم الأجداد. صحيحٌ أنّهم كانوا يخزِّنون لأيّام الشتاء ما يجنونه بأيديهم لا مقابل ما يبيعون من ميراثهم، لكنْ ما ذنبُهم إذا كان أحفادُهم كسالى لا يكدحون كدحَهم؟ ليحمدوا الله أنْ وهبَهم المخلِّص أويحيى وصحابتَه ليدّخروا لهم ما سيجنّبهم مخالبَ الفقر عند انهيار أسعار البترول على رؤوسهم.
تغيّر الجزائريون، يقول الوزير الأول في نفسه، لكن قوانينَ الحياة لم تتغيّر، ودرسُ الحذر من مفاجآتها الذي تعلّمه في قريته الجبلية صالحٌ في كل زمان ومكان، سواء «انغلق» الاقتصاد الجزائري أو «انفتح» أو بقي موارباً، فاحتياطاتُ الصرف هي «بيت الخزين» التقليدي أو، بصورة أدقّ، صرّةُ الدراهم البيضاء التي تخبّئها الجدّاتُ للأيام السوداء: هل رأيتم إحداهنّ «تقرض» دنانيرَها لـ«مستثمر»، أو تشتري بها «أسهماً في مشروع»؟ سيأتي يومٌ يشكرُونه فيه على جلاء بصيرته، وعلى رفضه المغامرةَ بأموالهم في «استثمارات» لن تؤْكلَهم خبزاً إذا اكتسحتهم سنواتُ القحط دون سابقِ إنذار.
يلومونه على عدم إشراكه البرلمانَ في إدارة كنز الجزائر. يسألهم: هل حقّاً هم مقتنعُون بأنّ النواب وأعضاء مجلس الأمة قادرون على تسيير أيّ شيء سوى مالِهم الشخصي؟ ألا يعرفون أنّ أكثرهم، لو استطاع إلى ذلك سبيلاً، لاستخدم احتياطات الصرف كلَّها لتحسين جمع القمامة في قريته؟ ولا تزعموا أنّ سببَ طمعهم كونهم غير منتخبين ديموقراطياً. لا، سببُه أنّ المنتخبين خاضعون لضغوط ناخبيهم الجهلاء، وأنّ حرصَهم على مصالح الأمة لا يبلغ عُشر حرصِه عليها، هو وغيره من «الوطنيين» ممّن أفنوا أعمارَهم في خدمة شعب ناكرٍ للجميل. بسوء نية بيِّن لا يتورّعون عن اتّهامه باستعمال فوائض أموال الدولة كـ«صندوق أسود» للنظام. ما أشد جحودَ الجزائريين: ما المانعُ من إعطاء بعض المال، من حين لآخر، لمساندي عبد العزيز بوتفليقة؟ ألم ينتخبه الشعبُ ثلاث مرّات وبعدد من الأصوات لم ينله قبله «ديموقراطياً» أيُّ رئيس؟ أما المطالبون بكشف أسماء الهيئات التي أودعت فيها احتياطاتُ الصرف، فحقّاً لا يعقلون. لو لم يكن الجيش الفرنسي يعرفُ مخبأ كنز الحاكم التركي وهو يحتلّ الجزائر في 1830 لما استولى عليه، وإذا كانوا لا يعتبرون بدروس التاريخ فهو يعتبرُ بها، ولا يريد تكرارَ أخطاءِ القراصنة الذين سبقُوه على رأسِ البلاد.
* كاتب جزائري