«... وانّي أحذّركم من اتباع الشهوات التي فيها خراب الدين والدنيا، وأحثكم على الصراحة والصدق في القول، وعلى ترك الرياء والملق في الحديث. فلم يُفسد المُلك الّا الملوك وأحفادهم وخدّامهم والعلماء المملّقون وأعوانهم»

من كلمة لعبد العزيز بن سعود أمام المسجد الحرام في مكّة، اثر مبايعته ملكاً على الحجاز ــــ 1926

حين يحصل بلدٌ ما على ريعٍ خارجيّ كبير، مصدره استخراج المواد الأوّلية (أي انه لا يتأتى عن انتاجٍ وتوظيفٍ وعمل في الداخل)، ستواجهه عدّة سبل واحتمالات لاستخدام هذه الثروة: بإمكانك أن تموّل بها البرامج الاجتماعية والإعمار (كما فعلت هولندا في الخمسينيات)، أو أن تستثمرها بحذرٍ وتقتير كيلا يؤدي تدفق المال الى تضخّمٍ في الأجور وخمولٍ في الانتاج المحلي، وتبقي قسماً منها خارج البلاد لهذه الغاية (وهي سياسة النروج).

وفي البلدان النامية التي لا تملك قطاعات انتاجية راسخة، وفئات برجوازية ــــ تجارية وصناعية ــــ قادرة على بناء سوق وطني منتج (أو خسرت برجوازيتها مع رحيل الاستعمار)، يمكن للدولة، متسلّحة بمداخيل الريع، أن تدخل بنفسها في ميدان الانتاج والتصنيع، كما فعل العراق والجزائر في مراحل مختلفة.
وفي وسعك، بدلاً من هذا كلّه، أن تستخدم الريع النفطي لشراء السلع والأمور التي تحتاجها من السوق الدولية (التي تشتري منك النفط أساساً)؛ والاستيراد هنا لا يتوقّف على الغذاء والسيارات وحاجات الاستهلاك، بل يصل الى قوّة العمل واليد العاملة. دول الخليج، خاصة الصغيرة منها، معروفةٌ بأنها تجنّبت «المسألة الطبقية»، ببساطة، عبر «استيراد» طبقةٍ عاملةٍ من الخارج. وفي السعودية، حيث يشكل المواطنون أقل من عشرين في المئة من العاملين في القطاع الخاص (ووفق تقديرات رسميين سعوديين، 7.1 في المئة لا أكثر)، فهنا نموذجٌ لدولةٍ استعاضت عن الانتاج بالريع، وصارت مسؤولةً عن إعالة شعبها من هذا المورد الأوحد ــــ وهو نظامٌ قابلٌ للإستمرار بشرط أن يستمر انتاج النفط الى الأبد بلا تناقص، وأن تظلّ حاجات السكان ثابتة، والاثنان من المستحيلات.
كيف وصلنا الى هنا؟ هناك نقاشٌ غير محسومٍ في الأكاديميا الغربية عن قراءة التاريخ السياسي السعودي. في كتابها عن السعودية واليمن، تصرّ الباحثة كيرين شاودري على أن المملكة هي «دولة غزو»، أنشأتها سلالة مقاتلة محلية، ولم تمرّ باستعمارٍ غربي، وقد بنت مؤسساتها، في مختلف المراحل، تحت تأثير حاجات وإرادات سعودية أساسا. أمّا بوب فيتاليس، فهو، على العكس تماماً، يعتبر أن اميركا (و»ارامكو» تحديداً) هي من بنت السعودية الحديثة ومؤسساتها، وصولاً الى الوزارات والتعليم وتخطيط الطرقات والمدن؛ ويذكّر شاودري بأن الوثائق التي اعتمدت عليها، لإثبات الطابع «المحلوي» للكيان السعودي، قد راجعتها في ارشيف «ارامكو».
أما في المجال الاقتصادي، فالمسألة واضحة: منذ أن قامت الدولة السعودية بمأسسة نفسها (ونظام توزيع الريع فيها) اثر أزمة 1958 ــــ 1962 (يوصف الباحث تيم نيبلوك هذه المرحلة باسهاب) ثمّ عقد الملك فيصل اتفاقاته الشهيرة مع اميركا حول التعاون والنفط وارامكو، كان كل شيء قد صار محسوماً. العلاقة بين البلدين، وان أمّنت البقاء السياسي للعائلة المالكة، الا أنها قد قرّرت ايضاً سبل انفاق الريع وشكل الاقتصاد السعودي. حين تكون حدودك الجمركية مفتوحة لاستيراد البضائع الغربية، وأموال النفط تودع في مصارف اميركا، وقد التزمت بالتسلّح منها، لا تعود احتمالات التنمية المحلية والتصنيع واستثمار السوق الوطني متاحة كخيار استراتيجي.
يشرح الباحث الأميركي ماكس آيل، في مقالٍ أخير، أن دولاً لا تحذو حذو السعودية (أو ايران الشاه)، ولا تفتح أسواقها، ولا تلعب الدور المحدّد لها في النظام العالمي تصير، مباشرةً، «هدفاً» للولايات المتحدة وعدائها. لا يحتاج الأمر الى إيديولوجيا معادية للأميركيين أو لأن تبلور تهديداً حيوياً ضدهم؛ يكفي أن تقرّر أن ريعك النفطي لن يذهب لشراء السلاح الغربي وسيارات الفورد، بل الى مشاريع داخلية أو انفاق اجتماعي أو تسليح محلي (كفنزويلا وايران وروسيا) حتى ترفض واشنطن التأقلم مع نظامك أو الاعتراف بشرعيته، وتبدأ بالتخطيط لتغييره. الحرب والغزو، يذكّر آيل، ليست الشكل الوحيد للتدخّل كما يفترض البعض، بل هي في الحقيقة آخر خيار تلجأ واشنطن اليه: الحرب الاقتصادية قد تكون أكثر ضرراً من الحرب المباشرة، وتغيير النظام قد لا يستلزم تبديله، بل تحويله، عبر الضغط والاغراء والاختراق، الى المثال المرغوب: نظامٌ خدومٌ في سياساته الخارجية وليبرالي في سياساته الداخلية. هذا لا يعني أن هذه الأنظمة التي تستهدفها اميركا هي حكماً «جيّدة» أو جنّات تشاركية، أو حتى مشاريع ناجحة ووطنية، ولكنه يفسّر سياسات اميركا تجاهها ويشرح الدور الوظيفي الذي تتوقعه من أتباعها.
في سنواته الأخيرة، كان شاه ايران يبرم عقوداً عسكرية ومدنية مع واشنطن تفوق كامل قيمة صادراته النفطية (حتى أن المسؤولين الأميركيين كانوا يحاولون لجمه في الشراء من شركاتهم، مخافة عليه من نفسه). حتى نفهم أهمية النظام السعودي لدى واشنطن وحلفائها، لا ضرورة لتكرار الأرقام عن مشتريات السلاح من أميركا، التي فاقت المئة مليار دولار في سنوات الطفرة، بل يكفي ايراد نص رسالة الكترونية مسرّبة، يحتفل فيها مسؤولون حكوميون من كندا (وهي حليف «ثانوي» للرياض) بأن بلادهم حصلت، في الأشهر الستة الماضية فحسب، على العقود التالية: 383 مليون دولار لقطارات مترو الرياض، 764 مليون دولار لبناء مشروع صناعي، مليارا دولار ثمن طائرات مدنية، و15 ملياراً لعقدٍ عسكري هو الأضخم في تاريخ كندا. للمقارنة، كانت صفقة الـ «اس 300» بين ايران وروسيا، التي شغلت الناس، تساوي 800 مليون دولار، والسعودية ستدفع 15 ملياراً ثمن سيارات مدرّعة.