إزاء إقرار مجلس الوزراء في جلسته يوم الثلاثاء الماضي مشروعاً يعتمد النسبية في قانون الانتخابات النيابية، لا يملك المراقب المهجوس ببعض المطالب الإصلاحية، الا ان يتذكر ما حدث في أواسط التسعينيات حين اقر مجلس الوزراء في عهد رئيس الجمهورية الأسبق الراحل الياس الهراوي مشروع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية. المقارنة لا تعني التطابق في التفاصيل وفي بعض الاساسيات، لكن يمكن القول، براحة ضمير، إنّ هذا المشروع، كما المشروع السابق، الذي ولد ميتاً بسبب اعتراض رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك الشهيد رفيق الحريري، لم يأتِ في سياق خطة اصلاحية محدودة او شاملة، بل جاء تحت ضغط متغيّرات محلية وخارجية، أملتها حسابات ومصالح سياسية وانتخابية للفريق الذي يقود عمل السلطة في المرحلة الراهنة.

طبعاً لم يُقدر للمشروع الاختياري المدني للاحوال الشخصية ان يصل الى مجلس النواب يومها، لانّه لم يخرج اصلاً من مجلس الوزراء! فقد امتنع الرئيس رفيق الحريري عن توقيعه مُطلقاً او مُشجعاً حملة طائفية ــ مذهبية متنوعة، جعلت هذا المشروع كأنّه لم يكن!
يختلف الامر الآن في مسألة أنّ رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء يدعمان المشروع، لا بل إن رئيس الجمهورية قد ألح دائماً على ضرورة اعتماد النسبية. وكان يمكن ان يذهب ابعد في موضوع الدوائر وتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، لو انّ القوى السياسية الفاعلة، في الحكومة والمعارضة التقليدية، قد تعاونت معه في هذين الأمرين. كذلك فإنّ الرئيس نجيب ميقاتي قد تبنّى، قبل تسلمه مهمات رئاسة الحكومة، مشروعاً معلناً لاعتماد النسبية في قانون الانتخابات النيابية. وهكذا، وبسبب هذين الموقفين، وبعدما نال المشروع اكثرية كبيرة في مجلس الوزراء، فإنّ المشروع الانتخابي الجديد سيجد بالتأكيد طريقة الى المجلس النيابي.
ومع ذلك، لا يمكن توقع ان يمر المشروع في مجلس النواب الا اذا حدثت معجزة خارج المنطق والتوازنات والتوقعات. فمنذ بداية شروع مجلس الوزراء في بحث مشروع جديد، أُطلق من التهديدات وأُثير من الاستنفارات ما ينذر بخوض معركة كبيرة لإسقاط المشروع في المجلس النيابي. ويصادف للاسف ان قوى الحكم والسلطة التقليدية في لبنان، تتجه في مسارها نحو الماضي لا نحو المستقبل. ويصادف ايضاً ان القوة التي كانت رافعة دفع اساسية لمشروع اصلاح شامل للنظام السياسي اللبناني ـ عنينا الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة الشهيد الكبير القائد الوطني كمال جنبلاط ـ هذه القوة، قد تقوقعت منذ غيابه في نطاق معادلات وتوازنات النظام الطائفي التابع. وهو ما حاول مغادرته وتغييره الفقيد الشهيد من خلال مشاركته في عمل وطني واسع، ومن خلال قيادته لهذا العمل، ومن ثم من خلال «البرنامج المرحلي للاصلاح السياسي» الذي اعتمدته «الحركة الوطنية اللبنانية» في اواسط
السبعينيات.
وهكذ فإنّ غياب قوة دفع مثابرة ومناضلة وراء المشروع الجديد، من جهة، ووجود مقاومة شرسة للمشروع من القوى الاكثر محافظة وفئوية ومذهبية، من جهة اخرى، سيجعلان عملية اقراره مسألة شبه مستحيلة كما اسلفنا. ويعكس ذلك، في الواقع، جمود ورجعية النظام السياسي اللبناني وتكلس اطرافه، قياساً الى متطلبات تطوير صيغ الحكم في لبنان نفسه، كما يعكس تخلف هذا النظام حيال تحديات المرحلة والعصر، وخصوصاً مقارنةً بما يحدث في ليبيا مثلاً! فهناك، كما شهدنا منذ اسابيع، جرت انتخابات اعتمد فيها نظام نسبي متطور. حدث ذلك ايضاً في مصر وفي تونس، وربما يحدث في السعودية (!!) قبل ان يحدث في لبنان، الذي كان يباهي الجميع بأنّه واحة الديموقراطية في الوطن العربي!
واذا ما تذكرنا وذكّرنا بأن ما حصل لا يتعدى الاخذ بمبدأ النسبية، مجوفاً ومشوهاً، ودون المساس بـ«قدس الاقداس» الطائفي، لأدركنا كم تصبح ادعاءاتنا باعتماد الديموقراطية مزورة او مغالية في احسن الاحوال. وكذلك كم تصبح مهمة قوى التغيير والاصلاح صعبة ومعقدة واساسية ومُتحدية. ويحيلنا ذلك بالطبع، على ما تعانيه قوى التغيير واحزابه من خيبات او عجز او قعود او فئوية او أخطاء، او معظم هذه جميعاً!
لقد كانت القوى الدافعة نحو التغيير وصاحبة البرامج المجسِّدة لمراحله، تخوض معركة سياسية كبيرة لتعبئة القوى من اجل احداثه. والمعركة هذه كانت وطنية شاملة: بأبعادها القومية والسياسية والديموقراطية والاجتماعية... ولهذا الغرض خاضت تلك القوى، موحدة غالباً، معارك في الحقول المذكورة كافة. وهي كونت من خلال ذلك موقعاً مؤثراً ومستقلاً وجاذباً، تحوّل في مرحلة اساسية وملتهبة من تاريخ لبنان الى قطب ينافس على السلطة من اوسع الابواب، واكثرها صحة لمصلحة لبنان واكثرية شعبه، أي لمصلحة تقدمه في الحقول كافة، ولمصلحة استقراره وسيادته ووحدته الوطنية وتحرير ارضه...
إن القوى الوطنية لم تكن ابداً غائبة عن الاصلاح السياسي، وجوهره في المدى المباشر إقرار قانون متحرر من القيد الطائفي، ونسبي في دائرة انتخابية واحدة او دوائر قليلة واسعة، لكنّ عملية النضال من اجل قيام كتلة سياسية ـ شعبية تضغط وفق هذا الاتجاه، قد غابت غياباً شبه كلي في العقد الاخير، لتقتصر على بعض المطالبات «الخافتة» او على بعض الظواهر الصوتية المستجدية التي تسمعك جعجعة ولا تعطي
طحيناً!
ورغم ذلك فالساحة مفتوحة لمن يعزم على المبادرة. فما أُقر في مجلس الوزراء يبقى، رغم كل شيء، خطوة ايجابية على طريق طويل. والقوى التغييرية التي كان لها فضل الدعوة الى الاصلاح منذ عقود طويلة، مدعوة إلى مواصلة ما انقطع في نضالها عبر تخطي الحواجز والفئويات، من اجل بناء موقع وطني يجسد على نحو مثابر جهوداً قدمها اللبنانيون الذين اطلقوا يوماً جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والذين لقنوا العدو الاسرائيلي دروساً لن ينساها في 2000 و2006 وحتى هذه اللحظة.
مشروع التغيير في لبنان هو مشروع شامل: مشروع لتحرير الأرض ولتحرير الإنسان في وقت واحد.
* كاتب وسياسي لبناني