توصلت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلنتون، السبت في 11 آب 2012، إلى أنّ رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، بات «مسألة وقت». لكن، كم يلزم من الوقت لتحقيق هذا الهدف؟ قد يغادر الأسد الحياة السياسية لدى الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في 2014 في إطار تسوية تقضي بخروجه من السباق الانتخابي ودعم مرشح آخر للنظام، لكن هذا السيناريو سيكون في ظل الأسد وخياراته الاستراتيجية، لا خارجها.

الوقت ليس معطىً جامداً. فحتى بضعة شهور هي وقت كاف لتغيير المشهد؛ خلالها يواصل الجيش العربي السوري تماسكه وانجازاته الميدانية. وسوف يعني ذلك شهوراً أخرى، لكي تدرس الإدارة الأميركية الجديدة خيارات جديدة، أكثر واقعية واستقراراً بشأن سوريا، ولكي تتحوّل انتفاضة حزب العمال الكردستاني إلى انتفاضة كردية عامة في تركيا. ربما يكون على مضيف صاحبة التصريح، نظيرها أحمد داوود أوغلو عندها أن يرحل مع مشروعه العثماني، بينما يتفرّغ رئيسه، رجب طيب أردوغان، لمحاولة إنقاذ وحدة الدولة التركية المركبة بغراء هش من فسيفساء طائفية واتنية وأيديولوجية (علمانية، سنية) وسط نمو معارضة سياسية تزداد نفوذاً، يوماً بعد يوم.
يصف أردوغان، حزب الشعب الجمهوري المعارض بأنّه حزب البعث السوري في تركيا؛ وصف يوضح فحوى الانقسام الداخلي حول الموقف من سوريا، بينما المباحثات الأميركية التركية، تتركّز على التحدي البازغ من قبل حزب العمال الكردستاني. وهو تحد نتج عن تورّط حكومة «حزب العدالة والتنمية الإسلامي» في شؤون البلد الجار. وحين نضيف إلى ذلك مخاوف واشنطن الجدية من توطّن القاعدة في المنطقة، سوف نتأكد من أن الوقت ليس محايداً، بل قد يكون انتصار الأسد ـ بالمقابل ـ «مسألة وقت» أيضاً.
هل يمكن للأردن أن يعوّض أو يسدّ ثُغر الدور التركي في سوريا؟ يبدو لي أنّ هذا السؤال هو الذي حرّك الضغوط الأميركية الخليجية لابتزاز عمان التي لا تزال، رغم تورّطها الجزئي، مترددة ومتخوّفة من العقابيل.
الدولة الأردنية، اليوم، منقسمة على نفسها، أفقياً وعمودياً. لا يحظى النظام بأي صدقية جراء تراكم جبل من ملفات الفساد الكبرى الممنوع فتحها رغم أنّها تسببت، إضافة إلى مجمل السياسات النيوليبرالية وسوء الإدارة والهدر، بمضاعفة المديونية العامة (من حوالى خمسة مليارات دولار إلى أكثر من خمسة عشر ملياراً في أقل من عقد واحد)، وبتحويل المحافظات إلى مناطق مهمشة ومفقَرة ومتمردة. وفي الانقسام العمودي، يجثم تحت الرماد، الصراع بين الكتلة الشرق أردنية والكتلة الفلسطينية ـ الأردنية على الهوية والكيان والسلطة والموارد والمقاعد النيابية والجامعية! ووسط ذلك، يتصارع اتجاهان، داخل النخبة الحاكمة، أحدهما يرى في التدخل الأردني في سوريا مخرجاً اقتصادياً وسياسياً من الأزمة الحالية الخانقة، وثانيهما يرى فيه ورطة العمر التي قد تقود إلى الوطن البديل.
الاتجاه الأول يدرك أن الذهاب بعيداً ضد الأسد، يستلزم تقديم تنازلات داخلية للسند الشعبي الممكن لسياسة كهذه، المتمثّل في الإخوان المسلمين. وهؤلاء يريدون ثمناً باهظاً؛ الشراكة لا المشاركة، المطلب المرفوض، قطعياً، من الاتجاه الثاني المتجذر في الاستخبارات والقوات المسلحة. كل ذلك في بلد محدود الامكانات بالنسبة إلى تكاليف التورط في صراع إقليمي مديد قد ينفتح على حروب إقليمية.
وبالنسبة إلى الدور اللبناني، فقد جرى استنفاده حتى آخر قطرة. والثغر الحدودية مع لبنان هي اليوم في عهدة العسكر، لترتد صراعاً متفاقماً داخل البلد الصغير المنقسم.
هناك، أيضاً، وقت كاف للأسد لكي يشهد حرباً تبدأها إسرائيل بضرب إيران، من دون أن يستطيع أحد أن يقدّر تفاعلاتها وأبعادها والوقت اللازم لنهايتها. في هذه الحرب، يمكن دمشق أن تؤدي دوراً ينقل المسألة السورية كلها إلى سياق تفاوضي جديد يتعلق بتوازنات الإقليم، لا بالنظام السوري نفسه.
وسط كل ذلك، تنطلق زغرودة امرأة ستينية في حلب، حين ترى الجنود السوريين مقبلين على حيّها؛ المجتمع السوري وصل إلى مرحلة الضجر من القتال والغضب من المعارضة ومقاتليها. والتفاعلات السياسية لذينك الضجر والغضب، هي، أيضاً «مسألة وقت».
الزمن، بالطبع، يلعب بالاتجاهين، لكن معظم ما يمكن المثلث الأميركي التركي الخليجي فعله ضد سوريا جرى انجازه، وفي أحيان كثيرة بكفاءة مشهودة، لكن من دون أن يختصر الوقت لإسقاط الأسد. أي ضربات جديدة أعلى من سابقاتها يمكن توجيهها إلى النظام السوري اليوم؟ المزيد من الانشقاقات المموّلة؟ لقد ظهر أن انشقاق رئيس الوزراء نفسه، على أثره المعنوي البليغ، لا يقدم، سياسياً ولا يؤخر. مناطق حظر جوي خارج قرار أممي؟ إنه قرار بالحرب. وايّ حرب الآن ستكون شاملة. ثم إنه خيار يتطلب، بالأساس، وحسب كلينتون نفسها، أن تكون هناك مناطق مترابطة تحت سيطرة المسلحين أولاً.
ومع ذلك كله، وسواه، تناقش كلينتون وأوغلو، سيناريوهات ما بعد الأسد. لا بأس! فهذه لعبة تمارين ذهنية منتشرة اليوم في المثلث الغربي الخليجي التركي. بالمقابل، لعله من حقنا، وواجبنا، أن نناقش، من جانبنا، السيناريوهات الممكنة في ظل الأسد.
وسنشطب، ابتداءً، السيناريو الذي يقترحه الملك عبد الله الثاني، ويتنبأ بانسحاب الأسد ونظامه لإقامة دويلة في المناطق الساحلية العلوية. ينطلق هذا السيناريو من ثلاث فرضيات؛ الأولى، أن النظام السوري فقد فعلاً السيطرة على البلاد. وهذا غير صحيح وغير واقعي وفق المعطيات الراهنة. الفرضية الثانية هي أنّ النظام السوري نظام علوي. وهذا تبسيط مخلّ جداً يخلط بين براغماتية نظام سياسي في الاستناد إلى دعم عصبية ما وبين كونه نظاماً يعبر عن تلك العصبية بالذات. النظام السوري أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. إنه يعبر، ابتداءً، بهذه الدرجة أو تلك من الكفاءة، عن الدولة السورية وواقعها الجيو سياسي. ولولا هذه الصلة العميقة، لما كان النظام السوري قد استمر أصلاً، كما يعبر عن النزوع الأيديولوجي العروبي (الذي يلحم وطناً مجروحاً بالاقتطاعات) والعلماني التقليدي (الذي يسمح بتآلف الطوائف والمذاهب) في سوريا. وعلى هذه الخلفية، فهو، أي النظام السوري، محصلة تركيبة الجيش ونزوعاته العميقة من جهة، والتحالف الاجتماعي الداخلي الذي كان المساس به أساس الأزمة السورية، من جهة أخرى. بناءً على ذلك، فإن نظام الأسد لا يستطيع الفرار إلى اللاذقية، بل ليس أمامه إلا أن يكون سورياً أو لا يكون.
الفرضية الثالثة تقوم على امكان قيام دولة في الساحل العلوي في إطار الجغرافية السياسية الجديدة للجمهورية العربية السورية. هذا الإمكان ليس له أساس ولا مقومات إلا إذا شمل التقسيم المقترح، تركيا أيضاً، فتمتد الدولة العلوية المتخيّلة على كامل «أراضيها» الممكنة، بما في ذلك أنطاكية ومرسين وأضنة، بينما يفتح الكيان الكردستاني السوري، الطريق أمام الدولة الكردية الكبرى التي يعيش 56 بالمئة من سكانها في تركيا. أعني أنّ العبث بوحدة سوريا، سوف يفتح احتمالات العبث بوحدة جيرانها، تركيا والعراق ولبنان والأردن نفسه، حيث تتردد أفكار حول اقتسام المناطق الشمالية الشرقية منه لضمه إلى جنوب سوريا في دولة حوران! فيما يتوحد قسمه الثاني، وسط الأردن، بالضفة الغربية، وجنوبه بالحجاز الخ.
لا يتخيلن أحد أنه يمكن تقسيم الجمهورية العربية السورية من دون وضع الخارطة السياسية للمنطقة برمتها على بساط البحث. وهو ما يعني حرب الكل ضد الكل في جحيم الشرق الأوسط الجديد.
سنلامس الآن ملامح السيناريوهات الممكنة في ظل الأسد. وتنطلق هذه السيناريوهات من فرضية واقعية هي أن الجيش العربي السوري سوف يحسم، ميدانياً، المعركة مع المجموعات الإرهابية في غضون الأشهر المقبلة. ومعنى هذا الحسم أنّ القوات المسلحة وإدارة الدولة سوف تفرضان سيطرتهما على المدن والبلدات الرئيسية وخطوط المواصلات والمرافق والحدود، لكن مع وجود مجموعات مسلحة متنقلة في المناطق الريفية ونشاط متوسط إلى ضعيف للخلايا الإرهابية. على أنّ هذه المجموعات والخلايا سوف تدرك استحالة السيطرة على المناطق الحضرية أو حتى السيطرة الدائمة على أي بقعة في الجمهورية، وسوف تخفض هدفها الفعلي، بالتالي، من مستوى إسقاط النظام إلى مستوى الانتقام منه والسعي إلى زعزعة استقراره.
هكذا سيكون الوضع، على الأرجح، عندما يباشر الرئيس الأميركي الجديد، مهماته مطلع العام المقبل؛ سيجد أنّ الأسد لا يزال صامداً وقوياً ومستعداً لخوض الصراع الدامي لسنة ثالثة من معركة مستمرة تعرف واشنطن كم كلّفت من مليارات وجهود سياسية و«جهادية» واستخبارية وإعلامية.
ساكن البيت الأبيض، مطلع عام 2013، أياً يكن، سيجد نفسه أمام ثلاثة خيارات؛ التدخل العسكري خارج نطاق مجلس الأمن، أو استمرار المواجهة المنخفضة المستوى لأجل مفتوح أو التفاوض. باراك أوباما أو ميت رومني سيظلان محكومين بعقدة العراق الأميركية (معززة بمصاعب الأزمة الاقتصادية التي عمقتها الحرب العراقية الفاشلة) وسيواجهان تكثيفاً للنقد الذي بدأ يتنامى في الصحافة والكونغرس والرأي العام، حول وجاهة دعم مجموعات مسلحة متحالفة مع جهاديي القاعدة، أو ضرورات حرب ستجد الولايات المتحدة نفسها فيها وقد انزلقت، شهراً بعد شهر، في تكرار للتجربة العراقية.
الخيار الواقعي هو أنّ واشنطن سوف تلجأ إلى التفاوض. وهو ما قد ينتج عنه احتمالات لسيناريوهين هما:
السيناريو الأول، تجديد الستاتيكو السوري ـ الإقليمي. وفق هذا السيناريو ـ وأظنه يداعب التيارات التقليدية وعناصر البزنس داخل النظام السوري ـ سوف تنفتح خطوط التفاوض على أساس طيّ الصفحة، والعودة إلى روحية «التضامن العربي» والحوار السوري ـ الأميركي والمفاوضات الماراتونية مع إسرائيل، بما في ذلك المشاركة الدولية العربية في إعادة بناء البلد الذي آذاه الصراع الدموي. كل شيء سيعود، من الناحية الاستراتيجية، إلى الستاتيكو القائم قبل 2011 مع تطوير الإصلاحات السياسية الجزئية الحاصلة، وإقرارها كإطار لانتخابات تشريعية ورئاسية ودمج المعارضة السياسية في أطر الدولة. سوف تُطلَق يد دمشق، بل سوف تتم مساعدتها، على تصفية أوكار الإرهاب الباقية، بينما سيذهب القادة العسكريون للإخوان المسلمين إلى المنافي مجدداً، وتجري مصالحات داخلية مع ممثلين معتدلين لقواعدهم الاجتماعية والقوى الحليفة الأخرى، ويتم، بالطبع، تهميش القوى الوطنية والشعبية والتيارات التقدمية التي خاضت الصراع.
هذا السيناريو الذي تتصوره طهران وموسكو على أساس معادلة واقعية لضمان الإبقاء على سوريا في موقعها الاستراتيجي، يتضمن عناصر واقعية بالقياس إلى أحداث الماضي، لكنّه، بالقياس إلى الحقائق التي أوجدها الصراع الدامي في سوريا، هو سيناريو وهمي؛ أولاً، لأنّ القوى الاجتماعية والسياسية التي احترقت أصابعها في الحرب، ويعتمد عليها تجديد الدولة السورية الموحدة القادرة على الاستمرار في أداء دورها الإقليمي، سوف تضغط باتجاه استحقاقات اجتماعية وسياسية تقدمية لا يمكن تجاهلها. وهي استحقاقات تصطدم، جوهرياً، مع متطلبات مصالحة سوف تستعيد النموذج الاقتصادي النيوليبرالي ونمط الحكم شبه السلطوي ـ شبه الليبرالي المتداول الآن في دول الربيع العربي؛ وصفة سوف تولّد، مجدداً، عوامل انفجار أوسع وأعمق، وثانياً، لأن المعركة التي خاضها النظام السوري بنجاح، أنهت قدرته على استعادة النمط البراغماتي المعهود لإدارة السياسة الخارجية، والقيام بالمناورات التقليدية. لم يعد ممكناً، بعد اليوم، الحديث عن التضامن العربي والإخاء مع دول الخليج الرجعية والتفاهم مع الإسلام السياسي، كما لم بعد ممكناً تجاهل قضية تحرير الجولان. فالجيش الذي قاتل في الداخل في حرب أهلية منخفضة، لا يستطيع استعادة الاجماع الوطني حوله من دون تجديد ناجح لتشرين آخر.
السيناريو الثاني، تسوية إقليمية ودولية شاملة. ويقوم هذا السيناريو على تصوّر صفقة أميركية روسية لإحداث تغيير سياسي في سوريا على أساس تصفية الإرهاب ووقف العنف والذهاب إلى دستور جديد وانتخابات تشريعية ورئاسية مفتوحة حرة وتحت الإشراف الدولي، ينتج عنها نخبة حاكمة مؤلفة من النظام والمعارضة، وتحكم بالشراكة مع المؤسسة العسكرية التي تحتفظ بتماسكها وقوتها وصناعاتها وعلاقاتها التسليحية التقليدية مع موسكو، وكذلك بحق الفيتو.
على أنّ تسوية داخلية كهذه، ليست مضمونة بالنسبة إلى طرفيها، وليست ممكنة إلا في سياق تسوية دولية وإقليمية واسعة النطاق، تشمل إسرائيل وإيران، تركيا والخليج، فلسطين ولبنان، النفط والغاز، وتوازنات القوى. هل هي واقعية؟ سنرى أنّها أشبه بحلم ليلة صيف.
التسوية المتخيلة هي محصلة مساومات؛ على إسرائيل القيام بسلسلة انسحابات، وسوف تنال ترتيبات أمنية شاملة وحصصاً وازنة من ثروات المتوسط، ويُقرّ لإيران ببرنامج نووي سلمي، لكن مقيد تماماً وبنفوذ في العراق والخليج، وهذا سوف يحصل على ضمانات، وتركيا على تسهيلات شرق أوسطية لمصالحها، وسوف يُرغَم الأردن على الاندراج في حل كونفدرالي للقضية الفلسطينية، ويُضمَن للبنان استقرار ولو هشاً والحد الأدنى من مصالحه في ثروات المتوسط، على أن يقبل التوطين وحلّ المقاومة.
وطالما أنّ أياً من هذه الفروض لا يتسم بالواقعية، ويصطدم بديناميات الصراع الأساسية والاستراتيجيات الدولية والإقليمية ومحركات الرفض المحلية، فإنّ النظام السوري، في جوهره الحالي، سيظل لازماً للأطراف الإقليمية الممانعة والمقاومة، والمتضررة كالعراق والحركة الوطنية الأردنية، وكذلك، بصورة أساسية، لروسيا والصين. ولذلك، فإنّ مقترحات موسكو لتسوية الأزمة السورية، لا تعدو كونها، مناورة دبلوماسية تسهم في تعظيم المأزق الأميركي الخليجي التركي في مواجهة استمرارية النظام السوري حاضراً في الوقت المتاح الذي يتحول، بمروره التفاعلي، أزمات إقليمية جديدة.
السيناريو الثالث، هو سيناريو تجديد الدولة السورية عبر توليف نخبة جديدة من العسكر المقاتلين والمناضلين الوطنيين الاجتماعيين. إنّه سيناريو عصام زهر الدين وقدري جميل وعلي حيدر ورفاقهم من الشباب والشابات الذين خاضوا معركة الاستقلال الثاني لسوريا، في ميدان القتال والتغيير الديموقراطي الاجتماعي وتجديد الوطنية السورية والمبادرات المدنية الخلّاقة المعبرة عن وحدة وحيوية المجتمع السوري، في تحالف، بقيادة القطاع العام، مع الصناعيين والتجار الوطنيين.
سأتحدّث عن زهر الدين... ضابط سوري ميداني، لاسمه صدى مرعب بين صفوف الإرهابيين من دمشق إلى حلب، ترددت شائعات عن استشهاده في القتال في حي صلاح الدين، ثم جرى نفي النبأ الذي وجدتني مهتماً به أكثر من رزمة الأنباء والتحليلات حول انشقاق رئيس الوزراء، وفراره إلى الأردن. النقطة الوحيدة التي شدت انتباهي في تلك الرزمة تتعلّق بتسهيلات أمنية عسكرية ساعدت رياض حجاب على المرور الآمن إلى منفاه؛ هل كانت هذه التسهيلات ناجمة عن قرار أم عن ثغرة في الجدار؟ ربما كان هذا هو السؤال الأهمّ في كل حكاية جيمس بوند عبر الحدود؛ فقد آن الأوان للتخلّص من الثغر التي لم يعد لأعداء سوريا، سواها، لإدامة تشغيل ماكنة الحرب الإعلامية النفسية.
عندما حدّثتُ مسؤولاً أردنياً كبيراً سابقاً، ومتعاطفاً مع دمشق، بملاحظاتي هذه، ابتسم، ولاحظ، بدوره، أنّ البطل الوحيد في المشهد السوري اليوم هو الجيش. وهو مشهد يفرض نفسه على الإعلام الرسمي في أخباره وتعليقاته وتغطياته ومقابلاته مع المواطنين الخ ورأى أنّ هذا المشهد سيكون له استحقاقات سياسية واجتماعية لاحقة لا يمكن القفز عنها، «استحقاقات كالتي واجهناها بعد أحداث السبعين»، وكانت تتطلب وتضغط نحو تغييرات إيجابية عميقة في بنية الدولة والمجتمع، أهمها توليد نخبة عسكرية ـ سياسية جديدة من العناصر التي تميزت بالنزاهة وحس التضحية، وعكست روحاً شعبية. وما حدث أنّه جرى تبديد هذه النخبة المعمدة بالنار من خلال الإفساد والاستبعاد. كان ذلك يتعلق بطبيعة النظام الأردني الاجتماعية السياسية، العاجزة عن تجديد الدولة الأردنية وطنياً وشعبياً. فماذا عن سوريا؟
سوريا ستواجه الخيارين نفسيهما مع نخبتها العسكرية ـ السياسية الشعبية التي تخوض اليوم معركة الدفاع عن الدولة والوطن. هل ستنسج من تلك النخبة مع المناضلين المخضرمين، نخبة حكم جديدة؟ أم أنها ستدفن الشهداء مع أكاليل الغار، وتوزّع الأوسمة على الأحياء، قبل أن تعرض عليهم الإفساد أو الاستبعاد؟
أين هم المسؤولون السوريون اليوم؟ أين حزب البعث؟ ومنظماته؟ وجبهته؟ بل أين هي الأجهزة الأمنية الجبّارة التي تبيّنت رداءة أدائها في سلسلة متصلة من الإخفاقات؛ في تقدير الموقف عشية اندلاع الاضطرابات في ربيع 2011، وفي التنبؤ بتطوراتها، وفي معالجة ثغر أمنية بدائية أدت إلى نجاح ضربات معادية مؤذية يعرفها الجميع.
لا يوجد سوى الجيش في الميدان. حتى التصريحات الأكثر حيوية وحرارة وثقة هي تلك التي يدلي بها جنود على أهبة القتال. الجيش هو النظام والدولة في سوريا اليوم. ولا يتعلّق الأمر بقيادة عسكرية، تحظى بامتيازات تقليدية، وإنما بعشرات الآلاف من الضباط والجنود المقاتلين الذين تلحمهم المؤسسة العسكرية ورفقة السلاح والاعتزاز بقدرتهم على المواجهة والإنجاز وسط التراجع السياسي والثغر الأمنية والثرثرة الإعلامية. هؤلاء الذين ينتمون إلى فئات اجتماعية متوسطة وكادحة، هم المرشحون المحتملون، واقعياً، لكي يبنوا سوريا الجديدة. لا أتحدث، بالطبع، عن سيناريو انقلابي. فالانقلاب، في الشروط السورية الراهنة، لا يتحقق بنفسه، بل بصلاته السياسية مع القوى الخارجية المعادية ووكلائها المحليين. وهو طريق سيقود، موضوعياً، إلى إضعاف المؤسسة العسكرية ودورها وتجميد قدراتها التسليحية ولجمها وتحويلها إلى قدرات شرطية. لذلك، لن يمشي العسكريون السوريون، على رغم المساعي الحثيثة المبذولة من الحلف الأميركي الخليجي التركي، في هذا الطريق، لأنه، ببساطة، انتحاري بالنسبة إلى السائرين فيه. إنما أتحدث عن انتقال سياسي من نوع آخر، هو مرحلة انتقالية من بسط سلطة العسكر في ظل الرئيس بشار الأسد، وبالعلاقة معه. وسيكون لهذا الانتقال السياسي، نتائج اقتصادية واجتماعية واستراتيجية؛ إن أكثر الفئات الشعبية وعياً وطنياً واجتماعياً، وأفضلها تنظيماً وفعالية، أي تلك المنضوية اليوم في صفوف مقاتلي الجيش العربي السوري، هي المرشحة الآن لتكون نواة التحالف الوطني الاجتماعي القادر على بناء الجمهورية الجديدة.
سوف يفتح الماركسيون الحرفيون والليبراليون، النار على هذا التحليل، لكنني أجدْه التحليل المادي الأكثر تطابقاً مع مجرى تشكل الواقع الاجتماعي السياسي في حمأة الصراع الطويل. وسيكون لنا عودة إلى تحليل موسع ينقض الأفكار المسبقة المتداولة حول الطبيعة الاجتماعية والسياسية للجيوش الوطنية في بلادنا، وأدوارها الوطنية والتنموية الممكنة.
القتال الذي يخوضه الضباط والجنود الآن على الجبهات الداخلية في كل أنحاء سوريا، ليس قتالاً كلاسيكياً متمركزاً في نخبة قيادية، بل هو قتال شوارع يستند إلى العزيمة الفردية والفداء والروح الرفاقية والمشاركة الميدانية في القرار. كل ذلك، سينعكس في بنية المؤسسة العسكرية، لجهة توسع حضور صغار الضباط وتعمّق شعورهم بالثقة بالذات وأنسنة علاقتهم مع جنودهم، وتالياً تحويل الوحدة العسكرية إلى منظمة لها مضمون وطني ديموقراطي، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، اجتماعياً وسياسياً. هذه العملية نفسها، ينبغي فرضها في أجهزة الدولة المدنية، ليتحوّل نشاطها التقليدي إلى نضال.
هل يمكن لفاسد أو مستفيد أن يملك الروح الاستشهادية للمقاتلين الذين يواجهون عدواً متوحشاً، وجهاً لوجه، ويقاتلون وسط بنايات مفخخة، وينفذون مهمات السيطرة على متر مربع إثر الآخر؟ لا. وهذه الروح نفسها ينبغي أن تدب اليوم في أعضاء الجيش المدني. ويتطلب انجاح هذه المهمة دمج الآلاف من المناضلين الوطنيين والتقدميين والشباب المبدعين المتحمسين في الإدارات، لتفعيلها وتحويلها وحدات مقاتلة.
المعركة مستمرة وشاقة وطويلة، ولا مكان في سوريا الجديدة التي تولد اليوم في ميدان النضال، للمترددين والخائفين والمخترقين والفاسدين والمتفرجين، سوريا اليوم تحتاج إلى كل نبضة قلب وذرة جهد مخلصة من أجل هزيمة العدوان وإعادة البناء. ومفتاح تكوين هذه الجبهة من المقاتلين والبناة هو الإجابة اليوم ـ وليس غداً ـ عن سؤال المستقبل: لمصلحة مَن ذلك البناء؟ أللنخب المتهرّئة والمريضة بالفساد والمستثمرين الأجانب والكمبرادور الخ أم للضباط والجنود والعمال والفلاحين والكادحين والمثقفين والمهنيين والمبدعين والصناعيين والتجار الوطنيين؟










الحركة الوطنية حول التدخّل الأردني في سوريا: ليس باسمنا


وقّع أكثر من ألف ناشط أردني، من بينهم قياديون تاريخيون ومخضرمون للتيارات اليسارية والقومية والديموقراطية، وضباط متقاعدون ونشطاء نقابيون وشخصيات سياسية واجتماعية وقيادات في الحراك الشعبي وقيادات عشائرية، بياناً يرفض بصورة حازمة، التدخل الأردني في الشؤون السورية، تحت عنوان «ليس باسمنا»، المتوقع أن يكون شعار الاجماع للقوى المتضامنة مع الدولة السورية في الأردن.
فيما يلي نص البيان:
مقابل رضى السيد الأميركي، وموافقته على طي ملفات الفساد، وحفنة جديدة من الدولارات سوف تؤول إلى ملفات فساد جديدة، شرع حكّام بلدنا الحبيب بإلقائه في الحريق السوري.
وبالإعلان عن العملية الأمنية الإعلامية المشتركة مع ما يسمى «الجيش الحر» لتهريب رئيس الوزراء السوري المنشق، رياض حجاب، أصبح النظام الأردني متورّطاً بصورة علنية في العدوان الغربي الأميركي التركي الخليجي ضد الجمهورية العربية السورية. وهو تورّط لم يعد، على كل حال، خافياً، ويتخذ عدّة مظاهر منها:
أولاً، تصنيع واستجلاب حالة لجوء سوري وتضخيمها وتحويلها إلى وسيلة ضغط على دمشق. فاللاجئون السوريون يأتون من سوريا وفق ترتيبات سياسية وأمنية وعسكرية مع ما يسمى «الجيش الحر». وتتمّ تغطية استجلاب اللاجئين بالاشتباكات بين الجيشين الشقيقين.
على أن الأردن، وطناً وشعباً، هو الذي يدفع الثمن الباهظ جداً للضغط على دمشق من خلال تصنيع ظاهرة اللجوء التي لا تنطبق على 80 بالمئة منها شروط اللجوء، وإنما هي فبركة تستغل حاجة الفقراء السوريين إلى تحسين ظروفهم المعيشية وبحثهم عن بعض الأمان؛
ثانياً، تسهيل مهمات جهات أمنية أجنبية، وخصوصاً تركية وبريطانية، لإمداد التمرد المسلح في سوريا بالمعدَّات والأموال وتجنيد الإرهابيين وتسهيل تسللهم إلى سوريا واختراق الأمن السوري وجمع المعلومات عن الجيش الشقيق. إنّ الأمن الوطني الأردني هو الذي سيدفع الفاتورة من خلال تسرّب الإرهاب إلى بلدنا، عاجلاً أم آجلاً.
ثالثاً، اطلاق التصريحات الرسمية غير المسؤولة المعادية للبلد الشقيق والتفاهمات مع الأميركيين حول الوضع في سوريا، بما في ذلك التدخّل العسكري القتالي سواء لتأمين منطقة عازلة أو لغزو دمشق أو كما يعلن صراحة للتدخل لتأمين الأسلحة الكيماوية السورية. وهي مهمة لا تعني الأردن، بل تعني إسرائيل.
إن أولئك الذين يريدون إرسال شبابنا من جنود الجيش العربي الأردني إلى مواجهة دموية مع أشقائهم في الجيش العربي السوري لخدمة الأهداف الاستعمارية في سوريا، يفتقرون إلى الحد الأدنى من الضمير القومي والوطني؛ وهم يزجون بالمؤسسة العسكرية الأردنية، التي يدّخرها شعبنا للدفاع عن أرضه وعرضه وكيانه الوطني، في أتون مغامرة خطيرة من شأنها تفكيك المؤسسة الوحيدة التي بقيت فاعلة في الدولة الأردنية؛ وكل ذلك لكسب رضى السيد الأميركي ونواطير النفط، من أجل بضعة مليارات موعودة من الدولارات لن يستفيد منها، إذا أتت، إلا من نهبوا البلد وتركوا اقتصاده قاعاً صفصفاً.
الموقعون يتعهدون مقاومة خطط التدخل التي يتورّط فيها النظام الأردني في سوريا، ويؤكدون أن كل التصريحات واللقاءات والممارسات السياسية والأمنية والعسكرية التي حدثت وتحدث في سياق التدخل الاستعماري التركي الخليجي في سوريا، تخالف الدستور الأردني، نصاً وروحاً، كما تخالف اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتستجلب المخاطر على كيان الأردن وأمنه ومستقبل شعبه. وهي، بالتالي، لا تعبّر عن الأردنيين الذين يرفعون اليوم أصواتهم عالية: ليس باسمنا.



المقاومة السورية شبكة أمان للدولة الأردنية



منذ التسعينيات تساءل المحافظون الجدد في الولايات المتحدة عن سبب تعثر القبول الشعبي للسلام مع إسرائيل (وهو العنوان الأبرز للهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط). وكان الجواب بسيطاً: إنّ الثغرة المسؤولة عن ذلك التعثر تكمن في أنّ السلام القائم لم تقده من الجانب العربي دول «ديموقراطية».
توصل المحافظون الجدد إلى أنّ المهمة الرئيسية للولايات المتحدة في المنطقة هي إقامة «ديموقراطيات» متحالفة مع الغرب ومتصالحة مع إسرائيل. ومن الملاحظ أن هذا هو ما حدث في مصر والدول المغاربية، حيث تولت قوة شعبية تتمثل في الإخوان المسلمين تشريع كلا الهدفين المطلوبين، وتقديمهما كحقيقتين واقعيتين مقبولتين على نطاق واسع.
إلا أنّ المحافظين الجدد توقفوا أمام الاستعصاء الديموقراطي الهيكلي في ثلاث دول رئيسية في المشرق، ادّعوا أنها مركّبة سياسياً وعسكرياً، بما يحول دون إصلاحها سلمياً؛
ـ في العراق، حيث تحكم أقلية سنية، الأغلبية الشيعية،
ـ في سوريا، حيث تحكم أقلية علوية، الأغلبية السنية،
ـ في الأردن، حيث تحكم أقلية شرق أردنية، الأغلبية الفلسطينية.
لا يدور الحديث، هنا، كما هو واضح حول أغلبيات سياسية، بل أغلبيات مذهبية وديموغرافية، من شأنها تحويل الديموقراطية الانتخابية إلى آلية للتفكيك الوطني، جرى، أولاً، تشغيلها في ما سمي «العملية السياسية» في العراق المحتل، لكنّها بقيت بعده، حين جرى الاستغناء عن الجنود واعتماد قوى الإسلام السياسي لإنشاء عملية سياسية مشابهة في سوريا والأردن.
وحين تولّى جورج بوش الصغير الرئاسة الأميركية، تولدت الفرصة أمام المحافظين الجدد لتنفيذ كسر الاستعصاء الديموقراطي في الحلقة العراقية، فجرى استغلال أحداث 11 أيلول، لغزو العراق وتدمير دولته وجيشه الوطنيين، وإطلاق عملية سياسية هدفت إلى بناء ديموقراطية محاصصة طائفية وإتنية، نقلت الحكم إلى الأحزاب الدينية الشيعية.
المقاومة العراقية حمت سوريا من أن تكون البلد الثاني على قائمة الغزاة، واستطاعت دمشق كذلك تجاوز مخاطر المحكمة الدولية (في اغتيال الحريري) 2005، واستيعاب العدوان الإسرائيلي على ذراع سوريا الاستراتيجية، حزب الله 2006، ومواجهة الحصارات، لكن انفجار الحراك الشعبي السوري في ربيع 2011، مثّل فرصة مناسبة لتحويله إلى تمرد مسلح وتجييش عناصر التيارات السلفية الجهادية من كل أنحاء العالم واستخدامهم في حرب شاملة لإسقاط النظام السوري بالعنف. بيد أنّه وُجدتْ ثلاثة عوامل مضادة: أكثر من 50 بالمئة من الشعب السوري يؤيد الرئيس بشار الأسد تأييداً حيوياً، الجيش السوري مؤسسي وقوي ومتماسك، روسيا والصين تحولان دون التدخل العسكري المباشر. وهي عوامل أدت إلى تمكين النظام السوري من البقاء، لكن في معركة ساخنة جداً وطويلة.
تعثّر التغيير السريع في سوريا، أدى إلى تغيير الموجة الأميركية المؤيدة للتغيير في الأردن. وبدلاً من الخطاب الأميركي «الثوروي» في النصف الثاني من 2011، بتنا نلاحظ الرضى الأميركي عن إنجازات الإصلاح السياسي في الأردن. لهذا الرضى المؤقت ثمن هو التصعيد مع سوريا، وسوف ينتهي فوراً إذا سقط النظام السوري. فالأردن على الأجندة، لكنّه مؤجل بفضل المقاومة السورية.
الأردن على الأجندة الأميركية للشرق الأوسط الجديد حتماً. وهذا هو السر الذي حوّل عناصر متهرئة ومموّلة ومرتبطة تقليدياً بواشنطن والدوحة وأخرى انتهازية وجبانة، إلى ثوّار لا يُشَقّ لهم غبار في المعارضة الليبرالية. وهو، كذلك، سرّ الأسرار وراء ظواهر جديدة مثل تعنت الإخوان المسلمين إزاء التوصل إلى تفاهم مع النظام، أو رسالة دعاة الوطن البديل «الجريئة» إلى الملك. وفي النهاية، لم يعد خافياً أن «الديموقراطية» المطلوبة في الأردن، هي الصيغة المتفق عليها للوطن البديل.
بما يشبه الانتحار، ينزلق النظام الأردني نحو التصعيد ضد سوريا، بما يمنحه هدنة قصيرة، ولكن بما يهدده ويهدد الدولة والبلد على المدى المنظور.